الى أي درك وصل مستوى الاعلام والاعلاميين في لبنان؟ تحت شعار زائف، ‘حرية الاعلام في لبنان’، أصبح لكل قناة تلفزيونية أبطالها، يطلون على الشاشات – الموزعة طائفيا – بنبرات حماسية وخطابية شيشرونية فارغة سوى من بث الفرقة بين اللبنانيين والتشهير بمن يخاصمهم وينافسهم على التقاط ‘عظمة’ الاعلانات، و’رشوات’ دعاة الطائفية، وحيتان المال المنهوب من خزينة ‘دولة’ اللادولة. وما حصل مؤخرا بين فريق ‘إعلامي’ لقناة تلفزيونية وادارة الجمارك اللبنانية هو مثال فاضح للفوضى الاعلامية ولوقاحة وفساد وجهل المسؤولين في الادارات الرسمية. ما مستوى هذا الاعلام الاستقصائي لفضح اساليب نهب الخزينة العامة، حين يقف مراسل، مهووس الطموح والكسب، على قارعة الطريق ويقوم بالتشهير بمسؤول في ادارة الدولة من خلال مكبر للصوت، لان الاخير رفض مقابلته؟ وايضا، نعجب لمستوى هذا المسؤول ‘الكبير’ الذي أوعز الى عسسه، على ضرب وسحل وجر الفريق الاعلامي البائس واحتجازهم داخل المكاتب العامة على إيقاع من الضرب المتواصل والاهانات الدنيئة! كيف يمكن لفساد ان يكافح آخر في هذا الجو من الفلتان الاعلامي والاداري؟ ألم يكن من الافضل والاشرف استدعاء القوى الامنية المختصة، وإلقاء القبض على هذا الممسوس والمهووس الاعلامي، ومقاضاته على تهوره، من قبل الجهات المختصة، دون التورط والنيل منه بالضرب المبرح والركل والسحل؟ ما هذه السيناريوهات والافلام اللامتناهية حول محاربة الفساد في لبنان: هذا الفساد الذي ينخر عظام المؤسسات الرسمية منذ ولادة ما يسمى بـ’دولة لبنان الكبير’، وقد عمل لاحقا، عام 1943، على تشريعه طائفيا واقطاعيا وعائليا، عند إعلان الاستقلال عن الانتداب الفرنسي! اللوم الاكبر يقع على الاعلام غرق في لجج تغطية ‘الخبر السريع’ من اجل الحصول على المكاسب المالية الدنيئة! أين تغطية قنوات الاعلام للانتهاكات اليومية لفلسطينيي الداخل على يد البطش اللامتناهي للصهاينة! ما هو الدور ‘غير الكسبي’ الذي لعبته وسائل الاعلام المختلفة في تغطية ما سمي بـ’ثورات الربيع العربي’؟ من عمل على بث ‘بروباغاندا’ النزاعات المذهبية في عقول الضعفاء والجهلة والطامحين للوصول الى الجنة الجهنمية الحريمية؟ ماذا تعني الانسان العادي اليائس تغطية فساد مسؤول كبير في الدوائر الرسمية في خضم الانهيارات الاخلاقية التي طالت الرضيع قبل الوصول الى أعلى الهرم الحكومي. أقفلوا الشاشات الاعلامية. حلوا الادارات الرسمية – الامنية قبل المدنية. دعوا الناس تعود الى ايام العصر الحجري، حيث لم تكن هناك طوائف متنازعة على جبنة الحكم، ولا مذاهب متقاتلة على اعتاب جهنم للوصول الى جنة الله عن طريق نحر الرقاب، ونزع القلوب وأكلها نيئة. ما فائدة هذا الاعلام الاستقصائي الذي يبدأ حملة محاربة الفساد قبل التقصي عن فساد الفاسد الذي أوعز اليه تبيان فساد سواه. الحل الافضل هو في إقفال الشاشات في المنازل – وحتى امكانية تحطيمها – للتخلص من هذا الوباء الاعلامي المتفشي في جميع القنوات، التي في تغطيتها للفساد، إنما تزيده فسادا. وفي مناهضتها للتظلم يتكاثر الظلم، وفي دفاعها عن الاخلاق العامة تروج لعكسها، وعند مكافحتها للممنوعات والمخدرات تعمل على تحصين مروجيها وتجارها. ما هذا الاعلام الذي يتقصى الفساد ليحميه، ويناهض الشر ليصونه؟