الاستثمار في عالم الفن التشكيلي

حجم الخط
0

«بالنسبة لبكرا شو» السؤال الذي طرحه زياد الرحباني ذات مرة ينخر رأس الإنسان بكل اللغات وفي كل الأماكن، فواقع الحياة الحالية يظهر مدى هشاشة الأمن والاستقرار الذي يعيشه الإنسان على متن هذا الكوكب، ما يزيد الرغبة بالعمل والاستثمار لزيادة المدخرات بطرقٍ متنوعة، تتبع ثقافة المجتمع وتطوره ومستوى ثقافة الفرد أيضاً، لتلبية متطلبات الحياة وتحقيق الأمان المادي؛ الأمان هذا الشعور الذي لاحق الفرد منذ بداية حياته، كان الأمن الغذائي بدايةً هو الهاجس الأكبر، وربما الوحيد، فكان يقوم بتخزين المواد الغذائية بطرق متنوعة حتى أن اللقى الأثرية الحالية كشفت عن بعضها بعد آلاف السنوات، إلا أن تطور الحياة لم يترك تفكير الإنسان محصوراً بالأمن الغذائي، بل تخطاه للأمن المادي والاقتصادي، فصار يلجأ للاستثمار بالطرق التقليدية لتوسيع هامش رأس المال، وينوّع محافظ استثماراته ما بين مالٍ وعقار؛ يلجأ لتحويل مدخراته للعملة ـ الصعبة- الدولار، خاصة في البلدان الواقفة على شفا حفرة، وشهقات أهلها لا تتوقف كلما شاهدوا القاع السحيق الذي يملك وظيفة وحيدة، انتظارهم.
أو يتجه لشراء الليرات الذهبية في حال أخافه تداول عملة من الممكن أن يكون محظوراً، وإذا كان الشخص قوي القلب يتجه للبورصة وأسهمها عملات، أو مؤشرات أو سلع رغم ما فيها من مخاطر. وإذا نظرنا بحيادية لتاريخ بعض العملات، نلاحظ انكسارات قوية بمستوى العملات، وفقاً للظروف الدولية، فمثلاً تأثر سعر الدولار بتصريحات البنك الفيدرالي الأمريكي، وعلاقة خطه البياني بالحروب التي تشنها أمريكا. إذن لا أمان تام ما دام تصريح بسيط أو تحرك حربي أو تفجير إرهابي قادر على زعزعة استقرارنا المادي. ومؤشرات البورصة وسلعها تحمل الكثير من المفاجلآت لمتداوليها أيضاً، مهما كانت عتبة خبرتهم عالية وفقاً للأحداث الاقتصادية السياسية أو الطبيعية. لذا منذ سنوات ليست بالقليلة بدأ عدد من كبار أصحاب الأموال باستثمار أموالهم، أو الاحتفاظ بقيمتها على الأقل، من خلال اقتناء الأعمال الفنية، فقيمة لوحة بيكاسو مثلاً لن تهبط في حال حصول أزمة في إسبانيا، كذلك انخفاض قيمة اليورو مثلاً لن يؤثر في القيمة المادية لأعمال فناني عصر النهضة.

وللاستثمار في مجال الفن ما يميزه عن بقية أنواع الاستثمار، إذ أنه يحقق الربح المادي للمقتني وللفنان أيضاً في الوقت ذاته، بالإضافة لدعمه للحركة الفنية الثقافية التي تعكس حضارة البلاد وإرثها التاريخي، فالربح مادي ومعنوي.

لتنظيم هذا الاستثمار بدأ النشاط الفني يكون عن طريق تجار اللوحات، ومن ثم صالات العرض، وبعدها بسنوات تأسست دور للمزادات الفنية، تعرض أعمالاً فنية، أو قطعاً نادرة لها قيمة تاريخية، ومن ثم صناديق الاستثمار في اللوحات الفنية. يستطيع المقتني أن يشتري عملاً فنياً ويتركه لسنوات ـ بشرط أن يحفظ بطريقة تجعله بعيداً عن الحرارة والرطوبة، وكل العوامل التي من الممكن أن تتلفه – فالزمن الذي ينظر إليه الأغلبية كعدوٍ يتربص بهم، يتعامل مع الفن ونتاجه بشكل إيجابي ويمنحه قيمةّ مضافة، إذ يصبح للعمل الفني قيمة تاريخية إضافة للقيمة الفنية الإبداعية؛ وبقليل من الانتباه، نستطيع ملاحظة ارتفاع أسعار أعمال الفنانين بعد موتهم، وذلك لوقف إنتاج هذه الأعمال أولاً، وثانياً لرغبة المقتنين بالحصول على عمل من الفنان المتوفى قبل أن تباع بالكامل. تتحدد قيمة العمل الفنية، وفقاً لمعادلة الطلب والعرض التي تتعلق بطبيعة الحال بشهرة الفنانين، وبالتالي ترتفع قيمة اللوحة الفنية، كلما زاد الإقبال على شرائها.
يذكر الدكتور عصام العسيري «في مقاله في جريدة «الرياض» بتاريخ  الجمعة 17 يونيو/حزيران 2016» (لا يوجد حد متوقع لنسبة الربح في الأعمال الفنية، فبعض الأعمال تُباع سريعا بهامش ربح 8% وبعضها يزيد على 50% في أقل من عام، وهناك نوادر وحظوظ تجعل الأرباح أكثر من عشرة أضعاف سعر الشراء) ومن هذه الحظوظ لوحة تصور المسيح لم تساو أكثر من 45 جنيها استرلينيا حين بيعها في مزاد قبل 60 عاما فقط، وقد اعتقد الخبراء أنها من رسم أحد تلاميذ دافنشي؛ لكن من حسن حظ المقتني، كان هذا الاعتقاد خاطئ، واللوحة لدافنشي الفنان الإيطالي نفسه، وقد بيعت بمبلغ 450 مليون دولار في مزاد علني في مدينة نيويورك.
إن الاستثمار في مجال الفن ما زال خجولاً في المنطقة العربية، فقلة من المستثمرين يدركون قيمة العمل الفني، ويقارنونها بكلفته المادية فقط، دون الإلمام بالقيمة الفنية الإبداعية المتعلقة بتراكم الخبرات والتجارب، وعمق الفكر وندرة العمل، حتى أن عدداً من الأعمال بيعت بأسعار باهظة فقط لأنها توثق للحظة ما، أو تروّج لفكرة ما؛ لذا يتم التعامل مع فكرة اقتناء الأعمال الفنية بحذر تارة واستهجان تارة أخرى.
وسط حذر المستثمرين الأفراد، بدأت المصارف الكبرى باقتناء مجموعات من اللوحات الفنية لكبار الفنانين، بوصفها أصولاً تتضمنها محافظها الاستثمارية، بغرض تحقيق المزيد من التنوع لهذه المحافظ، باعتباره أحد الطرق الفعالة لحماية هذه الأصول ضد المخاطر بمختلف أنواعها. بالطبع ليس من الضروري أن تكون فاحش الثراء، كي تستطيع الاستثمار في الفن، فهناك عدد متزايد من المعارض الفنية والأسواق الإلكترونية موجهة إلى فئة من أصحاب الميزانيات المتواضعة.
وللاستثمار في مجال الفن ما يميزه عن بقية أنواع الاستثمار، إذ أنه يحقق الربح المادي للمقتني وللفنان أيضاً في الوقت ذاته، بالإضافة لدعمه للحركة الفنية الثقافية التي تعكس حضارة البلاد وإرثها التاريخي، فالربح مادي ومعنوي. ربما بعد أن تتعافى هذه المنطقة من آثار الحروب – إن كتب لها التعافي يوماً – ربما ستدرك قيمة الاستثمار في الفن وضرورته، لرفع مكانة الفن والفنانين في البلاد، وذلك يحتاج زيادةً في الاهتمام بالمنتج الفني ومراكز تعليمه من مدارس وأكاديميات للفنون.

كاتبة سورية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية