التأويل أم المباشرة: المتلقي يقتل الفنان بعد المؤلف

حجم الخط
1

ينادي رولان بارت بموت المؤلف في مقال له عام 1967، حيث أُلغي الإنسان الكاتب وأعطيت اللغة الدّور الأكبر بما تتركه من انطباعات لدى القارئ، أي أنّ العمل الأدبي بعد الانتهاء من مرحلة الكتابة، وخروجه من الطباعة سليماً معافى، يفقد صلته بالمؤلف، ويقطع الحبل السري الذي يصله به فيصرخ صرخته الأولى بين يديّ القارئ، الذي يتاح له المجال بأن يهدهده برفقٍ وحبّ، أو يتركه جانباً غير عابئٍ بوجوده، تبعاً للانطباع الذي تكوّن عنده والتّأويل الذي كوّنه بعد قراءة العمل – دون أي مؤثرٍ خارجي – وهذا ما يدفع عدداً لا يُستهان به من القرّاء ـ وأنا منهم- لتجنب قراءة مقدمة المؤلف أو المترجم، وكذلك الآراء التي ذُكرت عن الكتاب وجمعت من صحف عالمية على غلافه الخلفي، لأن ذلك يفسد متعة الفهم الخاص للعمل الإبداعي، والتسلّل لما وراء الستارة، والتنبؤ بالأسباب الخفية التي قادت لهذا العمل، فعند التأويل الكامل يتحوّل القارئ لمؤلف، يعيد صياغة الكلمات من خلال فهمه، ولا أحد يستطيع منعه من ذلك.
هذه الفكرة التي آمن بها رولان بارت كانت ثورةً حقيقية في عالم النّقد الأدبي، الذي كان النّاقد فيه يعتمد على الكاتب وشروحه، واللقاءات التي تتمحور حول تفسيرات مؤلَفه. بالتفاتةٍ نحو الفن التشكيلي نجد أن (موت الفنان) حاضرٌ منذ بدايات ظهور الفن التّشكيلي حتّى اليوم؛ وباعتبار الفن التشكيلي نخبويا أكثر من غيره من مجالات الفن، حيث نجد بقليلٍ من التدقيق أن روّاد صالات العرض أقل بكثير من مرتادي السينما، ومتأملي اللوحات أقل من قارئي الروايات وهكذا.. لذا فإنّ الخبرة التّأويلية لدى المتلقين ضعيفة إلى حدٍّ ما، فلا تحليل شكلي، أو سيميائي للعمل، ولا بحث عن مدلولٍ داخل أفقهم المعرفي، كانوا قد أبصروا دالّه في العمل الفني (إشارة، رمزاً، أيقونةً) فلا دلالة واضحة تحضر أمامهم، بسبب أن المفردات التشكيلية غريبة عنهم، على عكس المفردات اللغوية، رّغم أنّ المفردتين تكملان بعضهما بعضا، فالمفردة التّشكيلية ما إن تحضر حتى تستدعي مفردةً لغويّة تفسّرها، وكذا المفردة اللغويّة ما إن تحضر حتى ترتسم صورتها في الذهن؛ وهذا يرجع إلى ضعف الثقافة البصريّة الناتجة عن قلة الأعمال الفنية المحيطة بهم، وعدم انتشار الدراسات الفنية النظرية وإتاحتها للجمهور، بالإضافة إلى أنّ الفنان نادراً ما يتحدّث عن عمله إلا بحديثٍ سريع يلقيه أمام الميكرفون أو المسجّل غالباً في يوم افتتاح معرضه، يجيب فيه عن أسئلةٍ ساذجة عامة، بإجاباتٍ فضفاضة لا تفي العمل حقه، والسبب يعود كما سمعته من أحد الفنانين أنّه لو كان يستطيع شرح ما يدور في فكره بالكلمات لما رسم ولكان كاتباً! وهذا جوابٌ يبدو منطقياً للغاية، فوسيلة التعبير لدى معظم الفنانين هي شكلية وليست لغوية (كتابةً أو حديثاً) حينئذ سيكون النقّاد والكتّاب الباحثون في مجال الفن التشكيلي هم المنقذون للمعنى في عالم الفن التشكيلي، صيّادو الفكرة وملمّعو الهدف الرّابض خلف العمل.

والممتع في تفسير وتحليل الأعمال الفنية أن تأويلها وشرحها يتغيّر دوماً، وفقاً للعصر الذي تمّ فيه هذا الشرح، ووفقاً للنّاقد وفضائه المعرفي ووفقاً لمتغيراتٍ أخرى تحكم سير العملية التحليليّة. وتتأرجح صعوبة تفسير العمل الفني تبعاً للمدرسة الفنية التي ينتمي إليها، فمواضيع الفن الكلاسيكي ـ الأعمال الواقعية – التي سيطرت على الفن لسنواتٍ طويلة، حتى الآن، لا تحتاج لتأويل الناقد، ولا لشرح الفنان أيضاً، إذن موت الفنان أو حضوره لا يعني شيئاً هنا. فبورتريه لوجهٍ ما لا يعني أكثر مما تعنيه صورة فوتوغرافية لهذا الوجه، ومشهدٌ يصوّر جمال الطبيعة، يقارب ما تحمله نافذة بيتٍ ريفي بين جنباتها، لكن هناك استثناءات، وليكن الاستثناء الأول هو لوحة الموناليزا ـ التي كثر الحديث عنها وما زالت شاغلةً المهتمين يبحثون في تفاصيلها- السؤال الأهم الذي احتاج مفسرو العمل الإجابة عليه، هو من تكون صاحبة موضوع الموناليزا؟ اللوحة التي رسمها الفنان ليوناردو دافنشي واستغرق ذلك حوالي الأربع سنوات؛ هل هي زوجة تاجر الحرير الفلورنسي فرانسيسكو ديل جوكوندو، كما وجدوا في الوثائق؟ أم هي كما تقول نظرية أخرى أنها تحمل ملامح رجلٍ داخلها يعتقد أنه وجه دافينشي أو وجه مساعده، ربما هي دوقة فرانكافيلا، أو حبيبة دافينشي. ليوناردو لم يصرّح عن هذا العمل الذي كان يحمله معه أثناء سفره ولازمه حتى وفاته في فرنسا، مما أكثر التساؤل حوله، ولم يشرح تقنياته الجديدة، إلا أن تحليل وجه الموناليزا أظهر أنه عند النظر لعينيها نلاحظ أنها مبتسمة، وذاك يتعلق بالظلال التي تظهر عند الفم، بسبب تقنية جديدة في مزج الألوان أطلق عليها «سفوماتو»؛ حتى الأطباء أدلوا بدلوهم في ما يخصّ هذا العمل، ففي عام 2010 قالت طبيبة إيطالية أن التورم حول عيني الموناليزا ناتج عن ارتفاع الكوليسترول في غذائها، مع احتمالات وجود شلل في الوجه، طبيب الأسنان تدخل أيضاً وأخبرنا أن أسنانها العلوية مفقودة، دلّه على ذلك الخط الظاهر عند شفتها العليا.
في لوحات المدرسة الانطباعية، التي تحمل أشكالاً تبدو وكأنّها معرّضة للتمويه، تشكّل بمجملها مناظر طبيعية، التفسير قريب من تفسيرات اللوحات الواقعية مباشر وواضح، حيث نستطيع تحديد عناصر العمل ببساطة تامة، كما في لوحة زنابق الماء لكلود مونيه، التي تصوّر زنابق ماء على سطح بحيرة مع انعكاس للأشجار المحيطة والذي نعزو إليه اللون الأخضر للماء. مع تطوّر المدارس الفنية بدأت المساحة التي تسمح للمتلقي بتأويل ما يرى في العمل الفني تتسع، بعيداً عن التفسيرات المباشرة، ففي المدرسة التعبيرية بدأ المجال بفهم العمل الفني تبعاً للرؤية النفسية، كما في تحليل أعمال فان غوغ ومونك، حيث الخطوط المرنة المنحنية المتداخلة تشي باضطراباتٍ شديدة وبتوترٍ عالٍ يودي إلى الانفجار، أما السريالية فبدأت بإدخال الرموز والإشارات المتداخلة كدوال تبحث عن مدلولاتها، كساعات دالي الذائبة وشخوصه المشوّهة، والأرجل الخشبية العالية، التي تمنح المتلقي خيارات واسعة ليفهمها كلٌّ كما يريد. حتى الآن فهم اللوحة وتفسيرها يسير كتفاً إلى كتف مع جماليات الأعمال الفنية، وهذا التقييم الجمالي تحكمه ذائقة المتلقي الخاصة، بعيداً عن أحكام عامة ومفاهيم عقلية، فيسهل أمر التعاطي مع العمل الفني على بعض المتلقين الذين يجدون أن الجمال سبب كافٍ وافٍ لوجوده ولا يحتاج برأيهم لفهم أكثر فلا ضرورة لفكرةٍ أو هدف تشتت تذوقهم لجمال العمل.
مع الدّادائية باتت بيانات الفنانين مهمة لفهم ما يُعرض، فنافورة دو شامب هي سخرية من المجتمع البورجوازي، ومن يبصر المبولة الموقّعة لن يتكهن بهذا على الأقل عند النظرة الأولى والانطباع الذي تتركه.

نصل في آخر الرحلة لاهثين لنجد الأعمال المفاهيمية التي غالباً ما تستهلك كلّ طاقات العقل، وآفاق الخيال ولا توصل المراد الدقيق الذي قصده الفنان. وهناك استثناءات عديدة ترفع الأعمال المفاهيمية إلى سويّة عالية من العمق والجدية: كأعمال الفنانة الفلسطينية منى حاطوم، التي تحمل روح قضيتها في أعمال غاية في الذكاء تحمل إشارات ورموز واضحة سرعان ما توصل الفكرة لذهن المتلقي كالشماغ الفلسطيني، الذي عرضته وكان مشغولاً من شعر بشري، أكسبته حياةً؛ أما الفنان اليابانيChiharo shiota فأعماله تحمل بمعظمها أفكاراً ببعدٍ شِعري واضح يتجلى من خلال تأملها وكأنه يصنع حلماً مرئياً بأدوات وعناصر بسيطة، فلا يحتاج أن يشرح ما يريده فهو متيقن أن الأجنحة ستنبت للمتلقي ليحلّق في الفضاء الذي أراده shiota، وعلى الطرف الآخر نجد أعمالاً عصيةً على التفسير أو التأويل، وأول ما يحضر في الذهن العمل الفني (الكوميديان) للفنان الإيطالي ماوريتسيو كاتيلان، وهو عبارة عن موزة ملصقة على الجدار عرضت في معرض «آرت بازل ميامي بيتش»؛ وكثر الحديث عنها والسخرية من هذا العمل خاصةً بعد بيع النسخة الأولى منه بـ 120000 دولار، والنسخة الثانية بـ 150000 دولار. حاول مالك المتحف الذي عرض عمل كاتيلان.. إيمانيويل بيروتين أن يؤوّل العمل بطريقة تمنحه عمقاً فقال: «إن الموزة هي رمز للتجارة العالمية، وغرض يحمل معاني مواربة، وأداة كوميدية كلاسيكية» وآخرون وجدوا أن الموزة تشبه المنجل، واللاصق يمثّل المطرقة وهذا العمل هو تجسيدٌ لشعار الشيوعية، ومنهم من ذهب إلى أن هذا العمل يسلط الضوء على القمع الذي تناله الدول المنتجة للموز. اللافت أن الفنان علّق على عمله بجملة أراد بها نسف التأويلات: «إنها محضُ موزة» وقابل هذه التفسيرات بالاستخفاف، فهو لم يمت هنا بشكلٍ كامل ولم يرد لعمله أن يسجن بتأويلٍ محدّد، حضر، لفظ كلمتين وعاد لسباته مراقباً التّفسيرات المتزاحمة حول عمله الساخر، الذي يعتبر واحداً من أعمالٍ كثيرة يسخر فيها من المجتمع الثري، السّلطة الدينية، المؤسّسات الفنيّة التي اقتحمها بجرأة وغيرها. انتهت الموزة الأولى التي عُرضت في بطن فنان الأداء ديفيد داتونا، الذي التهمها وعلّق أنه جائع؛ فما كان من كاتيلان إلا أن يفرح بهذا «لا يهمني على الإطلاق أن يتم تناولها، لأن ما يهم هو الفكرة… سيكون هناك دائما شخص ينتزع إحدى الدمى الخاصة بي، أو يسرق مرحاضا ذهبيا أو يأكل الموزة، كل هذا يدعم نوعاً من السرد حول عملي».
إذن الجدل المثار حول العمل وكثرة الحديث والتأويل هو ما يصبو إليه، حيث أن جدلية العمل والخطاب الإشكالي المرتبط به هو الفن الذي قدّمه، لا الموزة التي لا قيمة لها لولا توقيع الفنان الأكثر شهرة بين الفنانين المعاصرين؛ وبالطبع ما كان هذا الجدل ليكون حاضراً بهذه الكثافة لولا -موت الفنان – أي تركه للعمل الفني بين يدي الجمهور ليتقاذفوه بآرائهم في كل الاتجاهات، إنه عالم الفن الغريب الذي يحكمه الجنون والاختلاف والتفاهة أحياناً. إذن الأعمال الفنية بعمقها وسطحيتها تتحدث بصوتٍ عالٍ مرةً وهمساً مراتٍ ومرات، ومتلقوها يبادلونها الحديث مازحين أو جادين، مقطبي الحاجبين أو مبتسمي الثغور، دون أن يعكر هذه الحوارية تصريحٌ للفنان أو استفاضةٌ في شرح عمله ودلالاته، لأن ذلك سيأخذ العمل لطريقٍ أحادي الاتجاه، ويضعه على كرسي معنون ويربطه هناك بحزام أمان، بعد أن كان يهرول في عقول المشاهدين والمهتمين بحرية تلزمه ليكون فناً حقيقياً.

كاتبة سورية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية