ديوان تمارين لاصطياد فريسة للشاعر المصري علي عطا من الأعمال الشعرية التي تحتفي بالخلق الفني / الشعري، حيث ان العنوان يمنحنا هذه الدلالات من خلال تلك التمارين الشعرية التي يقوم بها الشاعر نفسه، لاصطياد حالات الكتابة المتجسدة في الفريسة المتوهمة، إن الفريسة هنا أيضا يمكن أن تكون ربَّة الشعر التي تحدث عنها النقاد القدامى أو شياطين الشعر التي تحدث عنها الشعراء في العصر الجاهلي.
ومن ثم فباب التأويلات مفتوح على مصراعيه أمام القارىء من ناحية، وأمام العالم من ناحية أخرى.
وقد جاء هذا الديوان الشعري الثالث للشاعر علي عطا (تمارين لاصطياد فريسة) ليستكمل المشروع الشعري الذي دشنه الشاعر نفسه قبل ثلاثة عقود، وتحديدا منذ الثمانينيات من خلال ثلاثة دواوين (على سبيل التمويه،2001، وظهرها للحائط 2007، تمارين لاصطياد فريسة 2013، هي جل حياته الشعرية التي تميزت بالاحتفاء النصي مبتعدة عن سخط الجماهيرية وألعابها وضغوطها.
إنَّ علي عطا في هذا الديوان يواصل ما بدأه قبل ثلاثين عاما من الشعر فهو ابن من أبناء جيل الثمانينيات الشعري الذي اتخذ كل شاعر فيه الاحتماء خلف نصه الشعري، أما عطا فقد وقف في رحم النص الشعري، متلبسا حالاته وأشكاله النصية كلها، متعايشا في روح النص الشعري الذي يكتبه، فهو يقدم ملامحا مهما في تاريخ الشعرية، لأنه لايتعمد الإسهاب في الكتابة بل يكتب ما أخلص فيه وأخلص له، لأن الإخلاص للشعر لا يمتلكه كل شاعر، وكأنه نص شعري يمشي بيننا نحن البشر، وقد تبدى ذلك في نصوصه الشعرية التي سبقت هذا الديوان تمارين لاصطياد فريسة، تتجلى أيضا الرغبة في الانتقال بالعالم من زاوية إلى أخرى في شعره، حيث يقترب من ارتعاش البدن، إلى ارتعاش القصيدة المكتوبة، فالمتلقب يشعر بهذه الارتعاشة داخل النص وكأن الشاعر يبكي دائما ، وأن حروق النص مجموعة من قطرات الدموع المتراكمة.
وقفت ُ كثيرا أمام تجربة علي عطا قبل عشر سنوات، وكنت حائرا أمامها، من أين أقرأ النص؟ وكيف أبدأ ؟ وكيف أنتهي؟ إنها حيرة فعلا، لأن النص يقدم لك مفاتيح كثيرة أثناء القراءة. هذه مفاتيح الحداثة وما بعدالحداثة الشعرية منغلقة على نفسها على الرغم من انصهار الكلمات المستعارة في ظل الآفاق الشعرية المفتوحة المتعددة.
يأتي الإهداء في هذا الديوان حاملا مشهدين مهمين في حياة الشاعر، وهما صور ة وملامح إبراهيم أصلان، وبما يحمله من حواديت وخبرات وأعمال ومشاريع وإنسانية، وصورة القصيدة أيضا تلك الأنثى التي كتبها علي كثيرا في نصوصه، فيقول :
‘ إلى إبراهيم أصلان، وإليك ِ …..
…………..
قد تكتب لي على يديك الحياة
وأنا على أعتاب الخمسين
أنا الميت منذ مولدي’
يبدو الشاعر في هذا الإهداء قابضا على ذاكرة الزمن من خلال الراحل العم إبراهيم أصلان بزمنه الجميل، وإليها،…… تلك الأنثى / القصيدة التي يرجو الشاعرمنها أن تكون الحياة على يديها، والحياة هنا هي خلود النص الشعري الملتحم بالواقع الذي تتشكل من خلاله حياة الشاعر نفسه، فهو يقر بأنه كان ميتا منذ مولده، وقد تبدأ الحياة في صورتها الأخرى بعد الخمسين، وأعتقدُ أن علي عطا بكل ما يحمله من رؤى حول الشعر والقصيدة العربية يعد فضاءه الوحيد هو نصه الذي يكتبه ويتحرك فيه، فولادة النص تمنحه قدرة على البقاء مجابها أسطرة الواقع المختلط ..
ينقسم الديوان قسمين أولهما: أرنو بعينين دامعتين، أشدو بصوت حزين، والثاني : تدفقي، فليس هذا أوان حبس الماء. في القسم الأول يتجلى صوت الذات الشاعرة التي تبحث عن ملامحها الأصلية في هذا العالم الواسع المتناقض الذي تتدفق خلاياه البطيئة كي تمسح دموع هذه الذات وتشاركها الشدو والحزن، فيقول في قصيدة بعنوان تشكيلة ‘بيبي دول: ‘
‘ أصدق بالطبع ما تقولين
عن ضرورة تأجيل
بلوغ ‘الأورجازم’
إلى أن يفرغ المفكرون
القدامي والجدد
من البحث في سبل
تجديد الخطاب الإسلامي
مثلا.
فيما الإسكندر الأكبر
يتأمل مفاتن إيزيس وأثينا
في ساحة
تختنق برائحة حريق قديم’
يبدو لي من خلال المشهد الشعري السابق أن الشاعر قام بتضفير مجموعة من العلائق النصية المشهدية من هذه العلائق مشهد أول (1 ) بين الأنثى التي تطالب بتأجيل الأورجازم (نزول سائل الرجل من القضيب أو المرأة من المهبل) في لحظة اللقاء الأول الساخن بالحبيب كي تستمر المتعة، المشهد ( 2) في صورة الفكر المتخلف الذي تأخر وتراجع في وقتنا الراهن إلى الوراء، ولن يتقدم خطوة إلى الأمام، في حين الحضارة الغربية ، في المشهد الثالث (3) وفتوحات الإسكندر الأكبر تتأمل في نتاجات الحضارة المصرية القديمة، الفرعونية، مستدعيا إسطورة إيزيس، والإسكندر الأكبر، وجمال الحضارة الإغريقية القديمة. وهنا ينتصر الشاعر علي عطا للحياة المصرية، متمردا على خطابات الواقع المتناقض، وكأن صوت الذات يعلن عصيانه أيضا داخل النص ،مرددا لاحياة لمصر إلا بعودتها إلى العلم الذي اخترعه الفراعنة القدامى، لا أمل في التجديد والحرية والتقدم إلا باستعادة أمجاد المصريين الفراعنة من هندسة وطب وعمارة وفلك وشعر وحكم وتحنيط …. إلخ.
صحيح أن علي عطا تميز بتوليد هذه العلائق النصية التي جعلت النص منغلقا وغامضا، ويسهم ذلك في تشتت الدلالة وقوتها في نفس الوقت، ومن ثم فإنه أوجد علاقات قوية بين الأورجازم، والدعاة، والحضارة، هذه المفردات الثلاث ترمز إلى وقائع وأشكال ونماذج في مجتمعنا العربي بعامة والمصري بخاصة، حيث تنهار الذات الشاعرة بين هؤلاء جميعا، تبحث عن نفسها الأصيلة التي حطمت أركان الوهم الديني الزائف، هنا يقف علي عطا ليمنح نصه مسحة الخلود من خلال التحامه بالواقعي والراهن المتشابك والمشتبك أيضا بأدمغة الكائنات الوهمية. فالأورجازم لتخليق الحياة من رحم الزمن، والدعاة رمز للتردي الديني الوهمي الذي لايستند على العلم والمنطق، أما الإسكندر فيرمز لخلود أعمال الحضارة اليونانية وقد استفادت من الحضارة المصرية القديمة في المجالات كافة. يحمل نص علي عطا كل هذه المعارف والتواريخ والحضارات، لأنه نص يخفي أكثر مما يظهر وهذا الإخفاء صنع جمالا وألفة بين المتلقي وبين النص. وينشغل الشاعر علي عطا بشعرية السؤال أعني البحث عن الأسئلة في كل الكائنات فالسؤال أهم بكثير من الإجابة فيقول عطا:
‘ ليست عندي إجابات
فأنا مثلك مملوء بالأسئلة
لكنني أسعى نحو مزيد منها
جون أن أفكر لحظة
في طرحها عليك’
تبدى من أداة النفي الأولى (ليست) النفي القاطع لعدم وجود إجابات جاهزة تقولها الذات الشاعرة للأخر المنتظر، بل الذات نفسها تدفع الآخر إلى البحث عن هذه الإجابات والتفكير في طرح الأسئلة في كل مكان، حتى يصل العالم إلى ما يصبو إليه، وعلي الرغم من ذلك فالذات تسعى للبحث عن الأسئلة فهي ليست معنية بطرح إجابات بعينها بقدر ما هي مهمومة بالأسئلة. وفي ظني أن الشاعر علي عطا مشغول طول الوقت بأفعال القنص والصيد والاصطياد، والاختيار، والفريسة التي لن تجيء ببساطة الخيال الجموح فيقول في الجزء الثاني من الديوان في نص بعوان صيد ثمين 49 ص:
‘ موعدنا كتاب
قد لايرى النور
أما هدفي
فليس أقل من صيد ثمين’
تفقد الذات سيطرتها على الأحداث، بسبب فقدان الأمل، فقد تجلى ذلك من خلال غياب الزمن المحدد الذي لايرى النور، ولن يجيء قريبا، في حين أن هدف الذات الصيد الثمين، وهنا تكمن المفارقة المشهدية بين الأول والثاني، الصيد الثمين الذي تتحدث عنه الذات ورغبتها في الخلود الشعري، وفقدان الأمل في الكتاب الذي لن يرى نور الانتشار والذيوع ومن ثم الحياة التي يحيا من خلالها الشاعر / النص، تتلمس الذات الشاعرة في ديوان تمارين لاصطياد فريسة الكواليس الخلفية للأعمال الكبيرة التي تسهم في تشكيل المحبة والبقاء، دون اللجوء للتكلف اللغوي المعموس بالاستعارات، بل تجنح لقنص المجازات العابرة، والمشاهد الخفية في حياتنا …
ناقد وأكاديمي مصري