تبقى شعرية الأنثى حالة بوحية لا تلامس فقط المسار الإنساني، وإنّما تمثل المسار ذاته، على أساس أن الشّعرية مستوى الكلام الذي يجعل الذات، رغم انفصالها عن لحظتها الوجودية اللاشعرية، إلا في حدود ما تتلقاه الشّعرية منها من أصداء تحوّلية تقرع بنية الذّات الوجودية، لتحيلها إلى فضاء التواصل الإنساني/الكوني، فالشّعرية تجربة كونية باعتبار الدلالة التواصلية مع الأشياء والعالم في اللحظة الانفصالية ذاتها، وهذا ما كرّسته «أمنيات» سلوى بن رحومة حين أسّست شعريتها في هذه المجموعة على الانفصال عن الآخر لتبقى الذاكرة والأشياء المشتركة جسرا لا يلغي الانفصال، ولكن يؤكد الاتصال الذاتوي الممرّد بقوارير الحلم والقطيعة الجمالية»:
«ادّخـر لــي مــزيدا/ قبل أن أحضــر/ من الشــوق /وســألمس كل الكتب التي قرأتهــا».
يبني خطاب الشوق مسافة بين غياب الحبيب وحضوره، لكن لتأكيد الحضور تستمر الشاعرة في تلمّس أشيائها كي تستبقي الأثر.
تضع الحب بين مسافات التعريف والكينونة/ باعتبارها أنثى تمارس وجودها في عالم ذكوري مهيمن، لكن الشّعرية تجعل من العلاقة مع «الحبيب» وجودية بلغة تقتلعها الشاعرة من مسافات انتعاشها الكلامي، فمصدر الكلام لديها هو مصدر الشّعر، ولهذا تماهت المسافات وانتصر الانبعاث لمسلك التناهي في المحب: «كل من أحب احترق»، ويبقى الحبيب سلطة أكثر منه ذاتا شعرية وهو ما يؤسّس للانفصال كعلاقة متشابكة داخل تواشجات الاتصال، فـ»أمنيات» تقارب الآخر داخل فواصل البعاد.
المدى الشعري للانفصال:
«فأصبحَت حين يذكرها/كالدمى لا تضحك/وإنّما.. تضحكه».
المآل الإنساني في «العلاقة» يجعل مرآة الذات لا تشعر بوجودها المثقل بالخيبة، بالمأساة، بالهوية المشروخة ناقصة الاكتمال، الخفّة التي تواجَه بها الأنثى في فضاء الحب الذي يشكله الآخر في اشتغال ذاكرته على الإنكار، هو لا يرى العالم سوى في ذاته، لذلك لا تكون الأنثى في مجاله، سوى حدث يعبر كما تعبر الأشياء عرض العالم، فتفقد إنسانيتها وتفقد كل ما له علاقة بهوية الوجود وتستحيل مادّة مجرّدة لا تتحرّك إلا لتثير علاقة خارج الهوية الإنسانية، تلك هي مأساة العلاقة بين المشاعر والحركة الإنسانية، الصّائرة إلى الموضوعات خارج نطاق النّبض، إنّها «دميوية» العلاقات، «باربي» المبرمجة لكي تحرّك شيئا يريده الآخر في مشاعره، فيضحك متندّرا بنبض عميق في القلب المحب: «كالدّمى لا تضحك/وإنّما.. تضحكه».
تنتج الشّعرية وحدة المسلك حين تنتصر الكلمات فقط للكلام العميق في خلفيات الدروب الأنثوية، تنبثق الوحدة كفعالية مهرجانية تقول ما لا تقوله الكلمات، فيصبح الفضاء مجزّءًا بين الذّات والكلمات، فتغيب صورته وتبرز الأنثى مستعيدة ذاتا غابت في آخر لا يتسمّى:
«وأطلّ في الليل الغريب/وحيدة».
تنبجس الذات من سكون وعتمة يكفلان للوحدة انتشارها الغنائي الصّامت بين أظلاف اللاوجود، لا يوجد شيء سوى تلك الهالة الأنثوية التي تبحث عن آخر في مكان وزمن لا يمكن لأنثى أن تعيشهما بدون إحساس مرغوب في شواطئ لا يمكن أن تراها سوى في ذلك الآخر:
«أقف للمرآة شاخصة /فتثني على جسدي»
يتحوّل الآخر شعريا إلى الأنا الشاعرة بدلالة المرآة، هل يستغني الموهومون بذواتهم عن العالم بمرآة تعكس ظلال جسد شاخص؟ أم لعل ذلك الجسد الشّاخص هو المشترك الوجداني بين روحين، تمتلآن بالعالم لحظة انفصالهما، فلا تنفصل الأشياء في العالم إلا لتصدّر ظلالها كأثر، لكن الذوات المنفصلة تعلن انحيازها في الأبعاد لتقول ذواتها فقط: «وأنت هناك».
هذا التبعيد الجمالي المأساوي لا ينوجد إلا ليدفع بالعملية الشّعرية إلى أقصاها في تكثيف مهرجانية الانفصال بين الذوات، فالعالم مسرح الدعابة العامرة بالشهرزادية المُباعدة للشهريارية، ليتأسّس النص كلعبة تفطنت إليها الأنثى لتؤجّل موتها، فهل هي تؤجّل موت العالم في غفلة الشهريارية أو الآخرية العابثة:
«تجمع النجمات عقدا/تبعثر الأمواج حتى/لا تكون بحرا !/وتنام في سكون الليل؟
ينبعث الانفصال من تحت ركام الواقع، كم من الأيلولة إلى أشياء العالم تغني عن الآخر، الغرق في البحر يشبه لعبة الكلمات وهي تستظهر وجها إنسانيا للأشياء وللمكان:
«من حقّك الآن /بعد امتداد الحلم/أن تشرب/من موسيقاي /ومن صمتي».
البحر بعتوّ موجه يتحوّل صامتا وأليفا في حضن الشعرية التي تملأ كينونته غزلا ووصالا، إنّها تبني شعرية التواصل مع العالم وأشيائه، التي يبدو أنّها مكتملة الغايات في الكلمات والذات الباحثة عن أمكنة لا تشبه الآخر، إنّها تكتسب صداقة البحر بمنح صمتها وموسيقاها عربونا في وضوح الحلم وامتداده، فالشّعر ينبثق من هذا الحلم القادر على بناء الانفصال مع الذوات ونسج نسق الاتصال مع العالم في أشيائه الحادثة كأثر وبنية.
الانفصال/ مدى الزّمن:
«بعد عام.. /بعد عامين وليل..»
يتكثّف معنى الانفصال في العلاقة بعد أن تنبثق «ذكريات» لتوجّه حدث الميلاد الشّعري نحو بداية عامرة بالكلمات والوجه الضاحك في دفء الاتصال، هذه الذكريات هي ما يجعل مسار الذوات في العالم ممكنا في العودة من الماضي لممارسة التواصل أو الاتصال، لكن ما يحدث أنّ تكريس الانفصال بمدى الزمن يجعل من الأشياء أكثر صعوبة في التعبير عن هوياتها، سوى تلك التي تغني للفقد وللمأساة:
«يتذكر أنّني،/كنت له،/أزرع أحداقه ورودا»..
في الذاكرة تتصل الهوية وتصير الثنائيات وحدة لا تنفصل، لكن الذاكرة وعي الانفصال عبر مسافات نعيها، فقط الوعي الشعري مازال كامنا في مسافات التواصل، فكينونة الآخر لا تنبني جرّاء موضوع الحب حسب، إنّها فوق ذلك تمثل لقاء إنسانيا يجعل للذات شرفات ترى من خلالها ما تستحيل رؤيته:
«رؤية الشّمس بعد /المغيب».
يرتسم الانفصال كفضاء موحش يتجلى عند الغياب، لكن في الحضور المكثف بالذاكرة، حتى ليتأكد التداخل بين ما هو غياب وما هو حضور، فالانفصال يؤكّد على قدرة العالم على أن يتجاوز فجوات الغياب بإعدام لوثة العتمة واستحضار ما تقدر به الذوات رؤية ما بعد الأشياء، انفصال العالم حاضر، وكينونة الذوات تكمن في الفواصل العامرة بالزّمن، الماضي والمستقبل عيون ترى العالم خلف أشيائه في سحر الضوء المابعد مغيبي، ومغيب الشّمس لا يمثل سوى لحظة تحول في حركة العالم، وبالتالي تصبح الشّعرية قادرة على رصد أزمنة الانفصال في المدى الزّمني المكثف بالتواصل في زحمة القطائع، لذلك الذات الأنثوية الشّعرية تحاول أن تستثمر في لحظات الانفصال تلك النّابعة من خفايا الاتصال.
الانفصال – الهزيمة/ الانتصار كحلم:
لماذا تريد الشّعرية بناء الحلم كمرفأ للأمان الشّعري الذي يطيل من أمده ويجعله مختلفا؟ يبقى الحلم مرتبطا بالحياة، والقصيدة لا تكتمل أبنيتها إلا إذا كانت معبرا للشاعر نحو الحياة، فبقدر ما هي ذاتية فهي أيضا تواصلية، لهذا تكرَّس المعنى في «أمنيات» حول الانفصال، باعتباره ركيزة الوجودية الحياتية، إذ لا توجد حياة مبنية على التواصل الأبدي، وبالتالي ليست هناك قصيدة تشتغل في شعريتها على الانفصال، إلا لتؤكد الاتصال انطلاقا من بوادر المعطى الإنساني الحالم بكينونته، مركزا للحياة حيث بشاشة الحلم: «منذ زمن لم أحلم»، فقدت الشّعرية حلمها لأنّ انفصال ما، حدث في واقع مقولها أو فضائها اللغوي الماكث بين ضفّتي التواصل مع الذات والانفصال عن العالم: «منذ أهملتني عيناه/لم أكمل حلمي/ ولم أهزم»، فانفصال الذات الشاعرة عن آخرها هو عودة بالضرورة إلى مركز وجودها، رغم سلبية إثبات الحالة الحلمية، لكن تذويت الحلم في حالة «الإهمال» من الآخر، تكثف التصور الانبثاقي المستمر للشّعرية الأنثوية الغانمة والمتصدّرة للنص في مواجهة الآخر المعنون بحالاته وأشيائه وأعضائه.
«هوية»/ ألم الانفصال:
«كــــان /كالسيف يغتـــال المرافئ/كالبــرد يسـكن الشرفـات الوحيــدة/كالنهــر لا يضحــك لغيــر القرابين /كالنمــل ينهمــر…/يؤثـث لرحلته الأخيرة».
«هوية» ملمح القصيدة حين تكتبها شاعرة تبحث عن جرح لتقول في عمقه ألم الانفصال، الذي أصبح قيمة داخل الأبنية التي تشيدها الشاعرة من أجل أن تكون لونا من ألوان التضاد المرير في وجه من يتأسّس على الكينونة الماضية: «كان/كالسيف يغتال المرافئ/كالبرد يسكن الشرفات الوحيدة»، فالماضي الذي يسكنه الآخر الشّعري القريب جدّا من الشّاعرة يحمل بنية الانفصال القائمة في الذاكرة وفي واقع التاريخ واللحظة، ولهذا ووجهت كينونة الماضي بكينونة الحاضر:
«وكنت،/ثلجا.. يذوب/دمعة دمعة/ربابة تجرح أوتارها/من أجل قطرة موسيقى»، الانفصال بين الذات والآخر ليس انفصالا لمجرّد المزايدة الشعرية بل إنّه حالة أنثوية تتدثر بها الشّاعرة لتبعث «هوية» اللحظة العارمة بالقصيدة وبالعالم، لذلك فالثلج يذوب دفئا في برودته كما لو كان كيانا دامعا، فاللحظة الشّعرية تجمع أشياء العالم إلى مجالها الإدراكي لتنفخ فيها إنسانية الذات، أو الأنسنة الشّعرية التي تجعل من الشاعرة مركزا بعد أن أكّدت الانفصال عن الهوية المارقة في الذاكرة.
٭ كاتب جزائري