الارتكاس والانتعاش في السرديات الشعبية

ليست الحكايات والسير الشعبية رهنا بشعب دون شعب، أو قوم أو مجموعة بشرية دون سواها؛ بل الآداب الشعبية مشاعة في مختلف اللغات، ومعروفة في كل الآداب. وهي عادة ما تدور في السحري والخارق والمضمر على مختلف المستويات الخلقية والفكرية والأسطورية والميثولوجية. بعكس الآداب الرسمية التي تكتب تحت طائلة المنظومة الثقافية وبالشكل الذي يتوافق وأهدافها في الهيمنة. وإذا كانت هذه المنظومة قد أخذت في المرحلة ما بعد الكولونيالية بالاعتراف بالآداب الشعبية، فإن ذلك كان مفروضا كانعطافة متوقعة باتجاه التنازل عن هيمنتها وقبولها بالتعدد الثقافي الذي هو بمثابة رأسمال رمزي لا يستثمر إلا على نية التشارك واللاتبعية.
ولا شك أن السرديات الشعبية مصدر غنى لشعوبها، ففيها تودع كل قدراتها وإمكانياتها التي تجعلها تتلاقى مع آداب الشعوب الأخرى، لا من باب التشابه والاختلاف حسب، وإنما من باب التعدد والتنوع أيضا. وواحدة من غايات التعدد والتنوع القضاء على النظرة الطبقية في الأدب من خلال رفض تمركز أدب على حساب أدب، أو تغييب أدب لصالح آخر عبر الاعتراف بالآداب الفرعية والتعامل معها بلا وصاية أبوية. وهذا ما سمح لكثير من الآداب التي كانت مغمورة ومصادرة، أن تظهر إلى السطح وهي تمتلك سماتها الإبداعية الشعبية.
ومن الوهم الاعتقاد بأن السرديات الشعبية تروج للرذيلة، ولا تناصر الفضيلة أو أن لا طائل من دراستها، فهذه وغيرها مجرد ذرائع وتلفيقات، بها تتمسك المؤسسة الثقافية الرسمية، حائلة دون الاعتراف لهذا الأدب بالأهمية. والأدلة التي تؤكد غنى هذه السرديات كثيرة منها، أن الراوي الشعبي وإن كان ساردا شفاهيا ينقل ما تحفظه الصدور وتخزنه الذاكرة، فإن له ميزات خاصة به منها، أن سرده لا يطاله النسيان، ولا يعتريه الخطل ولا الفوضى، يقاوم عمليات المحو والشطب، بما يملكه من تكنيكات تبقي على متونه مستمرة، متجاوزة آليات الإقصاء والشجب، مطاوعة التاريخ ومتحايلة عليه. ومنها أيضا أن الراوي الشعبي ليس ديكتاتوريا كونه يستقل عن مسروداته من الشخصيات المحورية وغير المحورية، بعكس السرديات الرسمية التي تعطي للسارد هيمنة على المسرودات، والسبب وظيفة الإخبار التي لها أهمية كبيرة في التوثيق.
وإذا ما استقل الراوي الشعبي عن شخصياته، فإنه قد يتماهى فيها مونولوجا أو حوارا غير مباشر، وقد يتماهى أيضا في المسرود له كمتلق خارجي وقارئ مفترض لمتن سماعي، ولو لم تكن لهذا الراوي قيمة جمالية لما تناص معه الروائيون المعاصرون، مستثمرين ما لديه من فضاءات تخييلية، كما فعل نجيب محفوظ في «ليالي الألف ليلة»، وواسيني الأعرج في «تغريبة صالح بن عامر» ونبيل سليمان في «تاريخ العيون المطفأة» وغير ذلك كثير.
أما دعوى انفلاتية السرديات الشعبية التي تجعلها بعيدة عن أي هيكل نظامي يضبط المخيلة أو يقيدها بمواضعات معينة؛ فمردودة، أولا، لأن المخيلة أرحب من أن تضبطها معايير وتقنينات، وثانيا أن ليس من منشئ محدد يوكل له فعل التخييل في الحكاية، وترتهن صناعته به، وثالثا أن القالب الفني الذي درجت عليه الحكايات هو واحد على اختلاف الموضوعات وتنوع الثيمات.. فكيف بعد ذلك توصف الحكاية الشعبية بالانفلات؟

السرديات الشعبية عادة ما تكون توليفات فنية في إطار سردي، يجمع الحكاية في تراتبيتها الزمانية بالقصة في سببيتها التعليلية، التي تحبك الأحداث ببعضها، عبر شخصية تتعقد أزمتها لتنفرج في النهاية بصدفة غير معتادة، لكنها متوقعة وبمواضعات الخارق والعجيب

ولأن السرديات الشعبية لا صانع لها، توسم بأنها متون جماعية نابعة من المجموع، وموجهة للمجموع، حتى أنها تبدو في جماعيتها كأنها أحادية، بعكس الآداب الرسمية التي صانعها فرد معلن يبدع نتاجه لينظم إلى مجموعة نتاجات إبداعية تشبهه في المواضعات والتوجهات، ومن ثم ستبدو هذه النتاجات الأحادية كأنها جماعية. وإذ تطلق المنظومة الثقافية الرسمية مسميات نقدية على هذا الانضمام والاجتماع مثل المذهب والمدرسة والاتجاه والتيار، فإن الأدب الشعبي لا يعرف مثل هذه المسميات، لأنه في الأصل بوتقة إبداعية واحدة في اجتماعها وانضمامها، وسيظل هذا الأدب جماعيا في إنتاجه وإبداعه، ليس من مبتكر معين له ولا فرد محدد ينسب إليه.
والسرديات الشعبية عادة ما تكون توليفات فنية في إطار سردي، يجمع الحكاية في تراتبيتها الزمانية بالقصة في سببيتها التعليلية، التي تحبك الأحداث ببعضها، عبر شخصية تتعقد أزمتها لتنفرج في النهاية بصدفة غير معتادة، لكنها متوقعة وبمواضعات الخارق والعجيب التي هي جماعية، أو شمولية في تكرارها داخل القصص. وفي الغالب تميل الجمل السردية إلى جعل المؤنث مركزا كنزوع ثقافي ورغبة شعورية تريد مغادرة المداراة، والخوف الذي مارسته الحاضنة البطرياركية على الأنوثة بفوقية واستعلاء بالتمرد والانفلات، ورفض الكبت والحرمان. وليست الغاية من وراء القص الشعبي الصحوة التي تنتج اليقظة، وإنما الإيهام الذي يولد الغفوة، كنوع من الحصانة اللاشعورية التي تكبح الرغبة الشعورية بالنوم، مؤجلة فعل التمرد والانفلات، متخلصة من مغبة التجاوز على السلطة الفحولية.
من هنا تبدو السرديات الشعبية انهزامية في المراحل التي فيها تهيمن السلطات بقوة وحزم، بينما ينتعش قصها في المراحل التي تتدهور فيها تلك السلطات أزمان الانتكاس وحقب السقوط والتبعية. والمدن التي تعرضت لصور مختلفة من الغزو والحروب والكوارث والأمراض، تكثر فيها هذه السرديات ويتعالى فيها الخيال، كرد فعل مناهض يريد الانتقام من الواقع بالسحر والجن والخوارق معترضا باللامنطقي والاستحالي، من خلال إيجاد عالم إيهامي ليس فيه للعمل والكفاح مكان، كما لا أساس فيه من عقل ومنطق، وهكذا يختلط الشر بالخير والخطأ بالصح. لذا تغدو السرديات الشعبية سرديات ضيق وتأزم وخيبة لمتلقين مأزومين وخائبين، ضاقت بهم السبل ولا قوة لهم إلا بالحلم، الذي به يعالجون الخيبة بالأمل والضيق بالفرج، مقاومين التسلط في الواقع بالتمرد في الحلم.
وما وُسمت السرديات الشعبية بالمخاتلة والمواربة، إلا لكونها تلتف على المحظور، فتهتكه مسفرة عن المستور، متجاهلة بعض القيم وربما متعالية على المقدس عبر الغور في عالم الجن والمردة والسحرة والشعوذة مع شيء من الإباحية في بعض الصور.
والسرديات الشعبية سرديات بلاء لا تخلو من الضدية والكر والفر، وبطولة لا تنهكها المطاولة غلبة أو انهزاما أمام التابوات. وهي أيضا ماورائية ترفض الرقابة والمحاسبة والبطل فيها متصور في شكل استيهامي، وما ورائية البطل الاجتماعية، طفلا كان أو امرأة أو صبيا، سوى طريقة بها تتحقق وظائف ثلاث نفعية ودلالية وتركيبية بها تسترد هذه الحيوات مكانتها مهيمنة على السرد. أما الرجل فمستبعد وإلا كيف يتنازل عن مركزيته ويتغاضى عن فاعليته فيكون مجرد متلق لراوٍ يريد منه أن يثأر من نظام هو أصلا ذكوري يقف في صفه وهو صورة منه وله، معطيا إياه المركزية والأولوية جاعلا منه متبوعا وسيداً؟ والسرديات الشعبية تحتية لا قانون فيها للرغبة والاشتهاء. والعنصر العجائبي فيها يصول مهشما التعادلية أو التوازنية، فلا حلم من الأحلام إلا وهو ممكن التحقق بلمح البصر، وهذا هو الاستيهام الذي به تتمسك الطبقات المسحوقة بالأمل، لعلها تجد الجرأة في الإقدام على الخلاص، وقد عارضت الواقع وصنعت من المخيلة سلاحا لغويا فتاكا يحقق لها ما تصبو إليه كنوع من العزاء لها على واقع مرير، هي فيه منبوذة ومتروكة.
وعجائبية الفعل السردي وفانتازيته الوهمية لها قوانينها الخاصة، التي تجعلها شهوانية وكابوسية تقع في نقطة وسط بين الشفاهي واللاشفاهي والواقعي واليريالي اللاواقعي والماضوي والمستقبلي. والأساس في بنائها الداخلي التوالي توازيا وتناظرا ضمن قالب لا يعرف التفريق بين المحتمل الممكن والمستحيل غير الممكن. والأدب لا يمكن له أن يصير ممكناً إلا بقدر ما يصبح مستحيلا، كما يقول تودوروف. وهذا ملمح مهم، به تتميز هذه السرديات عن غيرها من فنون السرد الأخرى، وهو الدليل أيضا على قوة غناها الذي فيه دوام انتعاشها.

٭ كاتبة من العراق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية