قدّم عبد الوهاب الأمين عطاء قصصيا قصيرا امتد من ثلاثينيات القرن العشرين إلى ما بعد منتصف خمسينياته، واستنادا إلى كتاب “فهرست القصة العراقية” لعبد الاله أحمد، وجدنا للقاص مجموعتين قصصيتين، فأما المجموعة الأولى فنشرت عام 1934 بعنوان “قصص من الأدب الحديث”. وأما المجموعة الثانية فكانت بعنوان “ذباب” وقد نشرت عام 1952 وتعد قصة “صبية المطعم” قصته الأولى التي نشرت في جريدة “نداء الشعب” العراقية عام 1931.
وعلى الرغم من العطاء غير القليل الذي تركه لنا هذا القاص؛ إلا إنه لم ينل من اهتمام النقاد العراقيين والعرب ما يناسب موهبته السردية المتميزة.
ومتابعة لقراءاتنا لبعض القصص القصيرة التي لم تنل من النقد اهتماما وقت صدورها وتحتاج اليوم إلى إعادة تحليل بنيتها السردية انطلاقا من حقيقة أن النص الغني فنيا والغزير معنى وعطاء يظل خالدا قابلا للقراءة في أي مكان وأي أوان، مهما تباينت المناهج وتغايرت الاتجاهات واختلفت المنعرجات، ونقف اليوم عند قصة “الرجوع” التي نشرت في مجلة “الرسالة” المصرية العدد 134 في 1936. وما يميز هذه القصة استهلالها الذي فيه اختزل القاص أمرين، الأول أن رومانسيته استلهمها من مثاليات ميخائيل نعيمة، والثاني التعبير عن أهمية التكثيف وفنيته في توصيل الأفكار وايجازها سرديا.
والقصة تبدأ باسترجاع لزمن لم تكن فيه الشخصية قد غادرت بعد مرحلة الفتوة والطيش وتنتهي القصة عائدة بايحاء انكفائي إلى تلك المرحلة نفسها. وبهذا تصبح القصة ذات شكل استداري يبدأ من حيث ينتهي.
والقصة واقعية لكن سيطرة البعد النفسي على الشخصية جعل خطها القصصي ينزاح نحو التيار النفسي لتكون قصة رومانسية تتوزع فيها الأفعال والصفات توزيعا تراتبيا، يبنى على ثلاثة مستويات دلالية انخرطت الشخصية في أداء مهامها بلا تردد. والمستويات هي (الحب، التواصل، والمساعدة) فالأول شعور والثاني عمل والثالث خيبة وتضحية.
وتجعل هذه المستوياتُ العاطفة مهيمنة بطريقة هرمية فيها الافتتان بالحب هو القمة وإرادة التواصل والرغبة بالمساعدة هما بعدا قاعدته. وبما يجعل الشخصية الرومانسية حالمة لا تقطع الأمل بالخيال في الوصول للبغية.
فهل كان عبد الوهاب الأمين واعيا لهذا الابتكار الفني في التعامل مع الشخصية والزمن؟ وهل كان وراء اختياره لفظة الرجوع فهما نظريا يشي بمعرفة طروحات نقاد السردية الغربيين مثل فورستر وادوين موير وبرسي لوبوك وجيرار جينيت؟
من المستبعد طبعا أن يكون الأمر كذلك، بسبب سبق القصة لبعض تلك الطروحات بزمن ليس قصيرا، وهو ما يحصل في كثير من الحالات الفنية التي تسبق أوانها، ناهيك عن كونه يؤكد تأثر هذا الأديب بقصص تيشخوف وموباسان وبرانديللو وما كان يمتلكه من حس تخييلي مبدع تمتع به وهو يبتكر هذه التوظيفات، من قبل أن يدله النقد على مواضعها.
ويبدأ السارد الذي هو كلي العلم بالسرد بضمير الغائب ممارسا سطوته الدكتاتورية غير تارك لشخصيته أن تتحرر من قبضته، مصادرا وجهة نظرها، كاشفا عما تريد اخفاءه عنا، معريا لها من الداخل والخارج.
وكان رولان بارت قد ذهب إلى أن السارد في كل صوره يظل واهبا، وفي حالة السارد الواهب كلي العلم فانه يصنع نوعا من الضمير اللاشخصي ينقل لنا التاريخ من وجهة نظر عليا، مسترجعا لنا صورة الصبي الغر الذي فتنته (غادة) وطبيعة الاحتدام الداخلي الذي كان يعتمل في نفسه وقد تنازعه الاثنان العقل والعاطفة، بيد أن النسيان جعل التوازن قائما داخله فأحرق صورة الغادة، لكن ذلك التوازن سيختل بصدفة الصوت الذي رن في سمعه فترك صدى (غير اعتيادي جذاب ساحر).
ويتعمق أثر الصدمة مع الاستباق فحين لمح الرجل طيف عائلته، استشعر شيئا من الحزن جمع بين اللذة واللهو وقوة العزم والرزانة. ويذكرنا قول الرجل العاشق (وما له وقد فتنه تصوير، ألا يجوز ان يكون ليد المصور الفنانة فضل في هذه الفتنة وهذا السحر؟ انها ولا شك فعلة الرسام) باسطورة بجماليون وفي شكل تناص مستتر، لا يكاد يظهر إلا خفية لكنه بدا تناصا موفقا جدا. فكأن الرجل العاشق هو بجماليون، وحبيبته الغادة هي جالاثيا التي حين يقرب منها تعتمل في نفسه المثالية والعقلانية، لكنه حين يباعدها تنبعث فيه مشاعر اللوعة والافتتان.
وهكذا أضاعها في الوقت الذي كان ممكنا له أن ينالها والمفارقة انه يلقي تبعة الاضاعة والفقد على القدر الذي هو صنع يديه لا صنع غيره، تماما كبجماليون الذي كابد هرمية هذا التنازع العاطفي.
وأكثار السارد من الملفوظات النفسية الفعلية مثل (استشعر / أحس / تخيل / وطاوعته نفسه / استعادت نفسه/ أدرك/ أ يحب؟ / أ يترك؟) عزز الاحتدام النفسي وسار به نحو العاطفة ومشاعر اللذة (وأحس وهو يدير نظره عن وجهها، أن شيئا من قلبه وحسه قد تعلق بتلك الأهداب السحرية. وأدرك في قراراة نفسه أن سيطرة هذه المرأة عليه أمر محتوم وقضاء وقدر).
وما بين الانجرار للعاطفة والتنازل عنها اعتدادا وعزة يقع الرجل صريعا لعاطفتين، عاطفة مستساغة تستميله وأخرى قاسية تقرعه (كل شيء في رأسه يدور ويدور ..أيجب هذه المومس؟ أيتركها وهل هو قادر على ان يهمل اهتمامها الظاهر به؟ وما يدريه لعلها تصطنع كل ذلك لاستمالته انها خبيرة ولا شك بفعل هذه النظرات في القلوب).
ولا ينسى السارد أن يوظف الحوار الخارجي الذي يورده لمرة واحدة فقط وفيه تتكثف الفكرة فيغدو وكأنه بيت القصيد:
ولما وصلت إليه أسرت قائلة:
ـ كازينو انترناشيونال منتصف الليل.
ويضيف السارد من عنده ما يدعم المغزى (ومنحته فوق ذلك ابتسامة) وتعمل نقاط الحذف الثلاث التي تفصل بين المقاطع الثلاثة للقصة القصيرة على اضفاء مزيد من الاختزال للزمن (عاد بسيارته بعد ان أخبر زوجته ان سيقضي السهرة مع صديق له).
كل هذه الاستعمالات الشكلية تدعم المحتوى الرومانسي المتضاد بالحب والخيانة، فيغدو الانسياق وراء الخيانة محتما لكن القارئ سيجد خلاف ما يتوقع، إذ بالرغم من تصميم الرجل على لقاء الغادة يكون الزمن قد خذله (ألقى نظرة تائهة على الوجوه فلم يجد فيها غادته) وهذه الصدمة ستعيد القص إلى حالة التوازن من جديد، فيعود الرجل إلى بيته وقد اكتشف غدر الزمن
إلا أن تغييرا بسيطا يقوم به السارد يبقي بوابة الأمل باللقاء مفتوحة.
وهذا التغيير هو عبارة عن التفاف سردي يكور القصة القصيرة لتغدو في شكل استداري رجوعي غير منته، يكون فيها الرجل بين اليقظة والكرى وقد انتصف الليل سامعا دقات الساعة غير مدرك لها معنى، لنجد أنفسنا قبالة ما بدأت به القصة، كتوكيد لفحوى المضمون العاطفي وهو أن المرء هو الذي بيده الزمن يصنعه بارادته، وليس العكس.
وهذا ما يجعل قصة “الرجوع” ناجحة فنيا وسر نجاحها اخلاص كاتبها للبناء السردي شكلا ومضمونا. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار ان هذه القصة تندرج ضمن مرحلة تاريخية تأسيسية ـ كانت فيها هذه القصة العراقية وقصص قصيرة أخرى كثيرة ثلاثينية وعشرينية تنشر في مجلات مصرية ولبنانية ـ فانها عندئذ ستكون سفيرة إبداعية لحقيقة مهمة طالما غُيبت مفادها أن بغداد هي التي كانت تكتب وبيروت تبارك والقاهرة تنشر.
وهذه الحقيقة التي أدركناها في راهننا السردي مؤخرا، كانت متاحة أمام أنظارنا من قبل ثمانين عاما وأكثر. ولا ضير ما دام الزمن هو الكفيل بالتصحيح.
*ناقدة وأكاديمة عراقية