في مصر، كما في الكثير من البلدان الاخرى المجاورة، مجموعة من السياسيين والاعلاميين تكن حقدا وضغينة لكل من يخالفها، فتستثمر الفضاء الاعلامي الحر، وتصب جام غضبها على فئة بعينها من الاحزاب السياسية، خصوصا الاسلامية منها، ولا تتردد في حصدها حصدا برشاشات الاتهامات الجاهزة. هكذا استغل جزء كبير من الساسة والاعلاميين المصريين فضاء الحرية في عهد مرسي، ومارسوا هواياتهم المفضلة في تقزيم كل انجاز، وتضخيم كل عثرة، ولم توفر سهامهم هدفا الا ورمته، وبلغ النقد والتجريح آنذاك شخص الرئيس، وطعن كفاءته، والحط من قدره والتقليل من هيبته، وقد تم كل ذلك تحت مظلة الديمقراطية المصرية الوليدة، وتحت سمع وبصر الرئيس مرسي، الذي وصف من قبل معارضيه بانه طاغية ومستبد وينبغي خلعه. بعد الانقلاب على الرئيس، واعتقاله مع معاونيه، وتقليم اظافر جماعته، بقي انصاره معتصمين في الميادين مطالبين بعودة الشرعية. ولان جل هؤلاء من المسلمين الملتزمين، فان انتقادهم بدأ يأخذ منحى اخر، فمن الادعاء انهم يزعجون سكان المنطقة ويتسببون في عرقلة حركة المرور، وتطور الامر ليصل الى اباحة الانتقال من نقد توجهاتهم السياسية والفكرية، الى نقد اشكالهم ولباسهم ومظهرهم وروائحهم، بطريقة تحط من كرامتهم كبشر وكاناس مؤمنين ملتزمين. هذا الميل الى ازدراء الاخر لانه مختلف، والضن عليه بابسط انواع الاحترام لذاته كانسان متساو مع اخيه الانسان في الحقوق، يبعث على القلق والخوف، لانه يؤسس لسياسة استعلائية تبرر البطش والتنكيل ومصادرة الحريات، في مجتمع قام في 25 يناير 2011 بثورة كان من شعاراتها استرجاع الكرامة الانسانية المفقودة، وبناء دولة يحكمها القانون. كانت مزاعم الانقلابيين تقوم على فكرة مفادها ان الاطاحة بالرئيس المنتخب جاءت استجابة لنداء الشعب الرافض للاستبداد، وقمع الحريات، والاخونة، والفشل في ادارة الدولة، وقد شكلت هذه الفكرة المبدأ الملهم والمنظم والموجه لكل العملية الانقلابية ، خصوصا بعد ان تم حشد كل الطاقات والكفاءات وتسخير الموارد البشرية والمادية لاتمام سيناريو اليوم المشهود في 30 يونيو. وامام عظمة الابهار الذي صنعته الصورة المفبركة، تولد اعتقاد قوي، كاد يصبح حقيقة راسخة، بان الانقلاب اخذ صبغته الشرعية الكافية، فبدأ الحكام الجدد بسلسلة من الاجراءات لترتيب البيت، استهلت بتعيين رئيس مؤقت للجمهورية، ثم اختيار رئيس للوزراء ومن ثم تشكيل الوزارة، ولجنة للمصالحة، في مسعى لخلق واقع جديد يجبر الاخوان وحلفاءهم من الاحزاب والتيارات السياسية الاخرى على الاعتراف بشرعية الحكم الجديد، واثقين من ان الاخوان سيسلمون بطيبة خاطر، وبملء الرضى بعزل الرئيس المنتخب، وبالانقضاض على الانجازات السياسية التي تحققت في عهده. والحق ان ما افرزه الواقع كان عكس ذلك بالضبط، فالاخوان اصروا على مواقفهم الرافضة للانقلاب واستمروا في اعتصاماتهم وتظاهراتهم المتواصلة على مدار الاسابيع الماضية في الشوارع والميادين، واستطاعوا استمالة اطراف اخرى بشكل اصبح اخضاعهم شبه مستحيل. لقد اثار هذا التضخم التدريجي لحجم الرافضين للانقلاب حنق حكام مصر الجدد، وفضح الرواية الاحادية التي تم الترويج لها في وسائل الاعلام المنحازة، التي تزعم ان المعتصمين في ميداني النهضة ورابعة العدوية هم فقط من الاخوان، وامام الانخفاض الملحوظ في اعداد المناصرين له، لم يجد السيسي من حيلة سوى استدعاء مفردات يمكن التلاعب بها حسب الحاجة، وتوظيفها في سبيل الحصول على غطاء شعبي يبرر وأده للاحتجاجات المناهضة له والمطالبة بعودة الرئيس المنتخب، فبدأ العزف على وتر ما اطلق عليه العنف والارهاب الاسود، طالبا من ‘الشعب’ النزول الى الشارع واعطاءه تفويضا وامرا بالقضاء على ‘الارهاب المحتمل’. ان دعوة السيسي الشعب لان يمنحه تفويضا بمحاربة الارهاب المحتمل، انما هي رسالة للفرقاء السياسيين في مصر، مفادها ان الزمرة الانقلابية باتت، منذ الان فصاعدا، تعتبر نفسها ثابتا لا يقبل النقد، وكل جماعة سياسية لا تصطف الى جانبها او تؤيدها ستواجه باشد العقوبات، وقد باشر احمد شفيق في توزيع تهم المروق والخـــيانة والارهاب على المتهمين المحتملين، الذين ستشن عليهم حملات الاستئصال القادمة. هذه اللغة التخوينية والترهيبية في مخاطبة الاخر، وهذه الانتقائية في التعامل مع ابـناء الوطـن الواحـــد، التي تتمظهر بنفي حق التظاهر والتعبير عن الرأي عند بعض منهم، واثباته للاخر، ينبئ بجنوح نحو استئصال تيار عريض من الحياة السياسية المصرية، ويميط اللثام عن عدم تسامح الحكام الجدد، وتشددهم في فرض الامر الواقع، بطريقة تجعل الحريات التي اكتسبها المواطن المصري بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير تتهاوى تدريجيا، وتعيد في ذات الوقت الاعتبار والمجد لاولئك الذين سقط نظامهم بالامس القريب. ان هذا الوضع لن تكتب له نهاية من دون مصادمات ومعارضات عنيفة، فكلما كانت الزمرة الانقلابية اقصائية، نمت نزعة الرفض للانقلاب وتطورت اشكال مقاومته وطرقها، ونما معها التضامن والالتفاف الجماهيري والتأييد الدولي. لذلك فان دعوة السيسي للتظاهر نهار الجمعة القادم، لن تقرب الازمة المصرية من الحل، انما ستضعها امام منعطفات خطرة، قد تبدأ بحوادث امنية مدبرة، وانتشار مجموعات اجرامية مأجورة تعمل بتمويل وتوجيه جهات داخلية وخارجية لا تكتفي بسيناء مسرحا لعملياتها، بل تمتد لتصل العاصمة فتفجر هنا وهناك بشكل يضع الامن القومي المصري في خطر محدق، ومن ثم يتم الصاق التهم بالاخوان ليصار بعدها الى اعلان حالة الطوارئ وحل تنظيم الاخوان المسلمين والقاء القبض على قادته وزجهم في غياهب السجون. ولعل اسوأ ما في هذه الاحتمالات هو ان يعود الجندي المصري الى منزله، ليكتشف ان الذي قتله للتو كان اخا له او جارا او صديقا.