تعاني معظم النشاطات والفعاليات المعنية بحقول الإبداع الأدبي في جميع الدول العربية، من قلة ومحدودية الحضور، الذي لا يتجاوز أصابع اليدين أحيانًا، وربما أقل، ولا يشذ عن ذلك إلا فعاليات قليلة جدًا، مرتبطة بشخصية المبدع وشعبيته، أو تألقه اللافت، وربما لأسباب أخرى لا علاقة لها بالإبداع، ولكنها تبقى محدودة جدًا ونادرة.
وفي العادة، فإن الهيئات الثقافية التي تنظم هذه الفعاليات الإبداعية، تعلن عنها بطرق تقليدية عقيمة، تعتمد ثقافة الفزعات، وبعضها أقرب للتسول، وتُحمِّلُ العبء الأكبر للمشاركين في هذه الفعاليات بأن يُحضروا جمهورهم معهم، وكأن لسان حالها يقول: «وفرنا لك المكان وأعطيناك الفرصة، فأرنا محبيك ومتابعيك ومريديك»، لأن معظم هذه الهيئات غير معنية أساسًا بالجمهور، ونجاح الفعاليات ووصولها لأكبر عدد ممكن من المهتمين، وغايتها أن تسجل أنها نظمت عددًا كبيرًا من الفعاليات والنشاطات، ولو كانت دون جمهور، لأنها هيئات مخترة ومشيخات، تفتقر إلى الإبداع وإدارة الإبداع وتسويق المبدعين.
ومن المضحك، أن بعض القائمين على هذه الهيئات يبررون قلة عدد الحضور، بأن جمهور الإبداع نوعي نخبوي محدود، ولذا فإن من الطبيعي أو الأصل أن يكون عدد الحضور قليلًا. وهذا المنطق قد يكون مقبولا لو تمت الفعالية في قرية صغيرة، أما في المدينة ـ أي مدينة – فغير مقنع على الإطلاق، وأي مدينة هذه التي لا يتجاوز عدد مثقفيها عشرة أشخاص؟ محدودية حضور الفعاليات الثقافية، أصبح أمرًا مُسلمًا به، ويُتعامل معه على أنه هو الأساس، ولم يعـــد مشكلة تؤرق المثقفين، وينبغي البحث عن حلول لها، لأن هذا أســلم لهم، وأدعى للراحة والكسل، مع ما فيه من خداع النفـــس، وبذل الجهود والنفقات والأوقات، بدون فائدة تذكر، خاصة إذا علمنا أن حضور هذه الفعاليات هو نفسه في معظم الأوقات، قد يزيد مرة أو ينقص حسب الظروف والمشاركين.
مشكلة الهيئات الثقافية إنها لا تفكر خارج الصندوق، بل هي في الحقيقة معزولة عن المجتمع، وتستمتع بانعزالها وتقوقعها، لأنها تظن أنها فوق مستوى العامة، وأرقى منهم، وأنها مصدر الإلهام والتنوير والوعي، وما بقية الناس إلا عوام تائهون. ومعظم المبدعين على هذه الشاكلة، يترفعون عن الناس، ويتوهمون أنهم وحدهم المُبصرون، وغيرهم عمي صم بكم لا يفقهون. صحيح أن معظم الناس مشغولون بلقمة العيش، ويعتبرون حضور الأمسيات الثقافية نوعًا من الترف، أو العبث وإضاعة الوقت، ولكنهم في الوقت نفسه لا يثقون بالمثقفين، ولا يعتبرونهم نماذج صالحة أو قدوات حسنة، بل هم قوم ثرثارون، يقولون ما لا يفعلون، مُغيبون عن واقع الناس ومشاكلهم الحياتية الطاحنة، ولا يجدون منهم دفاعًا عن مصالحهم وحياتهم وحرياتهم ولقمة عيشهم، وهذا خلق فجوة كبيرة بين المثقفين والناس يصعب ردمها، وتقع مسؤولية تجاوزها على المثقفين، بالاشتباك مع الناس وحياتهم ومشاكلهم، والخروج من أبراجهم العاجية، ومخاطبة الناس بما يهمهم ويُشغلهم.
مشكلة الهيئات الثقافية إنها لا تفكر خارج الصندوق، بل هي في الحقيقة معزولة عن المجتمع، وتستمتع بانعزالها وتقوقعها، لأنها تظن أنها فوق مستوى العامة، وأرقى منهم، وأنها مصدر الإلهام والتنوير والوعي، وما بقية الناس إلا عوام تائهون.
إذا اعتبرنا أن المبدع صاحب رسالة ومشروع، فعليه أن يسلك سبيل الرسل في الوصول إلى الناس، فالرسل عليهم السلام لم يجلسوا في بيوتهم انتظارًا للناس أن يأتوهم ويؤمنوا برسالتهم، بل خرجوا إلى الناس في بيوتهم وأعمالهم ومراعيهم، يدعونهم ويحاورونهم، وما آمن معهم إلا قليل، فهل ينتظر المبدع أن يؤمن به الناس، وبما يكتب وهو قابع منتظر في هيئة ثقافية أو في بيته؟ لا يستطيع المبدع كفرد أن يخرج إلى الناس، ولكن هذه وظيفة الهيئات الثقافية، التي تحتضن هؤلاء المبدعين، إذ عليها أن تخرج من قوقعتها، وتتمرد على أساليبها التقليدية البالية، وأن تخرج للناس في أماكن تجمعاتهم، بالتنسيق مع القائمين عليها. تستطيع الهيئات الثقافية أن تتفاهم مع المدارس والجامعات، لعقد صباحات ثقافية للطلبة، أثناء الدوام الرسمي، والتنسيق مع الأندية والجمعيات، لعقد فعاليات ثقافية لجمهورها ومنتسبيها، وتتواصل مع الروابط والديوانيات العشائرية والقروية، لتنظيم فعاليات ثقافية في الأوقات التي تناسبهم، وبالإمكان أيضًا بقليل من الشجاعة تنظيم فعاليات ثقافية في الأماكن العامة كالحدائق والملاعب والأسواق والشواطئ والمقاهي، فجمهورها مهما قلَّ سيكون أكبر من عدد حضور أي فعالية في مقرات الهيئات الثقافية! كما يمكن عقد فعاليات ثقافية في المساجد والكنائس مع مراعاة خصوصيتها، وكذلك تنظيم نشاطات ثقافية في دور الأيتام ورعاية المسنين وفي السجون ، وهذه أماكن تعاني أصلًا من فراغ كبير، وسيرحب نزلاؤها بأي نشاط يخفف من وحدتهم وفراغهم، بل سيكون نشاطًا نوعيًا قد يغير حياتهم، أو على الأقل سيكون مؤثرًا بلا شك. وأظن أن الشركات والمؤسسات والمصانع وغيرها لن تمانع بنشاط ثقافي مرة على الأقل في العام، ولو من باب «البرستيج»، بل إن هذا من مصلحتها، لأنه سينعكس إيجابيًا على العاملين وزيادة إنتاجيتهم وارتباطهم بمكان عملهم.
ما أعنيه في النهاية، أن تخرج الهيئات الثقافية ومنتسبوها من دوائرهم المغلقة، ويمزقوا شرانقهم التي طال أمدها، ويخرجوا للشمس وللهواء الطلق، حيث يتواجد الناس، ويشاركوهم همومهم وآمالهم وآلامهم، وعندها سيسمعهم الناس وينصتون إليهم، وسيجدونهم أكثر حرصًا ووعيًا وتفاعلًا من أقرانهم المتكلسين في مقرات الهيئات الثقافــية، لأن هؤلاء الـــناس ما زالــــوا على فطرتهم وعذريتهم الثقافية، لا يعرفون النفاق ولا المداهنة وفن التسحيج، سيتفاعلون مع الجيد فقط، ولن يتورعوا عن وصف الرديء بالرديء. هي مجرد أفكار قابلة للتطبيق لمن يبتغي أن تصل رسالته لأكبر شريحة ممكنة من الناس، ولن يخسر من جرب وحاول. أما من يراها أفكارًا خيالية، فليتدثر جيدًا، وليكمل نومته، وليستمتع بالأحلام.، ونومًا هنيئًا لكم ولأطفالكم.
٭ كاتب أردني