اختط نائل العدوان لنفسه طريقاً مميزاً في القص من خلال مجموعته البكر ‘المرفأ’، معتمداً على فانتازيا أقرب إلى الواقع، لأن الواقع نفسه أكثر غرائبية مما قد يتخيله سارد. فقد انهارت الحدود بين الواقع والخيال، في عالم متسارع متقلب يتوالد عجائب وغرائب كل يوم، بل كل لحظة. وقد اتكأ العدوان كثيراً على الرمز، ولكنه رمز واضح الدلالة، يكشف نفسه من أول وهلة في معظم قصص المجموعة، وإن بقي خفياً في بعضها، وعصياً على الفهم أحياناً.
لغة العدوان مقتصدة، مقننة إلى حد كبير، لا تميل إلى الإطالة أو التفصيل، فمعظم قصص المجموعة لا تتجاوز أربع صفحات لكل قصة، مما يشجع القارئ على المتابعة، وتعفيه من الملل. وهذه ميزة واضحة في جميع القصص. ولا تخلو قصص المجموعة من جمل شعرية، جاءت كزهور جميلة تزين القصص وتزيدها ألقاً. ولكن عليه أن يُعنى أكثر بمراجعة وتدقيق ما يكتب، ليخرج أكثر قوة وإشراقاً.
انشغل العدوان في قصصه بقضايا سياسية كبرى، وهموم وطنية مؤرقة، تشكل هاجساً عند المثقفين على اختلافهم، وقد تناولها بنتائجها غالباً، مختصراً الطريق، مبتعداً عن المماحكة والجدال العقيم الذي لا يؤدي إلى شيء إلا إلى مزيد من الخراب والدمار.
وتتميز قصص المجموعة أنها تحتمل عدة تأويلات أو قراءات، فالرأسان في قصة ‘رأس آخر’، قد يرمزان إلى اليمين واليسار، أو إلى أردني وفلسطيني، وغير ذلك. والمهم أن مصاب أحدهما مصاب للاثنين، وهلاك أحدهما هلاك للآخر، فحياتهما مرتبطة معاً، ولا غنى لأحدهما عن الآخر. وقريب منها قصة ‘اليد’، فأي ضرر يصيب اليمين يؤثر على اليسار، ولا يحسب أحدهما أنه يستطيع أن يحيا مستقلاً دون الآخر، فضعف أحدهما ضعف للاثنين، ولذا على الطرفين أن يحرصا على سلامتهما معاً، فبقاء أحدهما مرهون بالآخر.
الخيانة والعمالة والتبعية والتآمر على الشعب برزت في مجموعة من قصص المجموعة. ففي قصة ‘رمال’ الرمال تجتاح المدينة، والكبير يستعين بالحلفاء ويثق بمساعدتهم، ويستورد الرمال على الرغم من أنها سبب البلاء، وتصبغ الرمال كل شيء حتى الماء أصبح مالحاً، وما زال الكبير يوهم شعبه أن: ‘الحلفاء لديهم خطة بديلة لنا’.(25).
والمصيبة أن الناس يضعون ثقتهم المطلقة بالقائد، على الرغم من كل ما أصابهم، ووعوده التي لم يتحقق منها شيء: ‘لم يتذمر الناس قط.
كانوا واثقين من أن القائد متنبه لما يحصل، والحل دائما بيديه.'(25(
الرمال تثور من جديد وتقضي على كل شيء: ‘الرمال تجوب الشوارع، تمسح أرصفتها وتحيلها إلى خراب وأطلال.
الدكاكين والأعمدة وحتى المدارس أخذت بالتساقط وحلّت محلها حبات الرمل.
الشواخص وحدها بقيت واجمة في مكانها، ترتفع فوقها صور ملونة للقائد بابتسامته المعهودة وأصابعة الملوحة بالتحية للجميع.
فيما المدينة تهوي ركناً ركناً.(25(
وفي قصة ‘آخر الخيبات’ يبيع الحاكم الوطن للأعداء، ويجعل من جنوده قرباناً يقدمه لهم مجاناً، ولا جزاء للوزير المخلص إلا الموت. وتعقد الاتفاقيات السرية بين الذئب والكبش في غياب الرعاة المتعمد، في قصة ‘لا يموت الذئب’، وعندما يهرم الذئب وتضعف قواه، ينقض الكبش الاتفاقية، ويهجم وخرافه على الذئب، وعندها تتحول جميع الخراف إلى ذئاب متصارعة حتى فنت عن بكرة أبيها.
العيش على الصراعات الداخلية، وتوليدها لعبة البعض لضمان السيطرة والتحكم في رقاب العباد، ففي قصة ‘التفكك’ نجد للشيخ أربعة أتباع هم أدواته في نسج الفتنة وإبقاء القبائل في حالة تفكك دائم ليسهل عليه قيادها والسيطرة عليها، فشعار ‘فرق تسد’ صالح لكل زمان ومكان، فهم يصنعون الجريمة ويقدمون الأدلة لأهل القتيل، ويفاوضون أهل القاتل للجلاء وترك الديار.
وفي قصة ‘سيجة’، تبدو الحياة كلعبة سيجة، حيث إن الخداع هو الذي يسيطر على الوضع، وعلى الرغم من أن المخدوعين يعرفون ذلك ويعوه جيداً، فإنهم يستمرؤون هذا الخداع ويستسلمون له، ويبقى التيس الضخم رابضاً ‘فوق إحدى الهضاب وحوله قطيع الماعز منهمكاً بأكل العشب، وغير آبه بتفاصيل اللعبة من حوله'(127). وما ضره إن كانت اللعبة تستنفذ قوى الخصوم، ليبقى هو سيد الموقف وحوله حريمه يستمتع بهن دون أن يزعجه أحد.
وغير بعيد عنها قصة ‘الخم’، فعندما يغيب القائد، يتولد الصراع بين الأتباع بحثاً عن الزعامة أو نصرة للغائب في لعبة الموالاة والمعارضة، مما يستنزف القوى التي لا يستفيد منها إلا العدو.
وفي قصة ‘الحمار يعلو’، تكون الانتخابات النيابية فرصة للمشبوهين للصعود باسم الشعب وعلى أكتاف الشعب، مستعينين بزمرة من أصحاب السوابق، والناخبون على الرغم من علمهم بكل هذه الحقائق لا يتورعون عن انتخابه طمعاً، وعندما يفوز يتركهم ولا تبقى إلا ذكراه العفنة ‘صورة الحمار’، شعاره في الحملة الانتخابية.
جبروت الطاغية يتجسد في قصة ‘الطاسوس’ متمثلاً في تكميم الأفواه إن ذكرته بنقد، وهكذا يفعل الطغاة في كل زمان، يُقتل الشاعر كي يكف عن فضح الظلم، ويُقتل الحمام لئلا ينقل القصيدة، وتقطع ألسنة النساء التي تنشر قول الشاعر، وتكمم أفواه الرجال. ومثلها قصة ‘غيمة’ حيث توظف التكنولوجيا لتقوم بدور الطاغية في فانتازيا أقرب إلى الواقع، فالإنسان مراقب وحتى أفكاره ومشاعره مراقبة، ويتم عقابه أولاً بأول، وإن تزايدت جرائمه فالاعتقال مصيره. فقد أصبح المواطن مكشوفاً عارياً، عليه أن يعيش كما يريد الطاغية، وإلا فالعقاب ينتظره.
العدو موجود في كل زمان ومكان، يتربص حتى يجد الفرصة المناسبة لينقض، ويحقق أطماعه. في قصة ‘دولة الغربان’ تفتح الخلافات فجوة للعدو كي يتسلل من خلالها ومن ثم السيطرة على الأرض. بينما في قصة ‘حبة قمح’، يقوم النمل يغزو بيادر القمح، في غفلة من أهلها أو تهاونهم، وفهمهم الخطأ للأمور، فيستولي على كامل المحصول. مع التحفظ على توظيف النمل كرمز للاستيلاء، فالنمل مخلوق يستحق الاحترام، ولا يأخذ إلا حاجته فقط.
وتأتي قصة ‘المرفأ’ التي عنون العدوان المجموعة بها، كلطمة تقضي على الحلم، وربما تزرع اليأس في إمكانية التغيير نحو الأحسن، فالمرفأ منطلق نحو الأفق الرحب، ومستقر للخير الآتي، ولكنه عندما يكون عفناً، قذراً، مستباحاً من الضفادع والقطط والجرذان، فإنه يغلق الباب، ويضيع المفتاح في غياهب المجهول.
وبعد، فإن مجموعة ‘المرفأ’ (عمان: دار فضاءات، ط1، 2013، 154 صفحة)، تبشر بمولد قاص متمكن، يشق خطواته بقوة وثقة، بلغة جميلة معبرة، ولكن عليه أن يلتفت إلى الواقع ويمتح منه، ففيه من الخيال ما لا يخطر على بال، وفيه من اللامعقول ما يذهل العقول.
[email protected]