الجائزة الكبرى من الفن التشكيلي

تحتل الجوائز الأدبية مساحة كبيرة من نقاش المثقفين بين راضٍ وغاضب. لم يكن هذا يحدث قديما. ربما حتى عشر سنوات سابقة كانت الجوائز تمر مرور الكرام، ولا يكون هناك جدل كبير حولها. كنا في مصر نعرف جوائز الدولة وأضيفت إليها جائزة من المجتمع المدني في الرواية وغيرها، هي جائزة ساويرس التي لا تزال الوحيدة التي يقدمها المجتمع المدني في مصر. حين ظهرت الجوائز العربية مثل الشيخ زايد أو كتارا أو الجائزة العربية للرواية التي لا يزالوا يسمونها البوكر، التي صارت أكثر الجوائز إثارة للجدل. ربما أقرب تفسير لهذا الاختلاف حول الجوائز هو القيمة المالية خاصة العربية، وتأتي بعدها الشهرة أو الرواج. أتذكر أول جائزة حصلت عليها كانت في القصة القصيرة عام 1969 من نادي القصة في الإسكندرية وكانت ثلاث جنيهات، لكن تم نشرها على صفحة كاملة في جريدة أخبار اليوم مع مقدمة لمحمود تيمور عنوانها «هذا قصاص موهوب». اتسعت بي الدنيا وقتها واشتريت بالجنيهات الثلاثة نسخا من الجريدة صرت أوزعها على من أقابله. الجائزة الثانية كانت جائزة نجيب محفوظ من الجامعة الأمريكية عام 1996. كانت تلك دورتها الأولي ولم يكن هناك تقدم للجائزة. كانوا يختارون الرواية، واختاروا روايتي «البلد الأخرى» فاتسع العالم أكثر. الفارق بين الجائزتين خمسة وعشرين عاما لم أشكو فيها قط من ابتعاد الجوائز عني ولم أنتقد أيْ جائزة. لم اتقدم إلى جوائز أخرى، وتركت الأمر لدور النشر أو مؤسسات ثقافية، وحصلت معها على جوائز كبيرة. عشت مقتنعا أن الجائزة الحقيقية هي القارئ المجهول الذي قد تقابله يوما في الطرقات، ومتعة الكتابة نفسها التي تغنيك عن العالم.
منذ ثلاثة أسابيع حصلت على أعظم جائزة في حياتي، وهي إقامة معرض للفن التشكيلي مستوحى من روايتي « لا أحد ينام في الإسكندرية» في قاعة آرت جاليري في الزمالك. من قبل أقام الفنان السِيريالي الكبير ماهر جرجس في الإسكندرية معرضين، أحدهما مستوحى من الرواية نفسها، والثاني من رواية «عتبات البهجة» وكانت جولتي معه في المعرضين من أجمل ما عشته في حياتي.. الفكرة الجديدة وراءها صديق العمر الشاعر سعدني السلاموني مؤسس وراعي مشروع محو الأمية البصرية، ومعه الفنان سمير عبد الغني، ومعهم الدكتور الفنان محمد عرابي صاحب كلمة الافتتاح وعميد الجامعة المصرية الروسية، الذي شكل تلامذته من الجامعة أكبر مساهمة بلوحاتهم أو أعمال خزفية وأسماؤهم كثيرة، إلى جانب فنانين كبار.

لن اتحدث عن التفاصيل ويوم الافتتاح المذهل، ودورتي بين لوحات عديدة قدمها شباب الكليات الفنية ومن قابلتهم من الأدباء والفنانين، وكيف كانت ليلة كالسحر، فلقد كتبت ذلك على صفحتي وقتها في فيسبوك. سأتحدث عن حبي للفن التشكيلي رغم أني لم أمارسه، وأثره في كتاباتي. رحلتي مع الفن التشكيلي لا تقل عن رحلتي مع السينما، والفارق أني بدأتها في سن الشباب وليس منذ الطفولة كما السينما. صرت في الإسكندرية أذهب إلى المعارض بأتيلييه الإسكندرية أو قصر ثقافة الحرية فعرفت أسماء رائعة مثل عصمت داوستاشي وعلى عاشور وماهر جرجس وغيرهم . حين انتقلت إلى القاهرة للاستقرار بها عام 1974 صار الأتيلييه وغيره من الأماكن في قصور الثقافة هو رحلتي الدائمة. عرفت كثيرا من الفنانين وصارت بيننا صداقة عظيمة، لكن من بينهم كان الفنان الراحل محمود بقشيش له أهمية خاصة. صار يصحبني إلى المعارض ويشرح لي تكوين اللوحة، وتداخل أو تناقض ألوانها، وصرت اقرأ كثيرا في تاريخ الفن التشكيلي. استقر لديْ يقين أن اللوحة مهما صغر حجمها تعكس فكرة كبرى، وهكذا يجب أن يكون الإيجاز طريق الكتابة للرواية أو القصة، وتعدد لغات شخصوها كتعدد الألوان. وكما تأثرت بالصورة السينمائية تأثرت بالصورة التشكيلية فانعكست في لغتي. شاء حظي أن أسافر إلى بلدان خارجية كثيرة، فكان أول ما أفعله هو زيارة المعارض والمتاحف الفنية، قبل وبعد الاشتراك في موضوع المؤتمر الأدبي. لا أنسى زيارتي الأولى إلى فرنسا في بداية التسعينيات، وكيف أخذت طريقي إلى متحف الأورسيه قبل أيْ شيء.

كان به معرض لفناني المدرسة التأثيرية أو الإنطباعية في الطابق الثاني، وحين صعدت وعلى باب القاعة توقفت حين رأيت أمامي لوحة كلود مونيه «الإفطار على العشب» تتصدر القاعة فنزلت من عيني دمعة مما أثار من كان معي وهو الكاتب إبراهيم أصلان، فسألني مندهشا لماذا أبكي فأشرت له بالصمت. كانت لحظة اتسع فيها العالم بي أنا الذي رأيت اللوحات في كتب قرأتها عن الفن، لكن أن أراها أمامي شيئ لا يصدقه عقلي. أمضيت يوما مع الجمال الفائق مع لوحات مونيه وإدوارد مانيه وإدجار ديجا وجوجان وبول سيزان من الإنطباعيين أو من بعدهم. صارت متاحف الأورسيه واللوفر ومركز بومبيدو هي ملاذي عند السفر إلى باريس. كنت أعود اكتب في الرواية التي تشغلني بروح تتسع للعالم. لا أنسى في أواخر التسعينيات حين زرت إسبانيا لأول مرة كيف ذهبت إلى متحف البرادو في مدريد. كانت به لوحات كثيرة لفنانين عبر التاريخ لكن جويا كان له قسم خاص. وقفت بين لوحاته أنا الذي قرأت عنه الكثير، ثم جلست على الأرض بينها لوقت طويل، والناس تندهش من هذا المجنون، ولا يدركون أني أريد أن اتمثل جويا في روحي فلا يغيب. جذبتني لوحاته التي كنت رأيتها من قبل في كتب قرأتها، وبينها لوحة «فريق الإعدام» التي ظللت اتأملها لساعات. عدت وكنت أكتب في رواية «طيور العنبر» التي هي عن الجاليات الأجنبية في الإسكندرية وكيف مشت من البلاد مع سياسة عبد الناصر. بالرواية شاعر فكتبت على لسانه قصيدة نثرية كان وراءها شعوري أمام لوحة جويا «فريق الإعدام». لا أنسى مترجم الرواية إلى الإنجليزية المرحوم فاروق عبد الوهاب الذي كان أستاذا للأدب العربي في جامعة شيكاجو، وهو يتصل بي عام 2001 يسألني لمن هذا الشعر الذي بالرواية، لقد بحث عنه عند لوركا وإيلوار اللذين أحبهما فلم يجده. أخبرته إنه من تأليفي، وحكيت له حكايتي مع جويا في مدريد. بعدها صاحبني الشعر في بعض الروايات من أثر الفن التشكيلي، فظهر في روايات أخرى بها أبطال شعراء مثل رواية «الإسكندرية في غيمة» أو رواية « قبل أن أنسى أني كنت هنا» التي بطلها الرئيسي شاعر، والتي فيها طارت كل شجرة في مصر وقف تحتها يوما أحد شهداء أو شهيدات ثورة يناير، فخلت البلاد من الأشجار. كثير يمكن أن أذكره عن زياراتي للمتاحف في العالم، وكذلك من الشعر المنثور الذي قفز إلى روحي وتخلل رواياتي، لكن اكتفي هنا بمقطع صغير من رواية» طيور العنبر» وأترك باقي الروايات لكم:
إنّ ديلاكروا الّذي انتهى للتّوّ
من رسم الحرّيّة وهي تقود الشّعب
قد خرج يجري في الحدائق
فرأى المرأة الّتي انتهت لتوّها من صنع الثّورة
فبكى بين يديها أن تنتظر
فالحرّيّة الحقّة لم يرسمها بعد
من أنت أيتها المرأة اللّغز؟
قالت أنا الّتي اعتصر جويا حليبي
وقام مجنونًا ليرسم فريق الإعدام
ويجري في الشّوارع مع الثّيران
يا رفاق
الثّيران عرفت جويا وأوسعت له الطّريق
ووصل جويا إلى حافة النّهر فرحان
هيّا نصلّي جميعًا وراء جويا
جويا الّذي وصل إلى حافة النّهر
فوجد المرأة الّتي اعتصر حليبها
تغسل شعرها عارية
ولا تنزل إلى الماء
لماذا لا تنزلين أيّتها المرأة إلى الماء
لأنّ جويا عضّ مفاتني في نزق
لأنّ جويا ترك ألوانه على جسدي
إنّها المرأة شديدة الذّكاء والعبقريّة
الّتي انتهت للتّوّ من صنع الثّورة
فارتاحت على عرش قلبي
هنا. هنا في الإسكندريّة
الّتي ينزل عليها المطر يغسلها
لترى السّماء وجهها في الأرض
أيّ مدينتي العبقريّة
مدينة النّزق والجنون والاستشهاد
كيف دخلتك الخيول العجوز
محمَّلة بكلّ هذا الغبار والتّراب
كيف فتحت أبوابك للبرابرة..

 كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية