البحث عن السينما في العراق: مفهوم وصناعة ومقاربة إحصائية مع نماذج أخرى

مروان ياسين الدليمي
حجم الخط
0

الحديث عن أسباب ضعف الإنتاج السينمائي في العراقي، ربما غيابه شبه التام عن المشهد الثقافي والإبداعي المحلي، يقودنا إلى موضوعات مختلفة ومتشابكة، كانت قد رافقته خلال أكثر من سبعين عاما منذ إنتاج فيلم» فتنة وحسن «عام 1955 الذي يعد من وجهة نظر النقاد ومؤرخي السينما، أول فيلم سينمائي عراقي روائي طويل (زمنه 95 دقيقة) تأليف عبد الهادي مبارك، إخراج حيدر العمر، إنتاج شركة دنيا الفن، التي أسسها الممثل ياس علي الناصر بإمكانات مادية متواضعة وبدائية. وإذا ما أعدنا قراءة تاريخ الإنتاج السينمائي في العراق وأحصينا ما تم إنتاجه خلال سبعة عقود من الزمن سنجد الرقم لا يتجاوز 100 فيلم! وهو رقم لا يتناسب مطلقا مع هذه الفترة الزمنية الطويلة، بغض النظر عن المستوى الفني الذي جاءت عليه الأفلام المنتجة.
وإذا ما كانت قراءتنا بعيدة عن الأرقام، بل نسعى من خلالها إلى الكشف عن العناصر الجمالية في خطاب الفيلم، عندها ستكون النتيجة مخيّبة، وسنضطر إلى أن نشطب 95 في المئة من الأفلام المدوَّنة في سجل الإنتاج تاريخيا، لأنها مقارنة بالمستوى الفني الذي كان عليه الإنتاج السينمائي خلال تلك الفترات في دول مثل أمريكا وفرنسا والهند والمكسيك ومصر، فإن أقل ما يمكن القول عنها بأنها كانت ضعيفة جدا في مجمل العناصر الفنية التي يتأسس عليها الفيلم السينمائي، ابتدأ بالسيناريو مرورا بالإخراج وإدارة التصويروانتهاء بالتمثيل.

الإشكالية في المفهوم

في منتصف القرن الماضي كان الفن السينمائي قد وصل إلى مرحلة متقدمة من النضج من حيث بنيته الفنية، من بعد أن كانت قد اكتملت لغته وتقنياته السردية وبقية العناصر الفنية التي تدخل في صناعته. ولو توقفنا عند مصر التي كانت الرائدة في هذا الميدان من بين الدول العربية، بعد أن قدمت عام 1932 فيلم «أولاد الذوات» إخراج محمد كريم تمثيل يوسف وهبي، أمينة رزق، الذي يعد أول فيلم في تاريخها، سنجد الجانب الفني في العديد من أفلامها التي أنتجتها في الخمسينات، مقارنة بالإنتاج العراقي في نفس الفترة وما بعدها من عقود، كان متسما بالنضج من حيث فهم بنية الفيلم السينمائي. وهناك العديد من النماذج التي يمكن الإشارة إليها بهذا الشأن، مثل «أنا حرة» 1952 صلاح أبو سيف و«درب المهابيل» 1955 توفيق صالح و«بيت الأشباح»1951 لفطين عبد الوهاب و«باب الحديد» 1958 ليوسف شاهين، إلى الحد الذي ما زالت معظم أفلام تلك الفترة تعرض على شاشة الفضائيات ولها جمهور واسع يتابعها مع أنها أنتجت قبل سبعة عقود، بينما غالبية ما تم إنتاجه من أفلام عراقية منذ أول فيلم وحتى الآن، لا تستطيع أن تصمد أمام الجمهور حتى يشاهدها للمرة الثانية.
ما يعزز هذا الاستنتاج، غيابها عن قائمة ما يُعرض من أفلام على شاشات الفضائيات العراقية والعربية، بينما لو كانت مصنوعة بمعايير فنية احترافية بالشكل الذي تتوفر المتعة والدهشة في حبكتها وإيقاعها وبنيتها السردية، لأصبح لها حضور وجمهور في الفضائيات. وربما يمكن مشاهدة أفلام لا تتجاوزأصابع اليد الواحدة مثل «سعيد أفندي» 1957 لكاميران حسني و«الأسوار» 1979 لمحمد شكري جميل، وأفلام المخرج عبد الهادي الرواي مثل «حب في بغداد» 1987 و«المنفذون» 1978 و«البيت» 1988 و«افرض نفسك سعيدا» 1994 إضافة إلى ما قدمه المخرجون الشباب بعد العام 2003 «كرنتينة» 2010 عدي رشيد و«الرحلة « 2017 لمحمد الدراجي و«شارع حيفا» 2019 لمهند حيّال.
بمعنى هناك إشكالية مزمنة شابت غالبية العاملين في الإنتاج السينمائي العراقي، ليس في الجانب الاحترافي لصنع الفيلم فقط، إنما يتعدى ذلك إلى ناحية فهم طبيعة الفن السينمائي، وما يفرضه من اشتراطات لتحديد العلاقة مع المتلقي والصناعة والسوق.
وسنبقى في إطار الأرقام لنستعرض ما تم إنتاجه من أفلام في دول معينة، خلال نفس الفترة الزمنية التي تمثل كل تاريخ السينما في العراق، مثل الهند وأمريكا وفرنسا ومصر ونايجيريا، ومن خلال هذه المقارنة ستتضح الحقائق وسيظهر مدى ما حصل من نمو وتطور وازدهار في الإنتاج في هذه البلدان، ما أن نشأ الفن السينما فيها، بينما العراق لم يشهد تطورا، بل على العكس، تراجع عن ما تم إنتاجه خلال السنوات الخمس الأولى بعد أنتاج أول فيلم أي الفترة من 1955 إلى 1959 التي شهدت إنتاج 8 أفلام.

الإنتاج في الهند

عام 1931 تم إنتاج فيلم « Alam Ara» وهو أول فيلم هندي روائي ناطق، قبله كان قد بدأ إنتاج أفلام صامتة عام 1913 واعتمادا على قاعدة بيانات الأفلام الهندية «IMDb « فإن إجمالي ما تنتجه بوليوود من أفلام سنويا يصل إلى أكثر من 1800 فيلم. وهذا الرقم يعد كبيرا جدا مقارنة بالإنتاج العراقي، وهذا يعني أن صناعة السينما في الهند، بمرور السنين انتظمت على أسس سليمة من حيث التخطيط والقواعد التي نهضت عليها، أولها وأهمها أنها لم تعتمد على ما تقدمه الدولة من هبات مادية، إنما استندت على تأسيس شركات إنتاج تابعة للقطاع الخاص، وهذا ما عجزت عقلية العاملين في الإنتاج السينمائي العراقي أن تنجزه، فمازالوا حتى هذه اللحظة ينتظرون ما يمكن أن تتفضل به الدولة عليهم من مساعدة مادية لإنتاج الأفلام.

إنتاج هوليوود

في هوليوود عاصمة السينما في الولايات المتحدة الأمريكية، الملاحظ منذ عام 1950 وحتى عام 2024 أن الإنتاج بدأت تتصاعد وتائره سنويا، ليصل في العامين الأخيرين 2023 ـ 2024 إلى ما يزيد عن 2500 فيلم في السنة الواحدة، وتمكنت هوليوود عبر بنية صناعتها السينمائية المتشعبة في فروعها واختصاصاتها، من اكتساح السوق العالمية الخاصة بالأفلام، وأثرّت بشكل كبير على إنتاج معظم دول العالم بما في ذلك الدول الأوروبية، والحديث يطول كثيرا عن الإنتاج الأمريكي بما يحمله من عناصر حيوية من حيث شركات الإنتاج وتكاليف الأفلام وطرق التسويق.

الإنتاج في فرنسا

تعد فرنسا واحدة من أكثر الدول إنتاجاً للأفلام في أوروبا، حيث بلغ إنتاجها السنوي خلال العامين الأخيرين ما بين 300 – 400 فيلم، ورصيدها من الأفلام التي أنتجتها منذ بداية السينما وحتى العام 2024 يصل إلى 16000 فيلم، ويبدو هذا الرقم متواضعا جدا، إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أن السينما ولدت عام 1895 في فرنسا على يد الأخوين لوميير، وكان من الممكن أن يتصاعد هذا الرقم، لولا المنافسة الشديدة من قبل الأفلام الأمريكية، التي تمكنت من غزو أوروبا وأثرت بشكل كبير على مستوى الإنتاج منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لأن فرنسا وكل الدول الأوروبية كانت الحرب العالمية الثانية قد حملتها تركة اقتصادية ثقيلة، لذا لم تكن السينما في أوليات قادتها من السياسيين والاقتصاديين.

الإنتاج في مصر

تعتبر مصر واحدة من أكبر الدول المنتجة للأفلام في الشرق الأوسط، حيث يشكل إنتاجها السينمائي حوالي75 في المئة من إنتاج المنطقة العربية، ومنذ أول فيلم تم إنتاجه عام 1932 وحتى العام 2024 وصل عدد الأفلام المنتجة بحدود 4000 فيلم. والملاحظ أن السينما المصرية خلال هذه الفترة الزمنية الطويلة شهدت تقلبات في وتيرة إنتاجها، والفترة الذهبية كانت ما بين خمسينات وستينات القرن الماضي حيث تراوح إنتاجها ما بين 50- 60 فيلما، واليوم يصل إنتاجها السنوي بحدود 28 فيلما.
وقد أدرك العاملون في السينما المصرية من البداية ضرورة الاهتمام بأولويات هذه الصناعة، فكان تأسيس «ستديو مصر» لإنتاج الأفلام عام 1934 بمثابة نقلة نوعية في صناعة السينما، لأنها وضعت أسس البنية التحتية لقيام إنتاج سينمائي واستمراره، وهذا يعني أن المصريين كان وعيهم مبكرا بضرورة إنشاء قاعدة مادية صناعية لهذا الحقل الفني.

الإنتاج في نيجيريا

لو انتقلنا إلى أفريقيا وأخذنا على سبيل المثال نيجيريا، التي بدأ فيها الإنتاج السينمائي في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات، فإنها تعتبر بلدا حديثا جدا في الإنتاج مقارنة بالعراق. ويعدُّ فيلم «Kongi’s Harvest» الذي أُنتج في عام 1970 من أوائل الأفلام النيجيرية، وكانت معظم الأفلام (نوليوود) في البداية يتم إنتاجها بتمويل من الحكومة وبعض الجهات الخاصة، وتُعرض في دور العرض المحلية فقط، لكن في تسعينات القرن الماضي بدأت صناعة السينما في نيجيريا تأخذ بالنمو من حيث عدد الأفلام وكان ذلك مرتبطا مع ظهور الأفلام المصورة بتقنية الفيديو، لتصبح (نوليوود) واحدة من أكبر الصناعات السينمائية في العالم، فتنتج سنوياً ما بين 2500 -3000 فيلم، وهذا رقم كبير جدا، يعادل عشرين مرة ضعف ما أنتجه العراق خلال 70 عاما، واليوم تحتل نيجيريا المرتبة الثالثة بعد الهند (بوليوود) من حيث حجم الإنتاج السنوي، وبطبيعة الحال كل التقارير تؤكد على أن إنتاج هذه الأفلام يتم بميزانيات منخفضة نسبياً.

طفولة السينما في العراق

نحن الآن في النصف الثاني من العام 2024 وما زلنا نجد المشروع السينمائي في العراق في مرحلة الطفولة، طالما ما يزال ينتظر أن يأخذ مصروفه من والديه، بمعنى أنه لم ينضج، ولم يستطع أن يعتمد على نفسه في تلبية احتياجاته، رغم أنه تجاوز السبعين عاما.
ومتى ما أدرك المهتمون بهذا الميدان أن العتبة الأولى لقيام سينما في العراق، ليست بالاعتماد على هبات الدولة والسلطات الحاكمة (الأب) إنما بالعمل على تأسيس شركات إنتاج تابعة للقطاع الخاص، متحررة من سلطة الأب فكريا واقتصاديا، آنذاك يمكن الاطمئنان على تأسيس قاعدة إنتاج سينمائية تفكر بحرية وحيوية لتطوير نتاجها فنيا، مثلما تفكر في استقطاب الجمهور وتحقيق الأرباح.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية