عمليات هدم المنازل الفلسطينية ارتفعت إلى أكثر من 200 في المئة خلال العام الجاري، وعدد الفلسطينيين الذين فقدوا منازلهم هذا العام في الضفة الغربيّة، تفوق العدد السنوي لكل عام.
فلسطين-“القدس العربي”: تواصل سلطات الاحتلال بشتى الطرق، حملات الاستيطان، التي تستهدف طرد الفلسطينيين من أراضيهم، وإحلال مشاريع استيطانية جديدة، في إطار تنفيذ “مخطط الضم الهادئ” الذي لم تقلع عنه حكومة الاحتلال، بما يؤكد زيف الرواية العربية التي قدمت لتزيين عمليات التطبيع الأخيرة.
ولوحظ مؤخرا أن هجمات الاستيطان على مناطق الضفة الغربية، أخذت شكلا تصاعديا، وهو أمر أشار إليه صراحه تقرير أصدرته إحدى الجمعيات الحقوقية الناشطة في إسرائيل، خاصة وأن إسرائيل الدولة القائمة بالاحتلال، نفذت قبل أيام أعنف عملية هدم مساكن، منذ أربع سنوات، تمثلت في هدم 70 مسكنا في قرية حمصة الفوقا، التابعة للأغوار، وهي أحد الرقع الجغرافية في الضفة الغربية، التي تريد إسرائيل السيطرة عليها بالكامل، إضافة إلى منطقة شمال البحر الميت، والأراضي التي تقام عليها المستوطنات، وهي مساحة تقدر بأكثر من 30 في المئة من مساحة الضفة الغربية.
وكانت قوات الاحتلال في إطار حربها الاستيطانية، دمرت قبل يومين خربة حمصة الفوقا، في منطقة الأغوار، بعد أن هدمت مساكنها وخيامها، وشتتت سكانها، ضمن حملتها الرامية لتهجيرهم وطردهم قسرا، لصالح توسعة المستوطنات.
واشتملت عملية الهدم التي قلبت الخربة رأسا على عقب، وجعلت مساكنها وهي عبارة عن خيام وأخرى مقامة من الصفيح، أثرا بعد عين، بعد أن طالت عمليات التدمير حتى مساكن الماشية، وخلايا شمسية توفر الطاقة لسكان تلك المنطقة النائية التي يعتمد سكانها على الزراعة والري.
وجاء ذلك بعد ان نفذت قوات الاحتلال خلال الأيام الماضية أيضا عدة عمليات هدم طالت منازل ومنشآت زراعية وشملت تجريف طرد واستيلاء على أراضي بالقوة، غير تلك التي نفذها مستوطنون متطرفون اعتدوا خلالها على مزارعين بالضرب، كما قاموا بحرق أشجارهم وسرقة محاصيلهم، وتسييج أراض أخرى في مناطق عدة، في إطار سعي الطرفين (قوات الاحتلال والمستوطنين) لطرد الفلسطينيين عن أراضيهم، لصالح توسعة المستوطنات وتنفيذ مخطط الضم.
وكان رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان وليد عساف، وصف ما حدث بأنه يأتي في سياق سياسة “الأرض المحروقة” وقال إن الاحتلال يسلك سياسة الهدم الكلي للتجمعات الفلسطينية بهدف إفراغها، فيما علق الناطق باسم حماس عبد اللطيف القانوع، على تلك العملية بالقول، إنها تمثل “عملية تطهير عرقي لم يسبق لها مثيل لاستئصال الوجود الفلسطيني واستعداداً لتنفيذ مشروع الضم” وأكد أن “مجزرة هدم البيوت والمنشآت ما كانت لتتصاعد لولا تسارع وتيرة التطبيع مع الاحتلال وهو ما يتطلب وقف قطار التطبيع وفضح جرائم الاحتلال”.
هدم المنازل تضاعف
وبما يشير إلى بشاعة عمليات الهدم والاستيطان المتصاعدة، كشفت معطيات تقرير حقوقي جديد أصدره مركز حقوق الإنسان الإسرائيلي “بتسيلم” عن اتباع الاحتلال لسياسة التصعيد في هدم منازل الفلسطينيين منذ مطلع العام الجاري، لافتًا إلى أنه ومنذ بداية العام الجاري هدم الاحتلال 218 منزلًا، بدون أي مراعاة للقانون الدولي.
وأوضح التقرير أنه رغم الإعلانات الإسرائيلية عن التراجع عن قرار الضم، إلا أن معطيات الهدم تشير إلى أن العملية مستمرة ولم تتغير على الأرض، وأن سلطات الاحتلال تواصل التصرف في الأراضي الفلسطينية المحتلة وكأنها لها، وتمنع أي تطوير فلسطيني في الضفة، بما فيها القدس الشرقية، بهدف الاستيلاء على المزيد من الأراضي.
وكشف التقرير الحقوقي أن نسبة هدم المنازل الفلسطينية ارتفعت إلى أكثر من 200 في المئة خلال العام الجاري، لافتا إلى أن الأرقام أوضحت أن عدد الفلسطينيين الذين فقدوا منازلهم هذا العام في الضفة الغربيّة بما فيها شرقي القدس، تفوق العدد السنوي لكل عام منذ 2016 الذي سجل في حينه رقما قياسيا نسبة لما قبله.
وأوضح أن حصيلة سياسات الهدم بلغت في الأشهر العشرة الأولى من هذا العام، 218 منزلا فلسطينيا، وهو ما أدى إلى تشريد 798 عائلة بضمنهم 404 قاصرين، وقال إنه في العام 2019 شردت إسرائيل 677 فلسطينياً، فيما أدت عمليات الهدم في العام 2018 إلى تشريد 397 آخرين، و521 فلسطينياً في العام 2017.
وقد دفعت عمليات الهدم هذه الناطق باسم الاتحاد الأوروبي وكذلك منسقة الشؤون الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة إيفون هيلي، لإصدار بيانات أدانوا خلالها تصاعد الاستيطان، خاصة بعد هدم الاحتلال قرية حمصة الفوقا في منطقة الأغوار، وقالت المسؤولة الأممية إن الهدم وتشريد العشرات من السكان في منطقة محتلة “يشكلان انتهاكات جسيمة لاتفاقية جنيف الرابعة”.
وأوضحت أن ثلاثة أرباع سكان القرية فقدوا مأواهم، مما يجعل هذا أكبر حادث تهجير قسري منذ أكثر من أربع سنوات، لافتة وهي تنتقد اجراءات الاحتلال، “عادة ما يُشار إلى عدم وجود تصاريح بناء صادرة من إسرائيل كسبب للهدم، على الرغم من أنه بسبب نظام التخطيط التقييدي والتمييزي لا يمكن للفلسطينيين تقريبا الحصول على مثل هذه التصاريح”. وأضافت أن “عمليات الهدم تُعتبر وسيلة أساسية لخلق بيئة مصممة لإكراه الفلسطينيين على مغادرة منازلهم”.
وقال المتحدث الرسمي باسم الاتحاد الأوروبي بيتر سانتو، إن استمرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي بهدم المباني الفلسطينية، يشكل عائقا أمام “حل الدولتين”.
وفي السياق ذكر تقرير الاستيطان الأسبوعي الذي يعده المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان التابع لمنظمة التحرير، أن سياسة حكومة الاحتلال لا تقف عند حدود التوسع في البناء الاستيطاني في القدس ومحيطها، أو عند حدود محاولات تزوير معالمها الحضارية، وهويتها، بل تتجاوز ذلك نحو تغيير طابعها الديموغرافي، وذلك عبر ممارسة التطهير العرقي الصامت بأساليب متعددة، تتقدمها سياسة هدم منازل الفلسطينيين.
وأشار التقرير إلى أن المعطيات الجديدة التي كشفت عنها جمعيّة “عير عميم” الإسرائيلية اليسارية، تشير إلى ان هدم المنازل الفلسطينية في القدس الشرقية المحتلة بلغ رقما قياسيا العام الجاري، وحسب التقرير، فعدد المنازل التي هدمتها إسرائيل قبل نهاية العام بشهرين هو الأعلى منذ 20 عاما، إذ إن بلدية الاحتلال بالقدس هدمت بين شهري كانون الثاني/يناير وتشرين الأول/اكتوبر من هذا العام 129 وحدة سكنيّة، وهذا الرقم القياسي في هدم المنازل تجاوز الرقم السابق المسجل في العام 2016 حيث تم خلاله هدم 123 وحدة سكنيّة.
وقد تطرق التقرير إلى قيام الولايات المتحدة بإزالة الحظر عن تمويل الأبحاث العلمية في المستوطنات، في خطوة تنطوي على تشجيع واضح لمخططات الضم، حيث وقع رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو وسفير الولايات المتحدة الأمريكية لدى إسرائيل ديفيد فريدمان على عدد من الاتفاقيات تجيز توسيع تطبيق اتفاقية التعاون العلمي بين إسرائيل والولايات المتحدة، لتشمل الضفة الغربية والجولان، وذلك في حفل أقيم في جامعة أقامتها سلطات الاحتلال في مستوطنة “أريئيل” في محافظة سلفيت شمال الضفة الغربية.
ترافق ذلك، مع بيان استفزازي صادر عن السفارة الأمريكية، جاء فيه، أن الولايات المتحدة وإسرائيل توافقتا على إزالة القيود الجغرافية في الاتفاقات القائمة بين البلدين، حيث أعلن السفير فريدمان، خلال التوقيع على تعديل الاتفاقيات، إن إلغاء القيود الجغرافية سيسمح باستثمار أموال من حكومة الولايات المتحدة في مؤسسات البحث والتطوير الإسرائيلية بقيمة تصل إلى 1.4 مليار دولار، ونصحح بذلك اليوم خطأ قديما.
مخطط الضم باق
وبما يدلل على بقاء مخطط الضم، كان مبعوث الرئيس الأمريكي لمنطقة الشرق الأوسط، آفي بيركوفيتش قال “إنه تم تأجيل خطة الضم الإسرائيلية لأراض فلسطينية في الضفة الغربية، لحين استكمال عمليات التطبيع بين إسرائيل ودول عربية”.
ويوضح التقرير الفلسطيني، الذي يرصد الاستيطان، أن نشاطات حكومة الاحتلال لا تتوقف، حيث يتواصل بناء المزيد من الوحدات الاستيطانية الجديدة، وزيادة عدد المستوطنين، بما في ذلك في قلب مدينة الخليل، عبر خطة استيطانية جديدة يجري العمل على تنفيذها في المدينة، وهي عمليات تتم بتسهيلات واسعة بعد حصول المستوطنين على مصادقة رسمية بالبناء في مجمع سوق الجملة، حيث يتم التخطيط لبناء 60 وحدة استيطانية في المكان، والعمل على استصدار تصريح للبناء فيما يعرف بـ”حي حزقيا” الاستيطاني في قلب الخليل، رغم وجود قرار قضائي بمنع أي أعمال بناء في الحي المذكور.
وتؤكد المعطيات أن هذه الخطوة تهدف إلى مضاعفة أعداد المستوطنين في المدينة، حيث قال مسؤول في جمعية “يشوف” اليهودية الاستيطانية والقائمة على هذا المشروع الاستيطاني، “هذا هو أكبر مشروع بناء يتم في الخليل منذ أيام سلفنا إبراهيم”.
وقد تطرق تقرير المكتب الوطني الفلسطيني إلى ما شهده موسم قطاف الزيتون هذا العام كما في كل عام من معاناة كبيرة من انتهاكات قطعان المستوطنين ومنظمات الإرهاب اليهودي، التي تتخذ خاصة من البؤر الاستيطانية وبعض المستوطنات، خاصة في محافظتي نابلس ورام الله، ملاذات آمنة لها تحت حماية قوات الاحتلال، بهدف طرد السكان قسرا عن أراضيهم، كما تطرق أيضا إلى رصد عمليات الهدم التي طالت العديد من المنازل الفلسطينية.