الخرطوم ـ «القدس العربي»: تبايت المواقف السياسية حيال الاتفاق الذي أبرم الأربعاء، بين قوى «الحرية والتغيير» والمجلس العسكري. ففيما أعلنت كتلة المجتمع المدني رفضها له، أشاد رئيس تحالف «نداء السودان»، الصادق المهدي، به، محاولاً إقناح الحركات المسلحة بتأييده.
ونص الاتفاق السياسي، في أبرز بنوده على تشكيل مجلس للسيادة (أعلى سلطة في البلاد)، من 11 عضوًا، 5 عسكريين يختارهم المجلس العسكري، و5 مدنيين، تختارهم قوى التغيير، تضاف إليهم شخصية مدنية يتم اختيارها بالتوافق بين الطرفين.
ويترأس أحد الأعضاء العسكريين المجلس لمدة 21 شهرًا، بداية من توقيع الاتفاق، تعقبه رئاسة أحد الأعضاء المدنيين لمدة 18 شهرًا المتبقية من الفترة الانتقالية (39 شهرًا).
ونص كذلك على تثبيت موقف الطرفين في ما يخص المجلس التشريعي، حيث تطالب قوى التغيير بنسبة 67٪ من المجلس التشريعي، ويصر العسكري على ضرورة تعديل هذه النسبة لقوى التغيير.
وأعلنت كتلة المجتمع المدني وهي واحدة من الكتل الخمس المتمثلة في إعلان «الحرية والتغيير»، رفضها الاتفاق، مشيرة في بيان إلى أن «التوقيع عليه جاء من جانب عدد من ممثلي بعض قوى الحرية والتغيير، وسط رفض مندوبتنا على التوقيع وتسجيل هذا الموقف أمام الجميع، ورغم ذلك، أصروا على المضي في انفرادهم بالتوقيع، ليأتي هذا التوقيع كمخالفة واضحة للقرار الصادر عن الاجتماع المشترك بين التنسيقية ووفد التفاوض، وباتفاق ممثلي كافة القوى، والذي شدد على الوفد المفاوض بعدم توقيع الاتفاق السياسي، بمعزل عن المرسوم الدستوري».
وأضاف البيان «إننا في قوى التجمع المدني نعلن أن الاتفاق السياسي جاء ناقصا، ولم يستوعب مطالب الثورة التي تتلخص في الاتجاه نحو سلطة مدنية وحكومة كفاءات».
كما جاء التوقيع، طبقاً للبيان «قاصراً عن التعبير عن مواقفنا التي تمسكنا بها وتوافقنا عليها في التفاهمات السابقة مع المجلس العسكري، والتي أقر بها القرار الأفريقي الصادر في 6 يونيو/ حزيران 2019 عن الاجتماع رقم 854، والذي دعمه المجتمع الدولي في مناصرة للثورة والشعب السوداني، من دعوة للجنة تحقيق مستقلة بمشاركة دولية، ومطالبة المجلس العسكري بالالتزام بكل ما سبق الاتفاق عليه مع قوى الثورة، وفرض عقوبات تطال كل من يعيق عملية انتقال السلطة بقيادة مدنية، أشخاصاً كانوا أم مؤسسات».
لكن عضو الوفد التفاوض المعارض عن كتلة المجتمع المدني مدني عباس قال لـ«القدس العربي» إن «البيان ليس مفاصلة مع المسار التفاوضي، بل استدراكات على ما تم في الاتفاق عليه، وسنشارك مع وفد الحرية والتغيير في الاجتماع الذي سيناقش الوثيقة الدستورية ونطرح بعض التعديلات، لتواكب ما اعترضنا عليه في الاتفاق السياسي».
في السياق ذاته، أعلنت تنظيمات الجبهة الثورية بشقيها من الحركات المسلحة التي كانت تقاتل النظام السابق، في مؤتمر صحافي في أديس ابابا رفضها للاتفاق السياسي الذي جرى توقيعه، معتبرة إياه تجاوزاً لقضية الحرب والسلام.
وأوضح نائب رئيس الحركة الشعبية ياسر عرمان لـ«القدس العربي» من أديس أبابا عبر الهاتف أن «التوقيع الذي جرى في الخرطوم بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري على وثيقة الاتفاق السياسي تغافل عن قضايا جوهرية طرحتها الثورة وترك قضية السلام بالذات خلف الاتفاق».
وزاد: «نأمل أن لا يؤدي ما حدث إلى تفتيت قوى الثورة، فهي الضمانة الوحيدة لأي انتقال من النظام القديم إلى نظام جديد، وحصاد التفاوض لا يساوي زراعة الثورة، وهنالك خلل في عدة اتجاهات يجب تلافيه بالحفاظ على وحدة قوى الثورة».
وبين أن «الطريقة التي سادت حتى عام 1956 لن تحل قضايا السودان»، مشيراً إلى أن «الاتفاق سينتج حكومة ضعيفة قليلة الصلة بالثورة. نحتاج لمزيد من الحوار بين قوى الثورة.
عرمان لـ«القدس العربي»: تغافل عن قضايا جوهرية طرحتها الثورة وتجاهل قضية السلام
أولا. قضايا الحرية والسلام والمواطنة والعدالة هي الأساس»، محذراً من أن «النظام القديم سيتسيد الموقف».
واستدرك بالقول «لا شكوك لدينا في صدق ووطنية الموقعين على الاتفاق، لكن هذا لن يحقق ما يريده الشعب والفئات المهمشة والفقيرة، وتلك التي عانت من الحرب. الاتفاق عبارة عن تقاسم للسلطة، ويتغافل قضايا مهمة «.
وتابع: «ندرك حساسية الموقف الحالي. توازن القوى يتيح أكثر من ذلك والتأييد الإقليمي والدولي لقضايا الثورة والانتقال إلى حكومة مدنية، يجب استثماره بأفضل مما عملنا عليه الآن، فضلاً عن أن ما حدث تغافل الحوار الطويل الذي جرى بين قوى الحرية والتغيير والجبهة الثورية».
التركيز على السلام
أما رئيس تحالف نداء السودان، الذي تنضوي فيه تنظيمات الكفاح المسلح (الجبهة الثورية بشقيها)، الصادق المهدي، فأشاد بالاتفاق، معتبراً أنه «سوف ينقل السلطة من المجلس العسكري المنفرد بها حالياً إلى مجلس سيادة مشترك ومجلس وزراء مدني».
وأضاف، في رسالة بعثت للمجتمعين من القوى المسلحة في أديس أبابا : «أولى خطوات الحكومة المدنية، ستكون التركيز على السلام العادل الشامل عبر مجلس قومي للسلام، سوف يجري التشاور بين الجميع، وأنتم على رأسها، حول تكوين وصلاحيات هذا المجلس».
وأضاف «يرجى أن نتعاون جميعاً لتحقيق مشاركة الأخوة الممانعين حالياً ليكون السلام المنشود عادلاً وشاملاً، وتجنب النهج الجزئي للسلام الذي أفسد اتفاقيات السلام في العهد السابق»، مشيراً إلى أن «الأسرتين الأفريقية والدولية لديهما حماس للانتقال إلى الوضع المدني، وعلى استعداد لدعم نهج السلام العادل الشامل».
وختم المهدي رسالته بالقول «البلاد الآن ضاقت ذرعاً بالتأخير ما ينعكس سلباً على قوى الثورة، وتنتفع بالعجز عن التقدم، قوى الردة والثورة المضادة، لذا أرجو أيها الأعزاء مباركة خطوة الانتقال من مجلس عسكري منفرد بالسلطة الى مجلس سيادة مشترك ومجلس وزراء مدني ستكون عملية السلام على رأس اهتماماته، ورجائي أيها الأحباب بإلحاح أن ترسلوا لنا تأييد الخطوة إلى الأمام، وسوف نبحث حول إسناد المناصب دون محاصصة».
وحسب مصادر «القدس العربي»، فإن تحالف قوى الإجماع الوطني، وهو إحدى الكتل الخمس المكونة لتحالف الحرية والتغيير «دخل في اجتماعات مطولة للخروج برأي موحد حول الاتفاق السياسي في غياب ممثلي الحزب الشيوعي وحزب البعث العربي والناصريين وأحزاب أخرى».
تباين في الآراء
وقال مصدر مطلع «هناك تباين في الآراء، البعض يطالب بمفاصلة كاملة مع الاتفاق والانسحاب من العملية التفاوضية، بينما هناك رأي آخر يرى ضرورة الاستمرار في التفاوض، وتحسين الاتفاق من خلال نصوص الإعلان الدستوري والحفاظ على وحدة قوى الحرية والتغيير باعتبارها الضامن للانتقال السياسي».
دولياً، رحبت دول «الترويكا» (الولايات المتحدة، وبريطانيا والنرويج)، بالتزام المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، بدعم تحقيق مستقل في أحداث 3 يونيو/ حزيران الماضي (فض الاعتصام)، وغيرها من أعمال العنف.
كما رحبت، في بيان صادر الخميس، بالتفاوض على إنهاء النزاعات الداخلية في السودان، والسعي نحو تحقيق الإصلاحات الاقتصادية والقانونية والدستورية خلال فترة انتقالية مدتها 39 شهرا.
وتتطلع دول «الترويكا» إلى العمل مع «حكومة انتقالية يقودها مدنيون تعمل على تحقيق تطلعات الشعب السوداني إلى الحكم المستجيب للشعب والسلام والعدالة والتنمية».
وأثنت على جهود الاتحاد الأفريقي، والوسطاء الإثيوبيين والسودانيين في مساعدة الطرفين على التوصل إلى اتفاق.
وأضاف البيان «نشجع الطرفين على إبرام الاتفاق الدستوري الموازي بسرعة، وتشكيل الحكومة الانتقالية التي يقودها المدنيون والتي طالب بها الشعب السوداني بشجاعة وسلمية منذ ديسمبر/ كانون الأول 2018».
وتابع «ترحب دول الترويكا بالاتفاق الذي توصل إليه المجلس العسكري الانتقالي، وقوى الحرية والتغيير، بشأن إعلان سياسي يحدد الهيكل والمسؤوليات على نطاق واسع للحكومة الانتقالية.. نأمل أن تتمكن هذه المؤسسات من كسب ثقة ودعم الشعب السوداني».