مرت أيام معدودة بين انتهاء زيارة كاثرين آشتون الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للقاهرة، وتصريح جون كيري وزير خارجية الولايات المتحدة في باكستان، الذي قال فيه ان ‘الجيش المصري انحاز الى جانب الشعب لكي يعيد التأسيس للديمقراطية من جديد’. ولكنها كانت كافية للكشف عن مدى التغير الذي لحق بموقف واشنطن حيال التغيير الثوري الذي جرى في مصر، وأدى إلى عزل الرئيس السابق وقاد لمرحلة انتقالية وفق خريطة سياسية بدأت بتشكيل حكومة مدنية انتقالية تعمل على اعادة الاستقرار للبلاد، تتزامن مع القيام بتغيرات دستورية تعبر عن جميع مكونات الشعب المصري وتياراته السياسية، تعقبها انتخابات نيابية ثم انتخابات لاختيار رئيس جمهورية جديد. في حينه، رفضت آشتون ـ ضمن مؤتمرها الصحافي – أن تفصح عن مضمون الحديث الذي دار بينها وبين الرئيس المعزول لمدة ساعتين، واكتفت بالقول انها كانت حريصة على الاطمئنان على أحواله المعيشية، والتأكد من أنه يتلقى الرعاية التي تليق برئيس سابق. وبعد أن عادت إلى مقرها الأوروبي وعقدت جلسة مناقشات حضرها بعض اقطاب صنع القرار في أوروبا وواشطن، تبارت التقارير في تلخيص النقاط الأساسية التي تبادلتها مع الرئيس المعزول، بما يُحقق نوعا من التوازن بين سقف المطالب التي يصر عليها انصاره، والحقائق التي اصبحت تفرض نفسها على أرض الواقع المصري منذ الثالث من تموز/يوليو الماضي. لا يستطيع أحد أن ينكر أو يتجاهل التغير الذي شهدته مصر على إمتداد الثلاثين يوماً الأخيرة (3 يوليو 3 اب/أغسطس ) وما حققه من وجود على المستوى الخارجي الغربي على وجه التحديد.. وفي نفس الوقت لا يملك مُنصف أن يدعي اختفاء أو محدودية تأثير أنصار الرئيس المعزول ومؤيدي جماعته ومريديها الذين استطاعوا الاعتصام، ولو بالمخالفة للقانون، لنفس الفترة وما أوقعه ذلك من اضطرابات في ميدان رابعة العدوية وميدان نهضة مصر، وشلل جزئي في أماكن أخرى بالعاصمة وقليل من المحافظات الأخرى. على الجانب الرسمي، وضح أن الأزمة وانسدادها المجتمعي والسياسي لن تحل بالأسلوب الأمني لأنه مكلف وطويل الأمد وعواقبه ليست مضمونة، مما يفرض على الجميع حتمية التوصل إلى حل سياسي.. وعلى الجانب المعارض، وضح أن تأثيراته الداخلية والخارجية آخذة في التآكل، وأن الحصار الذي فرض عليه عن بعد يُقلص من إمكاناته المادية والبشرية، خاصة بعد أن انضمت قوى مدنية غير مسيسة في أكثر من ميدان إلى التيارات المعارضة له الرافضة لأسلوبه في التكفير والإقصاء.. من هنا مارست القوى الداخلية والخارجية ضغوطها علي الجانبين، من خلال قنواتها الاتصالية المفتوحة معهما، وتبادلت الرأي معهما حول مبادرة محددة الأركان ترتكز على إبداء حسن النية من جانب احدهما تجاه الآخر.. يليها التوصل عن طريق الوسطاء إلى طريقة معقولة ومناسبة لخروج الرئيس المعزول من مقر اقامته ومن المشهد السياسي تضمن له كرامته وتحافظ له على شرف المنصب الذي تولاه لمدة عام.. والاتفاق في نفس الوقت على صيغة لبقاء جماعة الإخوان المسلمين وحزبها الحرية والعدالة في ميدان التنافس والعمل السياسي السلمي كمشارك اساسي له وزنه ومؤيدوه.. الواقع الذي يعيشه الشارع المصري يؤكد على.. 1 ـ أن الحكومة بجناحيها الأمني والسياسي حرصت على ‘إبداء مؤشرات ضبط النفس التي وعدت بها’، وذلك بمواصلة تبني الحلول السلمية رغم الإعلان عن خطة مُتدرجة لفض اعتصامي رابعة والنهضة، وعملت في نفس الوقت على إظهار تجاوبها حين سمحت بمسيرات وتظاهرات خارجهما، وصلت إحداهما إلى مدينة الانتاج الإعلامي، ولما تجاوز المشاركون فيها الخط الاحمر بتعمد إحداث تلفيات كبيرة في الممتلكات العامة والخاصة، تصدت لها القوى الأمنية. 2 ـ ان جماعة الإخوان تواصل تصعيدها على أكثر من مستوى، فقامت بفتح جبهات أكثر على مستوى التظاهرات والمسيرات داخل عاصمة مصر الكبرى وبعض مدن المحافظات الشهيرة، ولا زالت كوادرها تصر على عدم فض اعتصاماتها ألا بعد أن.. أ – تقوم الجهات المختصة باسقاط التهم الموجهة إليها ب – وأنها ستبقي على المواد المتعلقة بالشريعة في الدستور الذي جمدته ثورة 30 يونيو ج ـ وأن يكون لحزب الحرية والعدالة كل الحق في خوض الانتخابات النيابية والرئاسية هذا الواقع الذي تتناقله التقارير على مدار الساعة، يشير إلى أن كلا الطرفين.. يعمل ما في وسعه على توسيع رقعة نفوذه قبل بدء تنفيذ ما سيتم الاتفاق عليه خلال الساعات القليلة القادمة. وأن كليهما على قناعة تامة بأن ما طرحته آشتون وما عرضه وليام بيرنز نائب وزير الخارجية الأمريكية عليهما يصب في خانة التوصل إلى حل سلمي ينهي الانسداد السياسي القائم بينهما، الذي يهدد استمراره ربما بحرب أهلية.. الجانب الرسمي في القاهرة أكد أنه لا عودة للوراء وصمم على ان كافة المبادرات التي تطالب بعودة الرئيس المعزول تحت أي مسمى من المسميات ‘فات أوانها’، وأعلن على لسان الدكتور محمد البرادعي نائب رئيس الجمهورية انه لا ينوي مطاردة أو ملاحقة المعتصمين، إلا من تلوثت يده بدم الأبرياء، ونقل عنه الشيخ محمد حسان الداعية السلفي أنه لن يفض الاعتصام بالقوة.. أما التحالف الوطني لدعم الشرعية فلا زال متمسكاً بالقول ان ما جري يوم 30 يونيو بأنه زوبعة في فنجان جــــري تضخـــيمها، ووصف ما وقع يوم 3 يوليو بأنه انقــــلاب عسكـــري، استنادا إلى تصريح المرشد العام للجماعة بأن ما وقع هو مؤامرة داخلية ‘قام بها الانقلابيون لحساب سادتهم الأمريكان’ وادعائه أن ‘هدم الكعبة الشريفة أهون عند الله من عزل محمد مرسي’. في المقابل أكد جيدو فيستر فيلة وزير خارجية ألمانيا أن الاتحاد الاوروبي ‘لا يُصر على عودة الرئيس المعزول، وطلب وليام بيرنز من ممثلي الجماعة الذين التقاهم مؤخرا في القاهرة ان ‘ يقبلوا بواقع الأمر الذي يؤكد عزله’.. مشكلة الجماعة ومعها قيادات حزبها السياسي أنهم يرفضون بإصرار لا مبرر له أن تجربة تصدرهم للساحة السياسية في مصر على مستوى المنصب الرئاسي وحكومة الدكتور هشام قنديل ومجلس الشورى، الذي البسوه قميص التشريع غصباً عن غالبية الشعب المصري، كشفت بجلاء أنهم لم يحافظوا على قيم المجتمع المصري الراسخة منذ مئات السنين، ومن ثم وضح بشكل متتال وسريع عمق الاختلاف بينهم كـ’جماعة وعشيرة ‘ وبين الوطن والمواطن.. ووقع الانفصام بين الشعب والمواطنين وبين ‘الرئيس المدني المنتخب’ الذي لم يبد ولو لمرة واحدة ما يدل على انه نزع عن نفسه قيد البيعة العقائدي ولا أواصر الولاء والبراء شديدة الضيق.. والأمثلة على ذلك كثيرة. الإيحاء بإعادة فتح مصر ‘لاستقبال الدين الإسلامي’ وما أفرزه ذلك من صراع لا معنى له بين التدين والانتماء للوطن والتفاخر بالوطنية، ترك في النفس المصرية المتدينة بالفطرة إحساسا ببداية اهتزاز ثوابت شخصيتها المتميزة على مر العصور.. الإصرار على استخدام الدين كمكون أساسي على مستوى القرارات السياسية، زرع في الشارع المصري لأول مرة حالة من الانقسام حتى على مستوى الأسرة الواحدة بعد دخوله إلى دور العبادة، وما حققه من نتائج مغلوطة في ما يتعلق بتجربة انتخابات مجلسي الشعب والشورى وبعدهما الانتخابات الرئاسية. النهم الشديد لاحتلال مفاصل مؤسسات الدولة من دون وعي بدروها أو امتلاك الكوادر القادرة على تسييرها، هذا النهم الذي لم تفلح في ستره دعاوى الاصلاح والتطهير ومحاربة الفساد، ولا نجحت الخطب المنبرية في إقناع البسطاء بشفافية مقاصده، خاصة عندما ربطها العامة بمساعي السيطرة على القضاء والشرطة والإعلام والثقافة بقصد أخونتها. التمسك بالقشـــور ورفض حرث الأرض لكي تؤتي ثمار الثورة، التى قالوا ان مرشحهم الذي فاز بمنصب رئيس الجمهورية يُمثلها، مما منح بعض وسائل الإعلام الفرصة المواتية لكي تجعل من معاناة المواطن العادي مادتها الأثيرة لساعات طوال.. إلى جانب ذلك زاد من انقطاع خيوط تواصلهم كجماعة ورئاسة مع فئات الشعب البسيطة وغير المسيسة، عدم اعترافهم بنقص الخبرة وتدني القدرات وندرة الكفاءات مع الغرور والتعالي، الأمر الذي دفع الكثير من الفئات المجتمعية والقوى السياسية إلى التمسك بعدم التعامل معهم بعد أن جربوا عدم وفائهم بالعهود وتسويفهم لما يتفق عليه وإقصاءهم لمن يختلف معهم، وغير ذلك كثير. أزعم ان حالة إنكار مؤسسة الرئاسة – على أيام الرئيس المعزول – لما كان يجري حولها وإصرارها على التقليل من تأثيره، لا زالت تسيطر على الجماعة وكوادر حزبها السياسي، لأن المدقق في تحليل خطاباتهم الجماهيرية والنخبوية سيلاحظ أنها تواصل مسيرة ازدراء الآخر وتعمد تضخيم قوتهم وجماهيريتهم والسعي الطفولي للوقيعه بين قيادات القوات المسلحة وانكار ثورية الشعب وقدرته على التغيير وادعاء التدخل الأمريكي لإزاحتهم. وهذا الزعم هو الذي جعلهم يتجاهلون، على امتداد عام كامل عقب تولي الرئيس المعزول مقاليد السلطة ـ يونيو 2012 ان الفجوة تتسع بينهم وبين مصر الوطن والشعب صباح مساء، وهو الذي يجعلهم حتى اللحظة يبالغون في مطالبهم مقابل فض اعتصامي رابعة والنهضة من تلقاء أنفسهم مقابل ما حمله وسطاء الداخل والخارج من وعود سلمية التزم بها رئيس الجمهورية وحكومته. لذلك اقول ان وقت الاعتراف بأن الشعب الذي صوت من خلال صندوق الانتخاب في يونيو 2012، كان من حقه أن ينتزع لنفسه بثورته المليونية في يونيو 2013 عجلة التاريخ لتحقيق أهداف ثورة يناير 2011، بعد أن وجد ان دولته مستباحة لحساب الغير..