«الاعتراف الأخير»: شهادة باسل الخطيب الحذرة في تضاريس العنف

كمال القاضي
حجم الخط
0

القاهرة «القدس العربي» : شهد العرض الخاص، الذي أقيم في دار الأوبرا المصرية في القاهرة للفيلم السوري «الاعتراف الأخير» للمخرج الفلسطيني باسل الخطيب، إقبالاً ملحوظاً، رغم ضعف الدعاية والبرودة الشديدة للطقس الشتوي القارس.
لكن يبدو أن طبيعة الموضوع السياسية كانت دافعاً للمشاهدة، فالكثيرون من الحضور اهتموا بمعرفة ما يمكن أن يطرحه الفيلم حول قضية هي الأهم على الساحة، لا سيما في ظل تعدد الآراء ووجهات النظر حول المفهوم العام والشامل للعنف والإرهاب، وما يحيط في الظاهرتين من ملابسات وظروف تدعو إلى تدقيق النظر في التفاصيل، للوقوف على حقيقة ما يحدث من صدامات فكرية وميدانية بين التيارات المتصارعة.
كان بإمكان باسل ككاتب ومخرج، أن يصنع فيلماً تقليدياً مباشراً، كونه مضطلعا في تقديم رؤية واضحة ستُحسب له أو عليه في هذا السياق، لكنه لم يشأ أن يكرر التجارب السابقة نفسها للسينما العربية حول القضية، بمعايير الانحياز أو الرفض، فيدين الإرهاب توافقاً مع التوجه العام وضماناً لرواج الفيلم ونجاحه، وإنما جعل يناقش المسألة في إطار مختلف إلى حد كبير، بادئاً أولى خطواته من السلوكيات الفردية لدى المغايرين في ثقافتهم ووعيهم، فيشير بعين الاعتبار وبشكل فلسفي إلى محنة المغايرة والاختلاف كجوهر فكري وممارسة حياتية، فالبطل في فيلمه مهموم بالإبداع المسرحي، لغة ووسيلة تثقيفية، ورافض لكل أشكال المتاجرة على حساب المضمون.
ومن هنا تبدأ أزمته كإنسان قيمي وأخلاقي، يؤمن بالحوار المنطقي طريقة مُثلى للتواصل، وبالطبع لا يميل للمواجهة العنيفة، ويعكس ذلك ارتقاء الثقافة فوق الأساليب البدائية، لإثبات الوجود بالقوة.
تلك كانت اللبنة الأساسية وحجر الزاوية في الرؤية السياسية والسينمائية للكاتب والمخرج، الذي ظل يراهن منذ بداية الفيلم وحتى نهايته على عنصر الاستنتاج، والتعامل مع الفكرة بعمومية من غير ربطها في المُطلق بظاهرة معينة، وبناءً عليه فقد أمعن في تفعيل الجانب الإنساني والرومانسي، ليُثبت أن الأصل في أي خلاف جوهري أو عارض، يمكن رده إلى الطبيعة الإنسانية، وما يحكمها من تأثيرات البيئة والمجتمع وميراث الغضب المتراكم في النفوس لأسباب كثيرة ومتعددة.
اعتمد باسل الخطيب على الـ»فلاش باك» في كثير من مواطن التأثير، لاعباً على متواليتين أساسيتين، هما العنصر الزمني بدلالاته ومتغيراته، وتطور حركته، والعنصر الدرامي المكون للأحداث والقصص المتداولة بين الأجيال، لإعطاء بُعد تاريخي، والاقتراب من الأزمة في كل مراحلها، كاشفاً عن بؤر التعتيم والإضاءة في ما يتصل بخطورة ظواهر العنف، وما يترتب عليها من نتائج سلبية، كما لم ينس أن يؤكد على استحالة تفاهم الأطراف المتناحرة، في ظل الحوار القائم وغير المتكافئ بين العقل والبندقية.
وقد ظل الخلاف بين الأبطال مُحتدماً طوال زمن الفيلم، وبقيت طُرق التربص والتآمر متوالية بما يُفهم منه أن ثمة نذير شؤم يشي بوقوع كوارث قبل النهاية، اتساقاً مع البداية، التي لم تكن تُنبئ بأي مفاجآت مختلفة، حيث لم يؤد العنف في السياق السردي للأحداث إلا لعنف مضاد، ففرار الزوجة من بيت الزوجية على أثر خلاف بينها وبين الزوج، وما أضيف لهذه المشكلة من تبعات نتج عنها موت أحد الأبناء، ثم موت الزوجة ذاتها لاحقاً، كان كفيلاً بتأصيل الصراع وديمومته، وانتظار البطل لسنوات عديدة مترقباً لحظة الانتقام من الرجل، الذي ظن أنه السبب الرئيسي في محنته العائلية.
وفي تداخل الأحداث والشخصيات والمراحل يدفع الأبناء ثمن ما اقترفه الآباء، ويقع المحظور، ويصير القتل عنواناً ختامياً للنهاية المأساوية التي تشمل كل الأطراف من المعنيين وغير المعنيين بالصراع، ويسكُت صوت الحقيقة ليعلو صوت الرصاص، بينما تبقى في الخلفية أمارات الوعي والفكر متمثلة في استمرار العرض المسرحي، دليلاً على التمسك بالتنوير كحل حتمي لأزمة الخلاف، وانشطار المجتمع، الذي بات متآكلاً جراء اتساع رقعة العنف وسرعة تواتره.
وأياً ما كان المضمون الكلي للفيلم الذي يحتمل الاتفاق والخلاف، تبقى عناصر التكوين السينمائي هي الأكثر تميزاً، فهناك تفوق واضح في التصوير وحركة الكاميرا والإضاءة، وتوظيف مُتقن ومحسوب بدقة للمونتاج، فضلاً عن الموسيقى التصويرية بتجلياتها الإيحائية المُعبرة عن المشاهد والمواقف بحساسية تنم عن خبرة وموهبة، ولا شك في أن الأداء التمثيلي للأبطال، غسان مسعود وديمة قندلفت وكندا حنا ومحمود نصر وروبين عيسى، قد عمق الرؤية وساهم بقدر كبير في توصيل الرسالة الفنية والموضوعية بغير تكلف أو مبالغة، وهو ما يمكن تسميته بسر الصنعة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية