عبد الوهاب المسيري
إن الإبداع الأدبي، وما يتصل به من نظريات أدبية ونقدية إنما هو في البدء والمنتهى منتج معرفي حضاري، فلا يمكن التفكير بمعزل عن السياقات الثقافية التي أنتجته، ولا عن البيئة والإشارات والأيقونات والمصطلحات التي هي مبثوثة فيه، وبالتالي لا يمكن نـــزعها من بيئتها الثقافية، لأن الإنسان المفكر/ المبدع/ الناقـــد هو ابن لبيئته الثقافية في نهاية الأمر، فهو يفكر ضمن محصلته المعرفية ولغته ودينه وقوميته، فــــلا يمكن تخيل مبدع يكــــتب في الفضاء الثقافي المطلق، وإنما يمكن أن يكتب ضمن رؤية إنسانية رحبة، منطلقا من رؤى وقناعات إيجابية، تحتضن ما هو كوني، ضد كل أشكال التعصب والاستعلاء على الآخرين.
وهو ما ينبه إليه عبد الوهاب المسيري، في تحليله لظاهرة التحيز ضمن نشاط الإنسان، في المجتمعات الإنسانية المتعددة، إذ يقول: إن كل شيء، وكل واقعة وحركة، لها بعد ثقافي، وتعبر عن نموذج معرفي ورؤية معرفية. وهذا يعني أن افتراض وجود نظرية أو منهج أو نموذج أو منتج، بدون بعدٍ ثقافي؛ هو أمر غير عملي ولا مجدٍ، والأمثلة على ذلك لا تحصى، بل إن حياتنا الراهنة، تحمل بصمات العولمة في منتوجاتها ومظاهرها وعلاماتها، وكل منتج يحمل في طياته أو إشاراته ملامح الثقافة الغربية بشكل عام. والأمر نفسه ينطبق على الظاهرة الأدبية والمنهجية النقدية، فقد نُقِل الكثير من المذهبيات الأدبية والنقدية إلى الثقافة العربية المعاصرة، بدون مناقشتها ومساءلتها من قبل ناقليها ومترجميها عن علاقتها بالأبعاد الثقافية للمجتمعات الغربية المنتجة فيها: إما على مستوى الفلسفات التي انبثقت منها، أو الظروف المجتمعية والاجتماعية التي ساهمت في ترسيخها وانتشارها، أو النماذج الأدبية التي عبّرت عنها، أو من خلال تحليل الخطابات النقدية التطبيقية، التي رافقت هذه النظريات بشكل دائم، فاقتصر النقل للمذهبية الأدبية والنقدية الغربية على الترويج للمذهب (نظريا) بوصفه طرحا جديدا، مع شعور بالتيه والفخر لازم الناقل/ المترجم/ المروّج، والاستعلاء على ما هو سائد في الساحة الثقافية العربية، واعتبروا النموذج الغربي هو الأعلى فكرا وإبداعا، على قناعة من الناقلين بأننا في حاجة إلى النقد من منظور غربي، والنقد يعني التشكيك والغربلة، ويتم دوما بروح متعالية، وبما يعنيه من نظرة أقل نحو ما هو تراثي أو نابع ومعبر عن أصالة الثقافة الإسلامية العربية .
“كل شيء، وكل واقعة وحركة، لها بعد ثقافي، وتعبر عن نموذج معرفي ورؤية معرفية. وهذا يعني أن افتراض وجود نظرية أو منهج أو نموذج أو منتج، بدون بعدٍ ثقافي؛ هو أمر غير عملي ولا مجدٍ”
وهي الظاهرة التي أشار إليها أحد الباحثين، وتتصل بالمذهبية الفكرية الغربية، ويعني بها ظاهرة «الأنفة الثقافية» ويمكن تعريفها: بكونها الوجه الوجداني لنظرية التحيز، ويقصد بها: الاعتزاز بالذات الحضارية إلى درجة النرجسية والتعالي، والإحساس بالكمال المتوهم، ما يجعل (الباحث/ المبدع/ الناقد الغربي) يمارس إبداعه وفق ثقافته ومزاجه الخاص، مع انفتاح محدود وتثاقف على العالم ـ خاصة العالم المتأخر / المتخلف في منظوره ـ بكل تعال وأنفة ونرجسية وهذا ما تأثر به المبدع والناقد في الشرق، أو تسرب إلى عقله الباطن. فالآداب الكلاسيكية تعبر عن قيم الحضارة الغربية: الحرية والمساواة والعدالة وحقوق الإنسان، ويدافع عنها الناقد الأدبي في كتاباته، ولكنه يتغافل متعمدا وبشكل احترافي في كتاباته عن الجرائم التي تتم في العالم الخارجي، وتمارسها الحكومات والسلطات الغربية، نحو الشعوب الأخرى، فإدوارد سعيد ينتصر لما يسميه «النقد الدنيوي»، المستمد من رؤيته التي تنحاز لكل ما هو إنساني دنيوي، أي «الإحساس بالتاريخ وبالإنتاج البشري» وتتأسس على مبادئ ونظرة تاريخانية، محورها النظر بإنسانية إلى العالم، وتقوم على رؤية تحليلية للممارسات الإنسانية، تعتمد على العقلانية وتسعى إلى نبذ التطرف ونصرة الحق، للمساهمة في تكوين مجتمع بشري عاقل وعادل. إنها نظرة تنتصر في جوهرها إلى علمانية النقد الأدبي، وتربطه بقيم إنسانية عليا، تتجاوز التعصب للأديان والأعراق والثقافات، ولكنه في نهاية كتابه وبعد دراسات عديدة، يرصد النظرة الغربية المستندة إلى المسيحية، والمنحازة إليها أيضا.
لقد نبهت على هذا المنحى حركة ما بعد الحداثة في سعيها إلى إنشاء كون إنساني عالمي، يهدف إلى ثورة ثقافية لا معرفية إدراكية فقط، وتحقيق أهداف سياسية مشتركة، تتجاوز التباين والتشتت لدى الفئات والشعوب، متجاوزة تصلبات الحداثة التي حصرت نفسها في مقولات كثيرة، تدور في فلك العقلانية واللادينية، ورفض التعدديات الثقافية والدينية، وهو ما لم يتحقق، ولن يتحقق، حسبما ترى حركة ما بعد الحداثة، التي ركزت على اعترف بالتعدديات الثقافية وكون الدين جزءا أساسيا منها، ينبغي عدم تجاهله أو إقصائه أو محاربته. فالديمقراطية الراديكالية تتطلب منا الاعتراف بالاختلاف والتمايز والتعددية، وكل ما استبعدته فكرة الإنسان في صورتها التجريدية، فالنزعة الكونية غير مرفوضة، بل إنها متميزة، والمطلوب هو نوع من تفرقة جديدة بين ما هو كوني وما هو خاص.
ومن هنا، علينا الوعي بأن الاعتراف بالدين ودوره في تشكيل الثقافات والوعي الجماعي والفردي جزء مهم من الوصول إلى الاعتراف به، وعدم الاستعلاء الثقافي والفكري لأتباع دين على آخر، ونبذ التعصب، وإدراك أننا لن نفهم ذواتنا إلا بفهم دور الدين في تكوينها، هذا الدور الذي نفته الحداثة علانية، ومارسته سرا.
٭ اكاديمي من مصر