في ظاهر الصورة وداخلها يبدو أن رئيس مجلس الوزراء العراقي المستقيل عبد المهدي لم يكن يملك من القدرات الذاتية ما يكفي لمعالجة ملفات متراكمة أمامه ورثها عن الحكومات السابقة، فكان يبحث عن أية وسيلة يتكئ عليها لتبرير فشله في إقرار مشروع موازنة 2020 فجاءت تظاهرات الأول من تشرين الأول/اكتوبر بمثابة حبل انقاذ له لتبرير هذا التأخير والفشل.
واقع الحال يشير إلى أن حكومة عبد المهدي التي تسلمت زمام الأمور في تشرين الأول/اكتوبر 2018 قد أغرقت البلاد باضطرابات ومشاكل مالية معقدة وكثيرة، أولها عدم اقرار مشروع الموازنة. فقد كان يتوجب عليها أن تسرع في إقرارها لأجل ايقاف التدهور الحاصل في عموم مفاصل الحياة، وما زاد من هذه الأوضاع سوءا التظاهرات التي انطلقت في مطلع تشرين الأول/اكتوبر والتي أجبرت عبد المهدي في 30 تشرين الثاني/نوفمبر على تقديم استقالته إلى رئيس البرلمان محمد الحلبوسي.
عجز في الموازنة
هناك تقارير صحافية أشارت إلى أن جلسات إعداد مشروع الموازنة من قبل اللجان المختصة كانت قد بدات منذ شهر حزيران/يونيو 2019 ورغم انتهاء الشهر الأول من عام 2020 إلاّ ان مشروع الموازنة لم يصل إلى مجلس النواب لمناقشته ومن ثم المصادقة عليه، وكان من المفروض ان يصل مع مطلع شهر تشرين الأول/اكتوبر الماضي. وقد يتساءل البعض عن السبب الذي دفع حكومة عبد المهدي في ان لا تسرع في تقديم مشروع الموازنة؟ وفي معرض البحث عن الإجابة تبرز جملة اتهامات بحقها اوردها عدد كبير من البرلمانيين العراقيين، أولها وجود عجز كبير فيها يصل إلى 48 تريليون دينار عراقي، وهذا ما أكدته وفي أكثر من مناسبة النائبة ماجدة التميمي عضو اللجنة المالية في البرلمان العراقي. وحسب ما يرى خبراء في القانون أن هذا الرقم كبير جدا وغير مسموح به، لأن قانون الإدارة المالية للدولة العراقية قد حدد نسبة 3 في المئة من العجز الكلي بالموازنة، بالتالي فإن مبلغ 48 تريليون دينار يشكل 50 في المئة عجز في موازنة عام 2020. وتجدر الإشارة في هذا السياق أن الحكومة العراقية ليست لديها منافذ لتغطية هذا العجز، كما لا توجد لديها مصادر للتمويل سواء من الاقتراض المحلي أو الخارجي.
تعيينات عشوائية
وإذا كنا بصدد البحث عن أسباب هذا العجز الكبير الحاصل في الموازنة، فخبراء اقتصاديون ونواب يعزون ذلك إلى قضية التعيينات العشوائية التي أطلقها عبد المهدي والتي بلغت 200 ألف درجة وظيفية جديدة، ولم تكن هذه الخطة حسب ما اتفق معظمهم سوى وسيلة فاشلة لمداراة عجزه عن إيجاد سبل كفيلة للنهوض بالاقتصاد العراقي ومعالجة مشكلة البطالة، كما انها تندرج في إطار خطته لخداع المتظاهرين بقصد دفعهم للعودة إلى بيوتهم، وعلى ما يبدو فانها لم تنجح في اقناعهم بالعودة، بل على العكس منحتهم قوة إضافية لرفع سقف مطالبهم فدَعوا إلى إسقاط النظام السياسي الطائفي الذي تسبب بكل الكوارث التي حلت بالبلاد، هذا إضافة إلى أن خطة عبد المهدي تسببت في إضافة أكثر من 10 تريليون دينار سنويا إلى مجموع ما يُدفع من رواتب للموظفين والذي يبلغ مجموعها 50 تريليون دينار عراقي، وهذه التعيينات العشوائية لم تراع الايرادات المخمَّنة لعام 2020 بمعنى ان حكومة عبد المهدي لم تنظر بعيدا، ولم تضع في حساباتها أي مفاجآت قد تحدث في المستقبل قد تنعكس باثار خطيرة على النظام المالي العراقي كأن تنخفض أسعار النفط مع عدم وجود موازنة وغياب أي احتياطات بهذا الخصوص.
تداعيات التأخير
من الناحية القانونية يشير خبراء بأنه لا يمكن الاستمرار في تنفيذ تعليمات موازنة عام 2019 إلى العام الذي يليه، لأن قانون الموازنة نافذ لمدة سنة واحدة وتترتب على ذلك آثار قانونية كاملة سواء على مستوى الانفاق أو تنفيذ الموازنة، والإجراءات القانونية تشير إلى أن عام 2020 ينبغي أن يُفتتح بقانون موازنة جديد يستجيب ويعالج كل الإشكاليات التي حدثت في موازنة العام الماضي ويضع آليات كفيلة بتجاوزها، لكن ذلك لم يحصل.
وفي كل الأحوال فإن تأخير إقرار الموازنة يعني توقف المشاريع الحكومية وعدم إنجازها، وستظهر نتائجها السيئة على كافة مرافق الحياة، هذا إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن العراق قد خرج من حرب شرسة ضد تنظيم “داعش” أفرزت تحديات صعبة ينبغي مواجهتها في إطار البنى التحتية التي تضررت كثيرا وفي مقدمتها قطاعات الصحة والتعليم والمواصلات خاصة في المدن التي كانت قد شهدت مواجهات قتالية مثل الأنبار والموصل وصلاح الدين. وسبق ان كشفت النائبة ماجدة التميمي عن هدر 228 تريليون دينار عراقي بمشاريع وهمية لا وجود لها على أرض الواقع قدَّرتها بحدود 6 آلاف مشروع وهمي، وكان ذلك في موازنة عام 2014 وفي حينها طلبت التميمي من وزارة التخطيط كشوفات عن هذه المشاريع ولكن ردَّ الوزارة على طلب النائبة كان أن المشاريع موجودة وليست وهمية ولكنها متلكئة، ولم تبذل الحكومة أي جهد للبحث عن الجهات المستفيدة من هذا الهدر في المال العام، وهذا المشهد الذي ينضح فسادا ينسحب على موازنات بقية الأعوام.
معظم آراء المراقبين تتفق على أن حكومة عبد المهدي المستقيلة غير مؤهلة لإرساء مشروع الموازنة، وهذا ما أكده حسين العقابي عضو اللجنة القانونية في البرلمان العراقي في حديث تلفزيوني حيث قال إن “حكومة عبد المهدي المستقيلة لا تمتلك سندا قانونيا لأجل ذلك، لأن قانون تشريع الموازنة يعد من المسائل الاستراتيجية ويختلف عن غيره من القوانين، وبنفس الوقت فإن منحها الحق في إقرار وإرسال الموازنة يعني إقرارا صريحا بمشروعية هذه الحكومة، مع أنها أثبتت فشلها وأعلنت استقالتها بعد الضغط الكبير الذي مارسه المتظاهرون عليها في الشهرين الأخيرين من السنة الماضية” وأضاف العقابي “في ما يتعلق بمشروع الموازنة لا يحق لحكومة تصريف الأعمال ان تطرحه لأنه مشروع يرتبط باستراتيجية دولة، ولا يمكن لحكومة مؤقتة أن تؤسس لقوانين تطبقها الحكومة المقبلة” .
والسؤال الذي يطرح هو ما إذا لو فشلت الجهود لتشكيل حكومة جديدة، فهل تستطيع الحكومة المؤقتة ان ترسل مشاريع قوانين؟ بهذا الخصوص يرى النائب العقابي أن “إرسال القوانين المرتبطة بحاجات المواطنين الأساسية يعد أمرا ممكنا طالما أنها ليست مشاريع قوانين استراتيجية، ولكن يبقى القرار النهائي مرهونا بمجلس النواب، فإذا ما وجد بأن ما تم طرحه من مشاريع قوانين يتنافى مع طبيعة عمل الحكومة سواء كانت مؤقتة أو حكومة تصريف أعمال سوف يعرض عنها ولا يقرها، وعليه فإن مشاريع القوانين يمكن لأي حكومة أن ترسلها لمجلس النواب”.
البحث عن حلول
حكومة عبد المهدي منذ تشكيلها كانت تتخبط في سياساتها العامة، حالها حال الحكومات التي سبقتها، ولا تمتلك القدرة على أن تتخذ قرارات توقف بموجبها حيتان الفساد الذين أمسكوا بكل حلقات الاقتصاد العراقي، في المقابل يعاني العراق من نسبة بطالة مرتفعة جدا بين الخريجين وغير الخريجين خاصة وأن هناك مئات المعامل والمصانع الحكومية قد توقفت عن العمل منذ العام 2003. وموضوع البطالة يحتاج إلى حلول جذرية وليس ترقيعية ولا يمكن معالجتها بالوظائف العامة. يُذكر أن هناك أكثر من مليون عامل أجنبي يعملون في قطاعات حيوية من الاقتصاد العراقي أبرزها الصناعات النفطية، وبأمكان الحكومة العراقية إذا ما كانت تفكر جديا في معالجة البطالة، أن تلجأ إلى فرض قيود على الشركات الأجنبية ترغمها على تسريح نصف عدد العمالة الأجنبية وبدلا عنهم يتم توظيف عمال عراقيين، ويحق لها أن تستقطع مبالغ محددة من هذه الشركات وجميع شركات القطاع الخاص لأجل توفير تقاعد لكل العاملين فيها، وهذا سيوفر عامل جذب كبير للأيدي العاملة العراقية لان تتجه نحو القطاع الخاص طالما يوفر ضمانة الراتب التقاعدي الذي يشكل الحافز الأكبر لطلب الوظيفة في القطاع العام الحكومي.
لأجل تحريك عجلة الاقتصاد هناك الكثير مما يمكن ان تقدم عليه الحكومة مثل دعم الشركات والمعامل الوطنية التي بدورها ستوفر فرص عمل لعشرات العاطلين عن العمل، ولكن مشكلة هذه الحكومة أنها تتخبط وليست لها ستراتيجية واضحة لإدارة الماكنة الاقتصادية حالها حال الحكومات التي سبقتها، كما أنها عاجزة عن اتخاذ قرارات جريئة تطيح بحيتان الفساد الذين ابتلعوا كل فرص الاستثمار وباتت قدراتهم تتسع وتزداد يوما بعد آخر.
أين واردات المنافذ الحدودية؟
هناك الكثير من الأحاديث جاءت على لسان أعضاء في مجلس النواب العراقي، أشاروا فيها إلى أن واردات المنافذ الحدودية تصل إلى أكثر من 15 تريليون دينار عراقي سنويا، وهو مبلغ كبير. لكن المشكلة التي تبرز في هذا الموضوع الحساس أن ما يصل من مجموع هذه الواردات لا يتجاوز 1 تريليون دينار، وهذا يعني تسرب النسبة الأكبر من هذه الواردات إلى جيوب الميليشيات والقوى السياسية التي تسيطر عليها وتديرها، ولو كانت الحكومة تمسك بهذا الملف وتديره بالشكل الصحيح فإنها ستوفر ايرادات مالية تعالج بها مشكلة البطالة.
مع استمرار التظاهرات في بغداد ومدن الوسط والجنوب المطالبة بتغيير كافة الوجوه التقليدية التي تسيدت المشهد السياسي منذ العام 2003 ومع عجز القوى السياسية عن إيجاد مرشح يرضي المتظاهرين، فإن العراق يدخل في مسار ضبابي قد يؤدي إلى شلل تام في كافة مرافق الحياة خاصة بعد أن أعلن المتظاهرون العصيان المدني ما أدى إلى غلق معظم المؤسسات الحكومية وتوقف التعليم في كل المراحل الدراسية في المدن التي تشهد التظاهرات، وما قد يدفع إلى القلق أكثر صور العنف المفرط التي عبرت عنها الأجهزة الأمنية إزاء المتظاهرين حتى أنها لم تتردد في استعمال الرصاص الحي فتسبب ذلك بسقوط أكثر من 600 قتيل وأكثر من 20 ألف مصاب وجريح. وستنعكس حصيلة هذا المشهد الدموي على الاقتصاد العراقي بنتائج تزيد من ثقل الأعباء التي يرزح تحتها بفعل الفساد المستشري في كافة مفاصله. وفي حوار تلفزيوني مع عضو اللجنة المالية في البرلمان العراقي عدنان الزرفي يتطرق إلى جانب من حلقات هذا الفساد إذ يقول “كان المفروض ان يتم بناء 1000 مدرسة في العام الماضي 2019 ولكن السنة المالية انتهت ولم يتم بناء أي مدرسة ” ويضيف أن “حجم التمويل الذي تم عبر الموازنة التي قيمتها 116 تريليون دينار عراقي للعام الماضي لم ينعكس بأي أثر ملموس في أي مدينة عراقية، ولم تظهر له أي نتائج واضحة سواء في شبكة الماء أو الكهرباء أو التعليم أو الصحة أو المجاري، علما بأن مشاريع الكهرباء بقيت متلكئة طيلة الأعوام 2017 و 2018 و 2019 و 2020 وهي ممولة بقروض أجنبية تلزم العراق بأن يدفع عليها فوائد بشكل مستمر ولو بقيت هذه الحكومة لأغرقت الدولة لمدة عشرين عاما مقبلة”.