الانتخابات الجزائرية ـ الاستقرار أو فوضى الربيع العربي؟

حجم الخط
7

احتار العرب والاجانب في ايجاد المبرر المنطقي والمقبول لاعادة ترشيح الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة لدورة رابعة، بعد 15 سنة على كرسي الرئاسة، لان الحقيقة الصارخة ان بوتفليقة وحيويته ونشاطه عام 1999 (62 عاما) يختلف تماما عن بوتفليقة جسما وعقلا وقدرات عام 2014 (77 عاما). لكن النظرة الى الانتخابات الجزائرية لدى الجزائريين تختلف عنها بالنسبة لمن هم خارج الجزائر. فالجزائريون، كما عرفتهم عن قرب، حساسون جدا من مسألة الأستذة، ولا يحبون ان يقول لهم احد هذا خطأ وهذا صواب، واكثر ما يغيظهم ان تشعرهم بانك تعرف اكثر منهم وان تشكك في حسن خياراتهم وقراراتهم.
وعندما فكرت في كتابة مقال عن انتخابات الجزائر، اكبر دول القارة الافريقية واكــبر منتج للغاز الطبيعي وثاني اكبر دولة مصدرة للنفط في القارة، قررت ان اعرض عينة من آراء الجزائريين داخل البلاد وخارجها على القراء كما هـــي ليتأكدوا بأنفسهم ان الذي كان يبحث عنه الجزائريون في الانتخابات الاخيرة يختلف عما يبحث عنه الكتاب والصحافيون والمراقبون من خارج الجزائر.
الناس في الجزائر يعرفون ان قطار الدولة سائر في الاتجاه الصحيح ولا يهم من يجلس خلف كرسي القيادة لان هناك مجموعة يطلق عليها بالفرنسية ‘لو بوفوار’ بمعنى مركز القوة التي تقف خلف القائد للتأكد من ان القطار لا يتوقف ابدا، لانه ان توقف ستدب الفوضى في عرباته جميعا وقد يخرج عن السكة ويؤدي خروجه الى كارثة. وسأعرض الاراء كما تلقيتها اثناء مقابلات اجريتها خلال اسبوع، واترك القارئ ليستخلص النتيجة التي يريد، وأي تغيير ادخلته على اللغة او الاسلوب لا يمس جوهر الرسالة.
رضى بوشفرة- صحافي جزائري ـ بروكلين – نيويورك

بصراحة، هناك لدى الشعب الجزائري ‘فوبيا’ عميقة من فوضى الربيع العربي التي نشهدها الان في سوريا ومصر واليمن، خاصة جارتنا ليبيا. ذكريات العشرية السوداء ما زالت حية في اذهان الشعب الجزائري ولا يريدون ان يعودوا لايام المجازر. الناس يشعرون بشيء من الامتنان للرئيس بوتفليقة بعد ان اطلق حملته عام 1999 للمصالحة والوئام الوطني، التي اعادت الاستقرار الى البلاد. للأسف ان المرشح الثاني والاهم علي بن فليس اطلق حملة سلبية ضد الرئيس بوتفليقة تتعلق بصحته، من دون ان يطرح برنامجا متكاملا، لذلك لم تلق حملته صدى واسعا لدى الجماهير. صحيح هناك مأخذ حقيقي حول صحة الرئيس بوتفليقة لكن الحقيقة ان هناك مؤسسة عسكرية- امنية تملك القرار، خاصة في مسائل تتعلق بمصير الوطن ولا يهم كثيرا من هو في مقعد القيادة ما دامت تلك المؤسسة متماسكة.
انور هدام ـ حزب الحرية والعدالة الاجتماعية
معارض جزائري- واشنطن

لقد افتقدت الانتخابات الرئاسية الاخيرة الى معظم شروط ‘النزاهة والحرية’، واهم تلك الشروط ثلاثة: اولا ان كثيرا من الكوادر السياسية والوطنية منعوا من حق الترشح والانتخاب، وأي انتخابات يتم فيها استثناء مجموعات وطنية معارضة، لا يمكن وصفها بالحرة والنزيهة، ثانيا ان مؤسسة الدولة منحازة لمرشح الدورة الرابعة، فقد قدمت اربعة ملايين اسم لتزكية بوتفليقة خلال اسبوع واحد، مما يعني ان ادارة الدولة منحازة تماما للمرشح، ثالثا وسائل الاعلام الحكومية انحازت لمرشح التمديد لدورة رابعة ولم تقف على مسافة واحدة من بقية المرشحين. لقد كان المرشحان الاساسيان بوتفليقة وعلي بن فليس يمثلان الاستمرارية او التغيير الجزئي. وقد ايدنا نحن عملية التغيير الجزئي التي يمثلها بن فليس من اجل التحول التدريجي نحو الديمقراطية، لكن المؤسسة الحاكمة اختارت الاستمرارية، رغم ان الانتخابات شهدت اقبالا ضعيفا لا يتجاوز 30’ مما يعني عزوف غالبية الشعب عن الانتخابات وعدم قناعتهم بها. من جهة اخرى نؤكد ان التجديد لدورة رابعة لبوتفليقة لقي تأييدا من كل من فرنسا والولايات المتحدة لضمان مصالح البلدين المتشعبة والمعقدة. هناك الان العديد من المبادرات المطروحة، بعضها مدسوس بهدف حرف بوصلة المعارضة الوطنية، ولكننا نسعى الان لبلورة مبادرة موحدة لاخراج البلاد من أزمتها الحالية، والمبادرة تقوم على اجراء حوار وطني شامل يضم كل الفئات، بمن فيهم اعضاء الحكومة، من اجل تحديد العلاقة بين المدني والعسكري اثناء عملية الانتقال نحو الديمقراطية المستقرة.
محمد الشريف الفلالي- استاذ جامعي جزائري ـ نيويورك

لقد كانت الانتخابات الاخيرة إهانة للشعب الجزائري المناضل. انا احترم واقدر الاشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة ولا مانع من ان يعطوا فرصة الترشح، لكن اللياقتين البدنية والعقلية مهمتان في بلد تزيد نسبة الشباب فيه عن 70′. أليس من حقهم ان يروا انفسهم ممثلين في العهد الجديد. ان اعادة انتخاب بوتفليقة للمرة الرابعة يعني ان هناك قوى خلف بوتفليقة اتخذت هذا القرار. لا اعتقد انه هو صاحب القرار في الترشح او عدمه. هناك من يقول ان هناك اخوين لعبد العزيز بوتفليقة يملكان الكثير من مصادر القوة داخل الجيش والقوى الامنية. لا اعرف كيف قررت المؤسسة الامنية والعسكرية التمديد لدورة رابعة للرئيس بوتفليقة، وهي تعرف قدراته الجسمية والعقلية. قد تكون هناك قوى خارجية ايضا تؤيد مثل هذا الترشيح مثل فرنسا وروسيا، بعد الدرس السوري، لكن بالتأكيد كان بامكان المؤسسة الامنية العسكرية ان تضمن الاستمرار وفي نفس الوقت تقدم مرشحا من عندها يتمتع بشيء من الحيوية لاقناع الشارع الجزائري بان هناك تغييرا للاحسن، بدون التضحية بمسألة استقرار الوطن القاسم المشترك لكل فئات الشعب الجزائري.
مليكة خلاف صحافية جزائرية- الجزائر

من خلال قراءة سريعة ‘للانتخابات الرئاسية في الجزائر يمكن ان نخلص الى فكرة ان احداث التغيير في الجزائر يبقى مستبعدا في هذه المرحلة، باعتبار ان الشعب الجزائري لم يتعاف بعد من آلام العشرية العصيبة التي مرت بها البلاد. فرغم تسجيل خطوات كبيرة في مجال تحسن الوضع الامني، الا ان حالات اللاأمن تبقى تسيطر على بعض مناطق البلاد والدليل على ذلك اعتداء جماعة مسلحة على عدد من العسكريين بولاية تيزي وزو شرق الجزائر يوم 20 نيسان/ابريل الحالي.’وبالعودة الى الانتخابات الرئاسية يمكن القول ان نتائجها تعكس عدم رغبة الجزائريين’في المغامرة بالتصويت على غير بوتفليقة الذي نجحت حملته الانتخابية في كسب ود الناخبين وتحذيرهم من مغبة الوقوع في اخطاء بعض الدول التي مستها موجة الربيع العربي. ولذلك يمكن القول ان ورقة الاستقرار صنعت الفارق بين بوتفليقة والمرشحين الاخرين، انطلاقا من نجاحه في استعادة الامن منذ توليه الحكم سنة 1999. ولعل هذه النقطة بالذات هي التي ساهمت في اضعاف المرشح المستقل علي بن فليس الذي لوح في احد خطاباته ‘خلال الحملة الانتخابية الى السماح للمبعدين سياسيا- في اشارة الى اعضاء من الجبهة الاسلامية للانقاذ- للعودة الى ممارسة السياسة’في اطار ايجاد حل شامل للازمة، رغم ان ذلك لا يحظى باجماع جميع الجزائريين الذين يرفضون العودة الى الوراء. وليس عامل الاستقرار وحده الذي صنع الفارق، بل حتى الوعود الاجتماعية لعبت دورها بشكل كبير خلال الحملة الانتخابية التي سبقها الاعلان عن مواصلة صيغ محفزة للاستفادة من السكن، التي كانت ثمارها واضحة خلال السنوات الماضية.’يمكن القول ان الرئيس بوتفليقة نجح في استباق الاحداث من خلال صد أي تأثير لموجة الربيع العربي، بالاعلان عن سلسلة من الاصلاحات في 15 ابريل 2011 بعد وقوع احتجاجات ببعض مناطق البلاد على اثر رفع اسعار بعض المواد الغذائية، التي تزامنت مع ثورة الياسمين بتونس، وهي الاصلاحات التي دافع عنها مدير حملته الانتخابية ووزيره الاول السابق عبد المالك سلال خلال زياراته الميدانية عبر القطر الجزائري. ومن هنا يمكن القول ان اللعب على العامل النفسي من خلال تحضير الجزائريين لتقبل ترشح بوتفليقة لعهدة جديدة كان واضحا منذ مدة طويلة، في الوقت الذي ابدت فيه بعض الشخصيات السياسية التي كان لها باع في المجال السياسي رغبتها في دخول السباق ‘قبل ان تنسحب في اخر المطاف بعد ترشح بوتفليقة تحت مبرر ان النتائج محسومة مسبقا. اما على المستوى الشعبي فان اختيار بوتفليقة نابع من قناعة ان الشخص المعروف افضل من الشخص المجهول، وهذا بحد ذاته يعكس فشل المرشحين الاخرين في كسب ود الناخبين، بسبب اصرار بعض الاحزاب ممارسة السياسة كلما قرب موعد’الاستحقاقات، في حين نجد ايضا ان نقص التمرس السياسي عند بعض المرشحين حال دون نجاحهم في المعركة. ولعل ذلك ما جعل لويزة حنون، الامينة العامة لحزب العمال والمرشحة لمنصب الرئيس للمرة الثالثة، تصرح عقب النتائج بان الشعب عاقب بقية المرشحين بانتخابه الرئيس بوتفليقة، فهل هذا اقرار بالفشل ام اعتراف بان الشعب يصعب كسب ثقته في ظل المتغيرات المتعددة التي فرضت نفسها’بالقوة؟
عبد العزيز الرحابي وزير الاتصال السابق
من داعمي ترشيح علي بن فليس- الجزائر

انطلقت الحملة الانتخابية في اجواء من الترهيب والتخويف للشارع الجزائري. تخويف من ربيع عربي يتسم بالفوضى كما شاهدناه في اكثر من بلد عربي، وترهيب من التغيير وكأن كل تغيير يحمل مشروع الخراب والعنف. موجة الترهيب هذه اثارت مخاوف الجزائريين وذكرتهم بايام الارهاب خلال العشرية السوداء. عامل اخر لعب دورا مهما في هذه الانتخابات وهو المال. لقد ترعرعت طبقة من التجار واصحاب رؤوس المال في السنوات الاخيرة، واصبح لهم نفوذ مهم، لان استقرار الاوضاع كما هي تصب في صالحهم وتحمي مصالحهم. ولا عجب ان رأينا ان هؤلاء يدعمون ترشيح بوتفليقة لعهدة رابعة مستخدمين الذراع المالي القوي. وللعلم فهذا شيء جديد على الشعب الجزائري، ولم يكن المال عاملا فاعلا في الحياة الجزائرية. لقد ترك اللقاء الاسبوعي بين قادة الجيش والامن مع الرئيس اجواء ترقب وتخوف، وكأن البلاد في حالة حرب. وقد عززت زيارة جون كيري الاخيرة قبيل الانتخابات هذا الانطباع، لان ما يهم امريكا هو الحرب على الارهاب. لا نعرف حقيقة اسباب زيارة كيري مباشرة قبل الانتخابات، لكن بالتأكيد عززت هاجس الخوف لدى الجزائريين اكثر واكثر.
جلول جودي- رئيس الحملة الانتخابية لمرشحة حزب العمال الجزائري لويزة حنون- الجزائر

لقد دخل حزبنا الانتخابات بمرشحته المناضلة لويزة حنون للمرة الثالثة على اساس ثلاثة مبادئ: اولا نعم للاستقرار ولا للفوضى. وثانيا التمسك بالسيادة الوطنية ورفض التدخلات الاجنبية. وثالثا الانتقال الى بناء الجمهورية الثانية القائمة على اصلاح المؤسسات والتوافق على دستور عميق وصولا الى الديمقراطية المستقرة. ان مراجعة للانتخابات الحالية تشير بلا لبس الى ان الشعب الجزائري اختار الاستقرار وباعد نفسه عن الفوضى التي تشهدها بعض بلدان الربيع العربي مثل ليبيا وسوريا، مسكونا بذكريات العشرية السوداء التي جمدت كل انواع النمو ان لم يكن كلها. لقد كان التصويت لبوتفليقة بمثابة استفتاء للاستقرار ولتجنب مخاطر التغيير الذي قد ينقلب الى فوضى. كذلك لم نلاحظ اي تدخلات اجنبية في سيادة البلاد، ولسنا قلقين على سيادة البلاد تحت قيادة بوتفليقة. اما الهدف الثالث وهو بناء الجمهورية الثانية فقد تم تأجيله مؤقتا بسبب الحالة الانتقالية التي تعيشها البلاد. بعد ظهور نتائج الانتخابات وفوز الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بنسبة زادت عن 81′ اعلن حزبنا تأييده لهذه النتائج، لكننا لن نتخلى عن نضالنا مع الجماهير للوصول الى بناء دولة المؤسسات والدستور الدائم والاستقرار القائم على الديمقراطية الواعية.

ثلاث ملاحظات ختامية

اولا – لقد فشلت المعارضة في حشد الشارع ضد ترشيح بوتفليقة التي رفعت شعار ‘بركات’ (وتستخدم محليا بمعنى اننا اخذنا نصيبنا وكفى) ولم يتعرض المتظاهرون لاي اعتقال دلالة على ضعف الحشد وثقة الاجهزة الامنية في سيطرتها على الامور.
ثانيا – لا بد من تعيين نائب للرئيس حتى لا يحصل فراغ دستوري في حالة ما اذا تدهورت صحة الرئيس، ولم يعد قادرا على ادارة شؤون الدولة.
ثالثا- لا احد يريد ان يرى الفوضى تعم الجزائر، ولكن لا احد يريد ان تتحول الجزائر الى نمط معدل او غير معدل عن مصر مبارك او سوريا وعائلة الاسد او ليبيا وملك ملوكها او كوريا الشمالية وعائلة كيم. الجزائر، كما قلنا سابقا، تملك مقومات الدولة العظمى اذا ما تمكن شعبها العظيم من ادارة شؤون بلاده بما ينسجم مع مقومات العصر، من استغلال رشيد للموارد الهائلة وتعميم الخيرات على كل ابناء البلاد والانتقال الى الاستقرار والتعددية الحقيقية وتداول السلطة وفصل العسكري عن المدني.

‘ استاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية