“ما هي أبرز أسباب التحسن في الاقتصاد السعودي خلال هذا العام؟” هكذا تعنون “سي أن أن” فقرتها الاقتصادية “دقيقة بزنس”، وكأن الأمر محسوم تماماً، رغم كل التغيرات التي تحيط بالمملكة، والتي تجعلنا نرى المخاطر الاقتصادية بالعين المجردة.
تتحدث صاحبة البرنامج، الاقتصادية إيمان مطلق، عن استمرار التحسن، وزيادة الناتج الإجمالي بشكل سريع، وتؤكد أن الاقتصاد السعودي سيحافظ على قوته، “لأن الوضع الاقتصادي الحالي يحفز الاستهلاك والاستثمار في القطاعات الخاصة”.
لكن مطلق لا تملك إلا أن تعترف بأن “هناك محللين يقولون إن هناك احتمالاً أن يتأثر الاقتصاد بسبب التوقعات الاقتصادية للبلاد، خصوصاً أن الحكومة بدأت تفرض قوانين تصعّب التجارة التي يمكن أن تضيف ضغطاً على النمو العالمي، عدا عن المخاطر الجيوسياسية، التي تزيد في المنطقة، وحالة عدم اليقين حول برنامج الإصلاح”.
إذاً فقد استدركت المحللة الاقتصادية وألمحت إلى “مخاطر”، رغم العنوان الذي يعكس يقيناً نهائياً بتحسن الاقتصاد السعودي، رغم الحدث الكبير الذي يهز المملكة، أو على الأقل يهز هذا اليقين، ولقد شهدنا خلال الأسابيع الفائتة انسحابات عديدة لمدعوين الى مؤتمر الاستثمار السعودي، كما انسحاب مستشارين في مشروع “نيوم”، المدينة المزمع بناؤها على ساحل البحر الأحمر بكلف مالية سوبر فائقة.
ورغم هذه الإشارة إلى المخاطر، فقد ذكرّني هذا العنوان بمقال نشرته صحيفة سعودية لصحافي سوري قبيل اندلاع الثورة السورية بأسابيع فقط، كان همّه أن يعرض مجموعة من الأسباب والإنجازات الحكومية السورية، التي تدفع إلى اليقين بعدم امتداد التظاهرات العربية إلى البلاد. وعلى غرار فيديو “سي أن أن”، فقد جاء ذلك العنوان بيقين مماثل، شيء من قبيل: “ما هي الأسباب التي تمنع امتداد تلك الأوضاع إلى سوريا”.
وبالطبع، لم نكن ننتظر اندلاع المظاهرات لنعرف زيف المقال، فهو مزيف ويعبر عن رأي القصر الرئاسي حتى في حال عدم حدوث ثورة. على هذا اليقين تداول كثيرون ذاك المقال حينذاك، متأكدين من أنه لم يأت بالحق، ولعلهم يتداولون بالتهكم نفسه مقالات الرأي التي تتحدث عن تحسّن، وعن أوضاع اقتصادية وسياسية راسخة في المملكة.
ذباب ونحل
تقرير لـ “بي بي سي” يتحدث عن هواجس جمال خاشقجي قبل مقتله، عندما كان يصحو وينام على ما تبتدعه بحقه وسائل التواصل الاجتماعي من أكاذيب وشتائم واتهامات. كان ذلك الشغل الشاغل لمن سموا بـ “الذباب الالكترني”. وهنا تتحدث “بي بي سي” عن سعي خاشقجي “لمكافحة الذباب بالنحل”، فقد “كان خاشقجي أعلن قبل وفاته انضمامه لمشروع يسمى النحل الالكتروني لمواجهة هجمات من حسابات متهمة بأنها حسابات مزيفة مؤيدة للحكومة السعودية مهمتها مهاجمة المعارضين”.
ما يحدث هنا، على وسائل التواصل الاجتماعي، ليس بريئاً. عندما يجابَه معارضو الأنظمة الديكتاتورية المجرمة بالحملات الاتهامية والشتائم فكرواً أولاً بمشغّليم من جيوش الكترونية وخلافه.
نكبات بغدادية
لا ندري ما الذي أيقظ المذيع اللبناني زاهي وهبي والمغنية السورية فايا يونان للغناء لبغداد. لا سبب لتفعيل بند الغناء للمدن العربية (هل نتوقع قريباً أغنية لصنعاء؟) إلا تقليد الكبار الذين عرفوا باقتسام قلوب تلك المدن جميعها حتى لو كانت على خلاف. المهم أن تعْبر الأغنية، على غرار الشركات العابرة للحدود والجنسيات، والقنوات التلفزيونية، وبرامج تلفزيون الواقع، شيء من قبيل أوبريت “الحلم العربي” الذي بإمكان الجميع أن يغنيه، بل ويدمع له، وما هو في الواقع إلا قناع من بين الأقنعة الكثيرة التي تخفي حروباً وتمزقات لا حصر لها.
حوالى نصف مليون مشاهدة في خمسة أيام فقط لأغنية “بغداد” (من ألحان حازم شاهين وتوزيع ريان الهبر). يمكن التخمين بأن جمال وجه المغنية، وربما جمال الصور الطازجة الصافية المأخوذة من قلب بغداد هذه الأيام، كانا جواز عبور لنصف المليون مشاهد، أي كل ما ليس له علاقة بالأغنية نفسها، اللحن، أداء المغنية، الكلمات،
“بغداد/ بين الجرحين بسملةٌ ورجاء/بغداد/ فوق الجبين وشمٌ ودعاء/ في الصدر أيقونةُ عشقٍ/ وفِي الروحِ/ صِلةُ وصلِ الأرضِ بالسماء”.
هذا مقطع من كلمات الأغنية، التي أدرجها كاتبها تحت بند الشعر. ولعله يحاول أيضاً أن يجدد في قصيدته بزجّ كلام باللهجة العراقية في قلب الأغنية “بغداد/ يا ليل يا عين/ يا حبة قلب/ يا عروس الزين/ يا هوسة عرس/ يا كحلة شمس/يا آه ويا أوف/ يا نور العين”. وكما هو واضح ليس المقطع العامي بأقل فداحة من سابقه. تصوروا أي نكبة حلّت ببلد يغص بالشعراء الكبار، ويرى في الشعر فخراً له لا يضاهى، فصحى وعامية، ويأتيه من يتلو عليه هذا الهراء!
للحق، إن كان هناك من جناية لـ “الحريرية” (نسبة لآل الحريري. وبالمناسبة، الحريرية مصطلح اجترحه الجنرال ميشيل عون قبل أن يصبح رئيساً) فهي أنهم حوّلوا زاهبي وهبي من نصف شاعر مغمور إلى شاعر نجم، وإعلامي مكرس يملأ الشاشات.
“بغداد” أغنية تجتمع كل العناصر على فشلها (بما فيها تلك الابتسامة المصنوعة للكاميرا طوال الكليب)، ومع ذلك تحظى بنصف مليون مشاهدة، مرشحة للتزايد. لكن ما السرّ حقاً في ذلك؟ ماذا وراء صناعة فايا يونان؟
كاتب فلسطيني سوري