الاقتصاد تحد من نوع آخر للإسلاميين

حجم الخط
1

‘الاسلام هو الحل’ مقولة يعتقد بها الكثيرون، وقد يكونون مصيبين او مخطئين في هذا الاعتقاد، لكن الحتمي ان هذه المقولة لم تخضع للاختبار الحقيقي حتى اليوم، حالها في ذلك حال طروحات ما بات يعرف بالاسلام السياسي. لا شك ان الاسلام كمنظومة قيمية واخلاقية، وكأساس حضاري حقق الانجاز الابرز في تاريخ البشرية، حين نقل العرب من هامش الحضارة’الى قلبها وأسس حضارة اندمجت فيها الانجازات العلمية مع القيم الانسانية، وتجسد فيها الكثير من المبادئ والقيم التي ما تزال الى يوم الناس هذا، من الانجازات الاسمى والابرز للبشرية كالحرية والمساواة والعدالة، ولعل الحضارة الاسلامية هي الحضارة البشرية الوحيدة التي لا يمكن نسبتها الى عرق او جغرافيا معينة، اذ انها انطلقت من جغرافيا لا يمكن ان تكون حاضنا صالحا لاي نشاط بشري مؤثر، ومن خلال’عرق لم يكن يملك ادنى مقومات الحضارة، لكن هذه الحضارة رغم استمرارها لقرون الا انها عانت في اصلها من امراض اعاقت نموها في بعض جوانبها النظرية والفكرية، رغم استمرار نمو وتطور الجوانب الاخرى، ولعل ابرز هذه الجوانب هي السياسة والاقتصاد، اذ لم ينشأ فكر سياسي او اقتصادي ذو منطلقات اسلامية يمكن الاعتماد عليه اليوم كمرجعية للتأسيس لبرامج سياسية او اقتصادية للاحزاب والتيارات التي تطرح البديل الاسلامي، توازن من خلالها بين المصلحة والمبدأ في ظرف متغير.
لا شك في ان الحضارة الاسلامية قدمت الكثير للبشرية من خلال ما برع فيه المسلمون من علوم وفنون، خاصة العلوم الطبيعية التطبيقية، التي كانت جوهر الحضارة الاسلامية، او ما اصطلح على تسميته غربيا بـ Islamic Golden Age، واضافة الى العلوم قدمت كذلك الكثير من المفاهيم والمبادئ والممارسات التي لم تكن تعرفها البشرية من قبل، لعل ابرزها مبدأ المساواة بين الافراد الذي حول الدول الاسلامية الناشئة الى بوتقة انصهار للكثير من الاعراق، ولم يجعل للعرق اهمية كبرى في تحديد المنزلة الاجتماعية او الوضع الاقتصادي او السياسي للناس، وهو ما عجزت عنه حتى بعض كبريات الديمقراطيات المعاصرة اليوم، لكن هذه الحضارة رغم ما قدمته من علوم ومن مبادئ ومفاهيم، خاصة في مراحل بداياتها الاولى، لم تقدم الكثير للبشرية في مجالات مهمة كالسياسة او الاقتصاد، ولعل ذلك مرجعه الى تحول الدولة الاسلامية الى ديكتاتورية وراثية قمعية الى حد كبيرة فرضت الكثير من القيود على الممارسات الفكرية، خاصة في مجال الحكم والسياسة. وبما ان الاقتصاد هو توأم السياسة فقد لحق به ما لحق بها من تضييق ومنع.
بيد ان النظرية السياسية الاسلامية عادت الى الحياة من جديد مع بداية القرن العشرين، بعد تعطيل دام اكثر من ثلاثة عشر قرنا، وبدأت تتشكل جوانب’مختلفة لها بفضل مفكرين من امثال الافغاني ورشيد رضا واخرين من الذين واجهوا معضلات حقيقية بسبب تجاوز الفكر الانساني عموما الفكر الاسلامي باشواط في مفاهيمه السياسية، فلم يستطيعوا ايجاد اجوبة شافية في التراث الاسلامي على الكثير من الاسئلة المتجددة الملحة، والمتعلقة بما وصلت اليه البشرية من مفاهيم تتعلق بالشأن العام كالحريات والحقوق العامة ودور الدين في الحيز العام، وآليات ادارة الشأن العام، وغيرها من المفاهيم التي توصلت لها البشرية بعد حراكات وتجارب كثيرة. هذا الامر دفعهم الى اعادة زيارة التاريخ واعادة قراءة الموروث ومحاولة استنباط غير الموجود فيه، وما يزال هذه الحراك، وبعد اكثر من قرن يلتمس سبيله الى وجهة لم تتضح بعد، لكن السير في هذا الطريق كان كافيا للخروخ من الجمود المفروض على الفكر الاسلامي السياسي، الا ان الفكر الاسلامي في جانبه الاقتصادي ما يزال يراوح مكانه، اذ لم يهيئ الله له حتى الان ما هيأه للجانب السياسي من مفكرين ورواد، فالطرح الاقتصادي الاسلامي اليوم متخلف بقرون عن الفكر الاقتصادي الحديث، الذي مر بأطوار وتجارب عديدة أدت الى ظهور عدة مدارس فكرية قبل ان يصل الى ما هو عليه اليوم.
المعضلة التي كان وما يزال يواجهها الفكر الاقتصادي الحديث، والتي تباينت المدارس الفكرية في التعامل معها، هي اشكالية الامكانات المحدودة والرغبات اللامتناهية، نتيجة سعي البشرية بموارد محدودة الى تحقيق حاجات غير منتهية، وقد تفرعت عن هذه الاشكالية معضلة اخرى تتمثل في الاضطرار الى المفاضلة بين الكفاءة والعدالة عند الاجابة على التساؤل الآتي: اين يكمن حل مشلكة ندرة الموارد وكثرة الحاجات؟ هل يمكن زيادة المتوفر من خلال رفع الكفاءة الانتاجية، أم يكمن في عدالة توزيع المتوفر، من دون الحاجة الى زيادته؟ وقد ذهبت المدرسة الماركسية الاشتراكية في اجابتها على هذا التساؤل الى تقديم العدالة على الكفاءة، في حين ذهبت المدرسة الرأسمالية الى تفضيل الكفاءة على العدالة، والفكر الاسلامي من جانبه رغم ما يمتلكه من أسس لضبط وترشيد السلوك البشري، الذي يعتبر المكون الاساسي للنشاطات الاقتصادية التي يركز علم الاقتصاد الحديث على فهمها ومن ثم علاج امراضها، الا ان هذا الفكر لم يتمكن من تطوير نظرياته الخاصة النابعة من منطلقاته والاسس الاخلاقية التي يستند اليها.
رغم ما قيل عن النظام المصرفي الاسلامي والدعوات التي تواترت في الغرب الى تبنى المبادئ التي يقوم عليها هذا النظام، في اعقاب الازمة المالية الطاحنة التي ضربت الاقتصاد العالمي، والتي كشفت عن العيوب الخطيرة التي كان يعاني منها النظام المالي والمصرفي العالمي، الا انه لا يمكن القول ان النظام المصرفي الاسلامي لديه الحلول كما يعتقد الكثيرون، فالنظام المالي الاسلامي لا يملك مقاربة ورؤية واضحة ومستقلة بالنسبة للنظام المالي والنقدي، بل انه يقوم فقط على قاعدة تحريم الربا الذي بات من الصعب اسقاط معاييره على المعاملات المالية المعقدة اليوم، كما ان النظام الاسلامي كذك لا يملك بديلا للنظام النقدي الحالي المؤسس على النظرية الحديثة للنقود، التي تقوم على فكرة النقد الالزامي او ما يعرف اصطلاحا (Fiat money) الذي تتحكم الحكومة في قيمته والقدر المتداول منه في السوق، وهو من هذا الجانب لا يملك قيمة في ذاته كالنقد التقليدي الذي يكون في الغالب من الذهب والفضة.
هذه الاشكالات الفكرية المتمثلة في قصور الاسس النظرية للاقتصاد الاسلامي، الذي تراعى من خلال المصلحة ويوازن بينها وبين الخصوصية ستؤدي حتما الى معضلات عملية ستواجه اي حزب اسلامي يتولى الحكم في اي دولة، من ابرز هذه المعضلات هي اشكالية الاندماج في النظام الاقتصادي العالمي، الذي يقوم على’اسس لا تتوافق بالضرورة مع المبادئ الاسلامية، وذلك من دون التضحية بالمبادئ والخصوصية (الاسلامية)، ولعل في تجربة الاتحاد السوفييتي السابق وما كان يعرف بالكتلة الاشتراكية دليل على الفشل في الاندماج بالاقتصاد العالمي، بسبب خصوصية ‘نظامها الاقتصادي’ وتصادمه مع النظام الرأسمالي الذي يحكم الاقتصاد العالمي، والذي أدى في المحصلة الى انهيار هذه الكتلة بصورة دراماتيكية، صورة اخرى من المعضلات الاقتصادية العملية التي قد تواجة التيارات الاسلامية تتمــــثل في الموازنــــة بين التنمية والعدالة، هذه المعضـــــلة كانت وما تزال ابرز ما تواجهه الاقتصاديات الناشئة والمتقدمة على حد سواء، اذ ان ثمار التنمية الاقتصادية غالبا تتجلى في نمو اقتصادي غير متوازن بحيث تستفيد منه فئات على حساب فئات اخرى، وجهات على حساب جهات اخرى، فمثلا غالبا ما تكون استفادة اصحاب رؤوس الاموال من النمو الاقتصادي على حساب العمال، واستفادة ساكني المدن على حساب ساكني الارياف، وفي ظل عدم وجود نظام عادل لتوزيع الثروة فيكون النمو في هذا الحالة وبالا على الكثير من الفئات، فيزيد الاغنياء غنى والفقراء فقرا، وفي المجتمعات الاسلامية تتجلى هذه الظاهرة بصورة اكثر قتامة وذلك بسبب ما للعدالة من اولوية استثنائية في الفكر الاسلامي.

‘ اكاديمي إماراتي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية