الاردن.. عندما تكون الدولة ضد ‘حق العودة’

لا يمكن فهم الذهنية السياسية أو الأمنية العبقرية التي تقف خلف قرار السلطات الأردنية منع ناشط مهم جدا ومؤثر في أوروبا بمجال تثبيت {حق العودة} للشعب الفلسطيني من دخول المملكة.
شخصيا لا أعرف الناشط المشار إليه لكني أتابع بشغف ككل صاحب ضمير إنساني حي نشاطاته المذهلة في أوروبا والعالم والقائمة على فكرة واحدة ويتيمة قوامها العمل من أجل حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره والعودة إلى وطنه على أساس أن إسرائيل كيان معاد للبشرية.
فهمنا من نقابيين متعددين بان صاحبنا حضر على متن طائرة برحلة إعتيادية للمشاركة في مؤتمر سيصرخ مع حق العودة لكن السلطات الأمنية منعته من العبور و{لبلاده} بالمناسبة بالمعنى الدستوري والقانوني وبعد إحتجازه لعدة ساعات عاد الرجل الناشط إلى المكان الذي حضر منه.
الأدهى والأمر أن الممنوع من دخول الأردن بصفته يشكل خطرا على المملكة ومصالحها العليا يحمل جواز سفر أردنيا مما يعني بأن بعض الجهات الرسمية لا تحترم الوثائق السيادية التي تصرفها الدولة الأردنية لرعاياها.
مشكلة الرجل- حسب إعتقادي- أنه قرر وإحتراما لنفسه ولوطنه فلسطين وللبلد الذي إستضافه إستخدام جواز سفره الأردني في العبور ولو فعل العكس وإستخدم وثيقة بريطانية لتمكن أصغر سكرتير في السفارة البريطانية من إدخالة مع كل عبارات وجمل الإعتذار والترحيب.
هذه العبقرية البائسة السقيمة تكشف عن وجود حالة{حول} أو إنحراف بصري غير مفهومة لا من حيث المنطلقات ولا الآليات ولا النتائج.
أنا شخصيا وكمواطن أردني أؤمن بعد الله بوطني الأردن وبفلسطين وبحتمية العودة لها لا أعرف إطلاقا سببا واحدا من أي نوع يدفع أي جهة مسؤولة في بلادي لمنع رجل من دخول البلاد جاء خصيصا لكي يهتف لصالح حق العودة ويستذكر فلسطين.
أعرف صديقا وجهت له عشرات الأسئلة عن مسقط رأسه وعن إسم والدته وخالته وعمته عندما قرر إحتراما لنفسه ولبلده إستعمال جواز السفر الأردني في مغادرة مطار عمان الدولي بدلا من جواز السفر الأجنبي الذي يحمله في جيبه.
وأعرف عشرات الأحداث والأدلة التي تؤكد إلتزام مؤسسات بيروقراطية أردنية بالقاعدة الشعبية الشهيرة التي تقول{رغيف لا تقسم ..ومقسوم لا تأكل ..وكل حتى تشبع}.
..طبعا هذه القاعدة تطبق فقط وحصريا على نشطاء أردنيين خصصوا حصة من حياتهم دفاعا عن حق العودة لفلسطين حفاظا على فلسطين والأردن معا وتطبق عندما يتعلق الأمر بالسعي وفي أي أو كل لحظة للتحدث عن السماح للفلسطينيين في الأردن بالتعبير عن هويتهم السياسية دون السماح لهم بنفس الوقت بالتعبير عن أنفسهم كأردنيين.
سألني صديق مسؤول ذات ليلة عن تيار شعبي طازج يحذر من الوطن البديل ويدعو لطرد الفلسطينيين وسحب جنسياتهم فأجبت بإستفسار إفتراضي عن موقف الدولة الأردنية مني إذا قمت بتأسيس حركة شعبية تدعو للسماح للأردنيين من أصل فلسطيني بالتعبير عن هويتهم الوطنية الفلسطينية في الأردن ما داموا خارج معادلة {الحق السياسي} كما يحصل في لبنان وسورية مثلا.
لم يتردد المسؤول لحطة وهو يجيبني: سنزجك فورا أنت وحركتك خلف القضبان.
لا يمكن فهم الحكمة التي تقف وراء منع دخول رجل يخصص بصورة علنية وأمام العالم جل وقته وماله وخبرته في الدفاع عن قضية العودة لفلسطين…ما هي بصورة محددة المصلحة العليا التي تعود على النظام الأردني أو الدولة الأردنية جراء منع إستضافة شخص يهتف من أجل فلسطين قليلا ثم يعود من حيث أتى؟.
كيف يحصل لي ان أزور عمان مثلا الأسبوع الماضي زيارة شخصية او عائلية أو إستثمارية فيسمح لي بالعبور وألتقي رئيس الحكومة ثم أمنع بـ{قرار أمني} غير قابل للتوضيح أو للشرح في الأسبوع التالي رغم أن زيارتي المقموعة تحت عنوان {حق العودة} لفلسطين؟.
يقولون لنا عندما نسأل أو نستفسر عن مثل هذه القرارات التي تتخذ بالقطعة واحيانا لان شكل ملامح وجه الزائر لا تعجب الموظف…يقال لنا بأن مثل هذه القرارات {سيادية} وليس بالضرورة شرحها.. سنفترض ان هذا الكلام صحيح وسيصبح السؤال على النحو التالي: هل ينبغي للقرارات التي يزعم أنها سيادية أن تعتدي مثلا على الدستور؟.
أجزم أن القرار لم يكن مؤسسيا ولم يدرس في أي مستوى رفيع من مستويات القرار لكن المسألة مرتبطة بتلك الصلاحيات التي تمنح لموظفين صغار يعتقدون ولوهلة أنهم يحمون مصالح الأردن ويتصرفون بإسم الدولة والنظام والشعب متخذين قرارات نشطة جدا في إنتاج الغرابة وأحيانا والخسائر.
شوارع مدينة العقبة الأردنية وبعض محلات عمان الغربية تعج بالأوكرانيات والروسيات اللواتي هاجرت خصيصا لممارسة أنماط الترفيه السياحي على الطريقة الخليجية ..نحن لا نعترض بطبيعة الحال.
وكبار المسؤولين يرددون ليلا نهارا على مسامعنا قصة الخوف من {الخلايا النائمة} مرة تنام في الزعتري وتتبع النظام السوري وأخرى تتبع حزب الله أو إيران لكن لم أسمع شخصيا عن خلية واحدة نائمة تم إيقاظها.
وأزقة عمان التي تضيق على أهلها يتحشد فيها لأسباب سياسية ومالية أكثر من مليون ونصف شقيق سوري ومليون شقيق عراقي ونصف مليون شقيق مصري وعشرات الالاف من الغرباء والأجانب من كل الألوان والجنسيات..هنا أيضا لا نعترض فعمان وعلى حد تعبير بعض المثقفين أصبحت مدينة كوزموبوليتية وهذا يفرحني كمواطن عماني.
لكن من غير المعقول أن هذه الـ{كوزموبولوتية} التي تنتشر وتتوسع بيننا تتسع للجميع وتضيق برجل واحد وشاب يقيم في أوروبا ويسافر بين مجتمعاتها رافعا علم فلسطين ولم يحضر للأردن للإقامة أو بحثا عن إستثمار سيسرق هو واللصوص نصفه أو سعيا لإقامة ناطحة سحاب أو قصر يخصصه حصريا لإدارة العمليات السوداء في سورية.
هذا الرجل جاء بدعوة مرتبة سلفا لحضور مؤتمر نقابي يحمل شعارا يتفق مع خطاب وأدبيات الدولة الأردنية التي يعبر عنها جلالة الملك شخصيا وتشكل إسطوانة مجترة ومكررة على لسان كل المسؤولين الذين يمكن الإستماع إليهم.
كبار وصغار الموظفين في الجهاز الرسمي الأردني يزاودون على الكون والأمة والشعبين في مسألة {حق العودة} لكن الفصام يسجل فورا عندما يتعلق الأمر بمنع ناشط {عربي أو فلسطيني فقط} في مجال حق العودة أو يمنع مسيرة تخطط لإرسال رسالة العودة للجندي الإسرائيلي في الجهة المقابلة من الأغوار حيث فلسطين.
شاهدنا كيف أنقض بعض الزعران على مرأى من رجال الأمن على المشاركين في مسيرة حق العودة العام الماضي وكأن المسيرة تعتدي على الأردن أو تدعو لا سمح الله لإلحاق الضرر به وسمعت شخصيا من شهود عيان عن قمع ومنع الكثير من نشاطات حق العودة.
منع معارض ومسرحيات وتم التحفظ على نشطاء يطالبون بحق العودة وأهالي المخيمات يسمح لهم بين الحين والأخر {بالقطارة} ببعض التعبيرات عن الحنين لفلسطين لكن لا أحد في الحكومة التي تقمع وتمنع يقدم لنا ولو تبريرا واحدا من النوع الذي يقنع طالبا في السادس الإبتدائي.
سألت يوما رئيس الوزراء الأسبق معروف البخيت بعد محاضرة له في مخيم الوحدات السؤال التالي: اللاجئون الفلسطينيون حددوا بوضوح ما الذي يريدونه من الدولة الأردنية فهل فعلت الدولة؟.. صاحبنا البخيت شكل عدة حكومات وتقابلنا عشرات المرات لكنه لم يقدم لي لا هو ولا غيره إجابة على السؤال.

‘ مدير مكتب ‘القدس العربي’ في الاردن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية