الرباط ـ «القدس العربي» : لا شك أن عشاق الدراما ممن يتطلعون لمشاهدة الأعمال الجديدة التي ستعرض على القنوات المغربية خلال شهر رمضان، ينتظرون أن تكون الأعمال الدرامية في مستوى تطلعاتهم، الأمر الذي لا يحدث دائما.
بالنسبة لكريم بابا، الباحث في فنون العرض والدراسات الوسائطية ورئيس منتدى «ضفاف لدراسات الوسائط»، فالسؤال المطروح هو إن كان من الضروري أن تكون إنتاجاتنا مختلفة في رمضان؟ ولماذا على المنتج والفنان أن يبني برنامجه الإبداعي على شهر رمضان؟ بما لذلك من انعكاس مباشر على ديمومة الفعل الإبداعي طيلة السنة.
واعتبر بابا في حديث مع «القدس العربي»، أن مناسبة رمضان، بما لها من خصوصية اجتماعية وثقافية، محليا وعربيا، لا يمكنها أن تغطي عن الارتباك الكبير في علاقتنا بالشاشة عامة وبالإنتاج المحلي بشكل خاص، ذلك أن المشاهد المغربي منفتح على كل التجارب والمدارس الفنية، فقد يكون الإنتاج الدرامي الرمضاني في زمن وحدة الوسيط (التلفزيون العمومي) منسجما مع تلك المرحلة، لكن في زمن تعدد الوسائط وسهولة الوصول إلى كل المضامين، يبقى التحدي مضاعفا لإرضاء الجمهور، نظرا للتنافس غير المسبوق، كميا ونوعيا، بين مؤسسات الإنتاج.
وبخصوص مسألة معايير جودة الأعمال الدرامية المقدمة، اعتبر رئيس منتدى «ضفاف لدراسات الوسائط»، أنه لا يمكن الحديث في الإطار الفني عن معايير استثنائية، لأن الإبداع، في المقام الأول، تحكمه الرؤية والتصور الفني، أي ضرورة احترام المجال الفني وقواعده وأخلاقياته، وفي مقدمتها التخصص، إذ لا يعقل الاستمرار في تكريس ما يسمى بـ»الكتابة الجماعية» أو «خلية الكتابة»، وهو اختيار ليس غريبا عن الاشتغال الفني، لكنه تحوّل إلى ما يشبه القاعدة، خاصة أن أعضاءها يكونون من فريق الإخراج، كأن يجمع بين المخرج ومساعديه، مما يجعلنا أمام عملية سباق ضد الساعة، والدوس على «دفاتر تحملات» القطاع السمعي البصري، سواء في العلاقة بين المنتج والمبدع، أو في بين المؤسسة والجمهور.
وتابع قائلا «مسألة أخرى دائما ما تثير انتباه النقاد وهي أداء الممثلين، وغالبا ما يتم تلخيص الإشكال في إدارة الممثل، لتأثرها بشكل مباشر، بما تحدثنا عنه آنفا، وبوثيرة الاشتغال التي تفصل بين فترة طلبات العروض والتصوير الميداني».
وأشار الناقد الفني المغربي، لـ «القدس العربي»، إلى أن الأعمال الفنية تأتي نتيجة اشتغال هادئ وممتد زمنيا، يستمد فيه المبدع مما يلهم ذائقته وتجربته الفنية، بما يسمح بإنتاج أعمال ذات عمق وتعبر عن سياقات إنتاجها، من حيث أدوات الإنتاج أو جهة المضمون الفني. ويعتقد الباحث في فنون العرض أن المرحلة الفارقة التي تعيشها الإنسانية، خلال العقد ونصف عقد الأخير، تدفعنا إلى مساءلة ما نشاهده من أعمال ونقاشها لقضايا راهنة من قيم ثقافية على محك واختبار العولمة الرقمية، وأنماط العيش لما بعد وباء كورونا، في ظل التأثير الشعبي القادم من منصات رقمية، وكيف اختار جزء لا بأس به من نخبتنا التواصل عبر وسائط «الديجيتال»؛ مع التأكيد على أن الفارق لا يكون فقط في راهنية المواضيع التي تتناولها الأعمال، بل في التناول الفني وفي إثارة الأسئلة بدل تنميط الخطاب وابتذاله.
وأكد كريم بابا أن المشاهدين كما النقاد باتوا ملزمين بانتظار أعمال رمضان للتعرف كل سنة على وجوه جديدة، بالموازاة مع متابعة برمجة القنوات المغربية والعربية، خاصة مع توسع التكوين الجامعي والأكاديمي في مجال الفنون الدرامية وروافدها الثقافية والأدبية والوسائطية.
وخلص الباحث الأكاديمي إلى أن الانتظار الأكبر يتجلى في أن يكون الإنتاج الفني ثمرة سياسة ثقافية تكرس التنافس المبني على قواعد وتشريعات لا تقل أهمية على الترسانة القانونية للصناعات الاقتصادية الأخرى، بحكم السرعة القياسية التي تسير بها الدراما في سوق الصناعات الثقافية، إذ لم تعد قضية خاصة بفئة من المشتغلين في المجال الفني، بل تعدته إلى أن أضحت مضمونا اقتصاديا مغريا، دون الحاجة إلى الاستشهاد هنا بالنموذج الاقتصادي الذي انخرطت فيه رؤوس علامات تجارية وإعلامية كبرى للتسويق للمضمون الدرامي ضمن التصور الترفيهي.