الاستحقاق الرئاسي ومحنة البحث عن «توافق على التوافق»

وسام سعادة
حجم الخط
0

رفع الرئيس الدائم للبرلمان اللبناني نبيه بري جلسة انتخاب رئيس جديد للجمهورية يوم الخميس الماضي بعد أن شهدت اختباراً أوّلياً أسفر عن 63 ورقة بيضاء من أصل 128 نائبا، وهي أوراق «حزب الله» وكتلتي بري وعون – باسيل الحليفتين له.
تاكتيك الورقة البيضاء المكثفة هذا تقابله المادة 12 من النظام الداخلي لمجلس النواب ونصّه أن «لا تدخل في حساب الأغلبية في أي انتخاب يجريه المجلس الأوراق البيضاء أو الملغاة».
أما في المدلول السياسي، فقد جاءت هذه الكتلة البيضاء، التي تقل بصوت واحد عن نصف أعضاء المجلس، لتظهر أنّ الوزن التصويتي «للحزب» وشبكة حلفائه أقوى من حسبة التصويت لمرشح «خطاب 14 آذار» ميشال معوّض ولمرشح آخر كان لا بد من العودة إلى محرك البحث «غوغل» من قبل معظم المتابعين للشأن السياسي المحلي لمعرفة من هو، وقد رست عليه تقليعة نواب «التغيير» الذين يقدمون أنفسهم كنواب «من خارج الاستبلشمنت» في بلد ليس من الواضح إن كان ثمة استبلشمنت فيه (بمعنى مؤسسة حاكمة مزمنة) أو إذا ممكناً رسم حدود واضحة بين من هو داخل الاستبلشمنت وبين من هو خارجه وله تأثير في آن.
بالورقة البيضاء، تجنّب «حلف الممانعة» كشف ما ليس به حاجة إلى كشفه من أوراق. فلم يقحم اسمي سليمان فرنجية أو جبران باسيل في مبارزة اختبارية، هي بمثابة استطلاع نار أوّلي، ما أبقى الأمل مشتعلاً عند كل الوجوه الاسترئاسية الصديقة للممانعة، وترك أخصامه يعون حدود ما في مستطاعهم، وعدم القابلية لديهم لردم الهوة بين المكونات المخالفة لمنطق «حزب الله» في المجلس بأي شكل كان، وبالتالي إخفاقهم مرة تلو مرة في ترجمة الشعار «السيادي» في صيغة مفيدة.
في المقابل، أظهر التصويت أن هذه الكتلة البيضاء هي نصف المجلس إلا واحداً، ما يقطع – نسبياً – الطريق أمام دعاية من قبيل أن الحزب الموالي لإيران يهيمن بشكل لا رجعة فيه على البرلمان اللبناني، الأمر الذي من شأنه تزكية التعامل مع البلد ومؤسساته على أساس أنها باتت مجرّد واجهة زجاجية لأنشطة الحزب.
63 ورقة بيضاء تسمح بالتالي لحلف الممانعة بفتح الباب للتفاوض، الخارجي أساساً، حول مصير الاستحقاق الرئاسي، والأمد الذي تحتاجه عملية الإعداد لرئيس جديد، وهوية الشخص الصالح لذلك، حين تكون اللحظة مؤاتية.
ليست قليلة في المقابل الحصة (36 ورقة) التي نالها من التصويت الاختباري النائب ميشال معوّض، نجل أول رئيس منتخب بعد الطائف، المغدور رينيه معوض، والمتابع بشكل أكثر مباشرة لتجربة والدته نايلة المنتقلة من تحصيل أحد المقاعد النيابية وفقاً لمحدّدات مرحلة الوصاية السورية، إلى التحول تدريجياً لأحد وجوه الحركة السيادية المنادية بإخراج جيش هذه الوصاية من لبنان، والتصدي من ثم لهيمنة «حزب الله».
ومعوض الإبن، لم يمنعه حمل هذا الخطاب «السيادي» من بعد سنوات من الإنخراط في العمل الجبهوي لقوى 14 آذار، وسمعته «الصديقة للأمريكيين» من التحالف الذي فرضته طبيعة القانون الانتخابي بشكل أساسي عام 2018 مع الجماعة العونية – الباسيلية النصيرة للخط الإيراني، والانضواء في تكتلها لعام ونصف العام – مع تمييز خطابه، قبل الابتعاد عنهم لاحقاً وتحوله إلى أحد النواب الثمانية الذين استقالوا من المجلس في إثر إنفجار 4 آب/أغسطس 2020 التدميري للمرفأ والمنطقة السكانية، وقبل المجلس استقالتهم كأن انفجاراً بهذا الهول وبهذا التعطيل الشرس لكل مسعى لكشف من تسبب به وكيف، لا يتعدى حدود الحادث العرضي، وبالمقدور متابعة الأعمال الجارية من بعده كأن شيئاً لم يكن.
أمّنت القوات اللبنانية لمعوّض نصف ما ناله في جلسة الخميس الفائت من أصوات. هي التي كان لعدم امكانية اتفاقها معه في الانتخابات النيابية لعام 2018 الدور في التحاقه الاضطراري باللائحة المنافسة، والانضواء في التكتل العوني – الباسيلي. لكن القوات هذه المرة اختارت تجنب طرح اسم سمير جعجع أو أي مرشح قواتي آخر، لإدراكها بأن قلة من النواب غير القواتيين سوف تقترع لخيارهم. في الوقت عينه، يرتبط طرح اسم معوض بهذا الاختبار بالتحديد، وليس بالضرورة الاستمرار عليه في الجولات المقبلة. لكن هل ثمة أصلاً جولات مقبلة في الحسبان؟
عندما علق الرئيس بري جلسة الانتخاب الخميس في ضوء هذه النتائج وبعد أن فُقِدَ فيها النصاب، أجاب رداً على سؤال من أحد النواب عن موعد الجلسة المقبلة أنه: «إذا لم يكن هناك توافق وإذا لم نكن 128 صوتاً لن نتمكن من إنقاذ المجلس النيابي ولا لبنان. وعندما أرى أن هناك توافقاً سوف أدعو فوراً إلى جلسة، وما لم يحصل فلكل حادث حديث».
استطراد بري هذا، بل اشتراطه التوافق، بما يعنيه من اتفاق على اسم الرئيس قبل انتخابه، استدعى مروحة من التعليقات التي ذكرت بالمتن الدستوري، وما ينص عليه، وخاصة المادة 75: «ان المجلس الملتئم لانتخاب رئيس الجمهورية يعتبر هيئة انتخابية لا هيئة تشريعية ويترتب عليه الشروع حالاً في انتخاب رئيس الدولة دون مناقشة أو أي عمل آخر». هذا فضلاً عن السمة غير الديمقراطية بتاتاً لعملية اشتراط «إما التوافق المسبق على رئيس، وإما الفراغ».
يبقى أنه، وفي ظل غياب نص ملزم بوضوح للنواب بحضور جلسات انتخاب الرئيس، تصبح حالة الانعقاد الدائم لانتخاب رئيس التي يقول بها الدستور على جانب من الإلتباس والإبهام. زد على أنه، إذا ما احتسبنا الورقة البيضاء والمرشح خارج السياسة تماماً الذي اختاره نواب «التغيير» أو الأصوات التي كتب عليها اسم البلد «لبنان» وما إليها، فإن 85 ورقة أنزلت بالصندوق، بمن فيها ورقة نبيه بري شخصياً، لتظهر ان الموضوع لا يقتصر على مشكلة التعثر في انتخاب رئيس، بل يطاول مصير البرلمان نفسه. عندما لا يجد 85 عضواً منتخب حديثاً في برلمان، من اسم سياسي يقترعون له في انتخابات رئاسية، قبل أسابيع قليلة من انتهاء ولاية الرئيس الحالي للدولة، وفي ظل عدم نجاح المساعي الهادفة لانبثاق حكومة جديدة حتى الآن – بما أن حكومة نجيب ميقاتي باتت فقط لتصريف الأعمال بعد انتخابات ايار/مايو الماضي، فلذلك دلالات وآثار وخيمة. هذا ان عزلنا الاعتبار المؤسسية والسياسية عن المدى الذي توغلت إليه الأزمة المالية والاقتصادية والاجتماعية. من هنا، الكلام عن «إنقاذ المجلس النيابي ولبنان» الذي أدلى به رئيس المجلس في ختام الجلسة ليس بالكلام الإنشائي. الإختبار الذي حصل يعكس أيضاً المدى الذي بلغه التلف وانسداد الأفق بالوضع اللبناني.
هل يعني ذلك أن الذهاب إلى الفراغ بات محتوماً؟ ومن بعدها كم لهذا الفراغ – الذي سيكون الثالث من بعد 2007 – 2008 و2014-2016 أن يطول، ومن دون حكومة جديدة، ومن دون صلاحية تشريعية طبيعية للبرلمان، ما دام يقاصصه الدستور بسحبها منه ان هو لم ينتخب الرئيس، وفي ظل الانقسام حول كل شيء تقريباً، والانهيار المتصاعد، وعدم إمكانية وضع احتمالات انفجار الوضع حول «معركة ترسيم» المناطق البحرية بين لبنان وإسرائيل والذهاب إلى حرب جديدة؟
أسهم التشاؤم حيال كل هذه القضايا والملفات تبدو أعلى بوضوح من أسهم التفاؤل. يبقى أن كثافة التشاؤم من شأنه الدفع إلى شيء من «التواطؤ» لجهة عدم الذهاب تماماً إلى مجهول لا يضمن حسابات اقتدار أو تفوق أو رجحان لأحد.
المؤشر الآن هو إمكانية الخروج بحكومة قبل نهاية تجربة عون التي توخت أن تكون «عهداً قوياً» فكانت النتيجة أنه في آخر هذا العهد، 85 نائباً لم يجدوا من مرشح سياسي لانتخابه. لكن إذا كان «الرئيس التوافقي» غير محبّذ، بعد تجربة ميشال سليمان، و«الرئيس القوي» غير قوي بعد تجربة ميشال عون، فما عساها تكون التعويذة اللازمة للرئيس العتيد؟
نواب «التغيير» طرحوا مبادرة. كثفت مشكلتهم ومشكلة البلد. مبادرتهم تتلخص بأنهم ينادون على رئيس غير توافقي، انما ينتخب بالتوافق. هذا في وقت معظم من يرفع الشعار السيادي في وجه «حزب الله» تراه يتصدق بعبارات التبرير لما اقترفته المصارف، أو يميل إلى تهميش مسؤوليتها إلى أقصى حد. بالتالي «سيادي وتغييري» في آن، هذه شعاراتياً سهل تردادهاً، عملياً صعبة. يدل على ذلك ما انتهت إليه مبادرة «نواب التغيير» (وقسم منهم في «حزب المصارف» وقسم ليس كذلك) من بعد الطواف على قادة الكتل النيابية، بالاقتراع لاسم من خارج السياسة، وربما من دون موافقته، وربما يكون يحبذ طرح اسمه والقول أنه «فوجئ» بعد ذلك. إذ من أين تأتي برئيس «ضد الحزب» و«ضد المصارف» لينتخبه برلمان أكثريته هي في آن، «عند» الحزب وعند المصارف (بتعداد مختلف للأسماء في هذه الحال وفي تلك)!؟ مبادرة «التغييريين» التنقيبية عن رئيس خارج السياسة، ومن بعد طول ثرثرة من أنهم أعادوا للسياسة رونقها، أعطت في النهاية سلوى للناس في الزمن المسدود. لكن ما تظهره هذه المبادرة، وما تظهره بشكل جدي أكثر الأوراق البيضاء والملغاة الأخرى، هو أن الطريق لم تعد ميسرة لا من جهة «التوافق على التوافق» ولا من جهة «التوافق على عدم التوافق»، وأنّ الأمور متروكة للانتظار، المفتتح بكلام بري عند رفعه لجلسة الخميس.
انتظار ماذا؟ التوافق على قائد الجيش؟ التوافق على اسم آخر يرتاح له «الحزب» أكثر؟ التوافق على حكومة جديدة وفراغ ممتد؟ لكن أساساً هل يمكن الركون في كل هذه الأمور إلى الكواليس والأروقة خارج الأحداث؟ قطعاً لا. إنما، منذ حادثة الطيونة الدامية أواخر العام الماضي لم يحدث حدث ولا حادثة مفصلية أخرى. رغم الانهيار، رغم حدية الخطابات، رغم الانسداد والدوران في الحلقة المفرغة ومنها باتجاه الفراغ الدستوري. لا الانتخابات النيابية بحصولها كانت بالحدث المفصلي، ولا الانتخابات الرئاسية بعدم حصول نتيجتها هي بالحدث المفصلي.
يبدو البلد كما لو أنه يتظاهر باللامبالاة أمام احتمالات الحدث. يبدو حالياً بلا أحداث. يتصدّع ويترنّح فقط. لا مياه جارية، فقط مياه راكدة يتشظى معها المجتمع بين من ينجح في فصل نفسه عن انهيار المجموع، وبين من يجهد بصعوبة لتأمين الشروط الأبسط للعيش، أو للهروب، أو للغرق.
لكن هذه الحال لن تستمر طويلاً من دون حدث، يخرج التوتر المحتقن والمحتبس إلى مساحة ما لتصريفه، ويدفع من ثم إلى التفاوض الجدي حول كيفية «لجم الأمور» ان كان من الميسر بعده لجمها.
اقتراب الفراغ يقوي احتمالات استئناف الأحداث والحوادث، أكثر منها المسارات الهادئة للبحث عن «توافق على التوافق» في الكواليس، وترجمته من ثم في صندوق الاقتراع.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية