الانظمة العربية في القمع سواء

تشترك الانظمة العربية، كلها، بسمات واحدة، الدكتاتورية، وقمع الحريات وتكميم افواه الناس والزج بهم في السجون من دون تهم، او أسوأ منها، تهم ملفقة. المظاهرات حق للمواطن، طالما التزم بالسلمية واحترام القانون. الشرطة في الدول المتمدنة تحمي المتظاهرين من ان يتعرض لهم احد بالأذى. اما في بلادنا فالشرطة تضرب بالهراوات، وتطلق الغاز المسيل للدموع، والرصاص الحي على المتظاهرين، ثم تحمي البلطجية او الشبيحة وهم يعتدون على المحتجين.
لو كنت مخرجا، لاتيت بمقاطع قصيرة من مظاهرات في مدن عربية، من دون أعلام ولا صوت (مفترضا ان المتظاهرين لا يرتدون الزي الوطني)، ومن شوارع فرعية، ولتحدّيت ان يخّمن المشاهد مكان المظاهرة، القاهرة، حماه، الفلوجة، صنعاء، بنغازي، المنامة، الدمام، تونس، صيدا، عمّان، الدار البيضاء، الجزائر، رام الله، الخرطوم، أو اي مدينة عربية أخرى، فطريقة معاملة الشرطة (او الجيش ) مع المحتجين متطابقة تماما، كما لو انهم جلهم درسوا عند نفس الشيخ (أو المخبر) في قاعات تدريس وزارات الداخلية والدفاع. الانظمة العربية يفترض ان تكون مختلفة، فمنها الملكي ومنها الجمهوري او الاميري ونظام السلطنة (حتى لا ننسى عمان)، فيها الانظمة المحسوبة على اليسار، كنظام البعث السوري (والعراقي سابقا) ونظام القذافي الجماهيري الاشتراكي الفريد (البائد)، وانظمة تدعي الاسلام كالنظام السعودي والسوداني، ولا ننسى النظام المغربي، اذ ان الملك هناك يسمي نفسه أمير المؤمنين، ولكنها في التصدي للحريات العامة تلتقي جميعها في الوسط، نعم وسط او قلب المظاهرة، لتفتك بها بقوة. لا يتماثلون في الفعل فقط، بل في القول أيضا، الخطاب الاعلامي نفسه: مندسون، جماعات خارجة على القانون، عصابات مسلحة، جماعات ارهابية، متآمرون، تمويل خارجي، اجندة خارجية، فئات ضالة، مثيرو العنف والشغب والفتنة. كل هذة التسميات تعني في قاموس وزارات الداخلية والدفاع والاعلام ودوائر المخابرات والامن المركزي، المواطن.
لا يختلف اثنان على اننا، بلا استثناء، من المحيط الى الخليج، في الهم شرق، اللهم لا حسد. دعونا نتأمل في المقولة الشهيرة، ‘قد اختلف معك في الرأي، ولكنني مستعد لان ادفع حياتي ثمنا لحقك في التعبير عن رأيك’، أظن ان قائلها المفكر الفرنسي فولتير، اين نحن منها، الانظمة العربية الدكتاتورية لم تمارس علينا القمع فقط، بل علمتنا كيف نقمع الاخرين ونصادر حقهم في التعبير عن ارائهم. ما يحدث في مصر الان، خيرا ام شرا، دليل على ذلك. المؤيدون للانقلاب العسكري يتنافسون مع العسكر في قمع الاسلاميين، او كل من وقف ضد الانقلاب، يصفونهم بالارهابيين والقتلة، ويباركون اعتقالهم، التهم عندهم جاهزة، كل من يدافع عن الاخوان اخواني، ولو كان مسيحيا او شيوعيا، وكذلك الحال في الثورة السورية، فالمدافع عن الشعب السوري، عند من يسمون انفسهم بفريق الممانعة والمقاومة، هو عندهم خائن وعميل ومتآمر على المقاومة. الثورات عندهم مشروعة لكل الشعوب الا الشعب السوري فلا يجوز له ان ينتفض على النظام المقاوم. المقاومة مع القمع لا يجتمعان، ببساطة شديدة، إما ان تكون مقاوما ومع حريات الاخرين، وإما ان تكون نظاما قمعيا ليس له علاقة بالمقاومة، من قريب او بعيد، لك الخيار الحر، ولكن ان تجمع بينهما فهذا مخالف لابسط قواعد المنطق، اذ ان هدف المقاومة هو نيل الحرية لا مصادرتها.
في التعاطي مع الحريات، لا يمكنك ان تكون مصابا بالفصام. السودانيون الان ينتفضون على رفع اسعار الوقود، وهذه فرصتهم لنيل حريتهم. لا يهم ان كان حكامهم يمينيين او يساريين او اسلاميين، لا يهم على الاطلاق. وكون النظام السوداني العسكري يعتبر نفسه نظاما اسلاميا لا يعطيه المبررات بقتل المتظاهرين، فأمير المؤمنين هذا تجب محاسبته عن كل روح ازهقت، سواء كان الرقم 34، كما تقول الحكومة او أكثر من مئتين كما يقول الشعب الثائر، وفي كل الاحوال، كما علمتنا الثورات، الشعب اصدق انباء من الحكومات.
المتسائلون عن الحكومات التي تدعم ثورات في بلاد ما، وهي ابعد ما تكون عن الديمقراطية، الجواب لهم في التاريخ، عجلة التغيير ستغير الجميع، لا احد يتمتع بالحصانة. وهنا اذكر ان وزيرا عّين في الاردن، فاشترى لوحة فنية علقها امامه في مكتبه الوزاري الجديد، كتب عليها: لو دامت لغيرك ما آلت اليك. عندما سُئل عن مغزى ذلك، قال: ‘ان اتخن وزارة في الاردن تعمر عشرة اشهر، لذلك ساتركها للوزير الذي سيأتي من بعدي، حتى لا ينسى’. واذكر ان رئيس الجامعة سأله حينها ان كان سيستقيل من الجامعة كطبيب ومدرس، ابتسم وقال: ‘لا هذه هي مهنتي الدائمة، اما الوزارة فهي بلا شك وظيفة مؤقتة… جدا’.

‘ كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية