لم يبق سوى حوالي الشهر عن الانتخابات، التي يود النظام تنظيمها في الجزائر، ويُسابق الوقت من أجل تمريرها، بينما يخرج الناس، كل جمعة، إلى الشارع، مرددين شعارات رافضة لها. بين الطرفين، تظل الاحتمالات واردة، وفي حال سارت الأمور بمشيئة النظام فلن يحكم البلد، مستقبلاً، سوى واحد من خريجي النظام السابق، لن يجلس على الكرسي مرة أخرى سوى سياسي آخر، فمتى يمكن أن نُشاهد مثقفاً يصير رئيساً للجزائر؟ قد يبدو هذا الطموح عبثياً، وغير وارد في الأذهان، لكن معاينة تاريخ البلد، ومقارنته بمسارات دول أخرى، تجعل منه طموحاً مشروعاً، فمثلما ترأس الكاتب والمسرحي فاتسلاف هافل جمهورية التشيك في سنواتها الأصعب، وسهل انقسامها عن سلوفاكيا، وانسلاخها من الاشتراكية والسوفييتية، يحق للجزائر أن تحلم بكاتب يخرجها من أزمتها إلى النور، لكن كيف حال المثقفين الآن؟ وما هي فرصهم في حال انخرطوا في السياسة؟
من إفرازات الحراك الشعبي عودة «شيطنة» المثقفين، إعادة وصلهم بالسلطة، واتهامهم بمحاباتها، وفصلهم عن الشعب، حتى صارت كلمة «مثقف» في الجزائر أقرب إلى الشتيمة، وهذا المنطق له ما يبرره، بسبب تخاذل بعض المثقفين، آخرهم رشيد بوجدرة، الذي لم ير ضرراً، في كتابه الأخير «زناة التاريخ» من التفاخر بعلاقته الطيبة مع شقيق الرئيس الأسبق عبد العزيز بوتفليقة، إضافة إلى ذلك أن الجزائري تعوّد ـ دائماً ـ على الطرق المختصرة، لذلك يميل إلى تعميم الآراء، ولا يرى حرجاً في تعميم «الخيانة» من مجرد سقطة مثقف واحد.
لقد تحول المثقف، شيئاً فشيئاً، إلى ما يُشبه «المصران الأعور» في جسد الإنسان، الذي يمكن أن يستأصل بدون أن يؤثر ذلك على وظائف البدن البيولوجية الأخرى، وساد اعتقاد أن الجزائر باستطاعتها أن تواصل سيرها بدون الحاجة إلى كتّاب أو مثقفين، صار بالإمكان أن تنفجر فضيحة ثم تطوى في اليوم التالي، لكن إذا كان بطلها مثقفا فسوف تستمر إلى أجل غير مسمى، في ظل هذا المشهد المتحامل أمسى المثقف مطالباً أولاً بتبرير وجوده، أن ينفض الغبار الذي علق بسيرته، أن ينصّع صورته، قبل أن يفكر في ممارسة السياسة وكسب إجماع الناس وتقبلهم له.
الجزائر ليست استثناءً في ازدراء المثقفين، فقد عرفت تشيكوسلوفاكيا حالة مماثلة، في سبعينيات القرن الماضي، هيمن الحزب الشيوعي على مفاصل الدولة، وكان قاسياً في سجن ونفي المثقفين، وفي أحسن الأحوال، عندما يرأف بهم، يمنع عنهم الكلام، سيطر السوفييت على البلد ولجموا صوت كل مُعارض، وصار المثقفون نكتة بين ألسنة الناس، عاجزين عن كسب ثقة حتى المقربين منهم، وفي خريف 1989، انطلقت ما أطلق عليه «الثورة المخملية»، التي سطعت بسلميتها خلافاً لكل التوقعات، في سيناريو ومجريات تشبه الحراك الشعبي في الجزائر، الذي انطلق في 22 فبراير/شباط الماضي. أسقطت تلك الثورة النظام الشيوعي مثلما أسقط الحراك النظام البوتفليقي، تحولت ساحة «شكروبوفو» في براغ إلى نقطة ثقل الثورة، مثلما هو عليه الحال في ساحة البريد المركزي، في الجزائر العاصمة، ولم يبق النظام الشيوعي مكتوف الأيدي، من بين القرارات التي سعى إليها حينذاك هو قطع بث محطات إذاعية أجنبية، كما نلاحظه الآن في الجزائر، حيث صرح مسؤولو قنوات فضائية، تبث من الخارج، أن النظام تدخل قصد منعهم من البث، كما شاركت في الثورة المخملية طبقات المجتمع، العاملة منها والعاطلة، يحصل الأمر كذلك في الجزائر، إن الشبه بين ثورة التشيك والحراك في الجزائر، لا يخفى على الأعين، بلدان بتاريخين متشابهين، وبثورتين انطلقتا للأسباب نفسها، وللغايات ذاتها، سمحتا لشعبين باستعادة الثقة في النفس وكسر جدار الخوف، الذي شيدته أنظمة أحادية سابقة.
الجزائر ليست استثناءً في ازدراء المثقفين، فقد عرفت تشيكوسلوفاكيا حالة مماثلة، في سبعينيات القرن الماضي، هيمن الحزب الشيوعي على مفاصل الدولة، وكان قاسياً في سجن ونفي المثقفين
في تلك الأثناء كان فاتسلاف هافل (1936-2011) اسماً رائجاً في التشيك، اشتهر بمعارضته للنظام الشيوعي المنتهي، عانى من الرقابة والتضييق ومُنعت مسرحياته من العرض، ما اضطره في سنة من حياته للاكتفاء بالعامل كنادل في حانة، كي يكسب خبز يومه، مع ذلك لم يتنازل عن خياره في الانحياز للشارع، وتحول مع الوقت إلى مناضل في حقوق الإنسان، ومعارضاً أيضاً للإصلاحيين في الحزب الحاكم، كان راديكالياً في مواقفه، وصوته يصدح في الأوساط الثقافية اليسارية، بين السبعينيات والثمانينيات، زج به أكثر من مرة في السنة، وفي فبراير 1989، بينما الثورة تقترب دخل السجن مرة أخرى، ولم يخرج منه إلا بعد ثلاثة أشهر من ذلك التاريخ.
تصدر الكاتب والمسرحي فاتسلاف هافل الصفوف الأولى في الثورة المخملية، وكان سبباً في مصالحة التشيكيين مع المثقفين، الذين طالما نُعتوا بأسوأ الأوصاف، سار مع الثوار من مواطنيه، وكان يقضي يومه في الشارع، ولم يتردد أولئك من رد الجميل له، بهتافاتهم التي تدعو إلى دعمه في حكم البلد، وذلك ما حصل فعلاً في ديسمبر/كانون الأول من العام ذاته، حظي البلد بأول رئيس مثقف ومستقل، قاد إصلاحات مهمة في الإدارة، وأخرج البلد من أزمته، ثم قاد الانفصال عن سلوفاكيا، صحيح أنه على الصعيد الخارجي تبنى مواقف ليست مشرفة دائماً، لكن يُحسب له ترتيب البيت التشيكي، ومصالحة الناس مع مثقفي بلدهم، بعدما كان الأمر يبدو مستبعداً، فماذا ينقصنا في الجزائر كي نرفع مثقفاً مرتبة الحكم، ويقوم بمثل ما قام به الكاتب فاتسلاف هافل؟
في ظل الحال غير الثابت، الذي تعيش فيه الجزائر، يصير المثقف ملزماً بالانخراط في السياسة، ليس من أجل أن ينوب عن السياسي، بل بقصد تقويم الوضع في هذه المرحلة الحاسمة، من أجل أن يقود التحول المرجو، مسؤوليته ألا ينصاع للسياسيين الحاليين، ويُمارس حقه في نقدهم بعقلانية، لكن هل يجدد الشارع ثقته فيه؟ هل نأمل بأن يترأس الجزائر مثقف، ونكتب نص «من أجل الغد»، كما كتبه فاتسلاف هافل، معلناً عن الثورة المخملية في براغ؟
٭ كاتب من الجزائر