البربر وقريش ومن عاصرهم… فتيل الهوية الملتهب شهر التراث على مفرش صيني في الجزائر

يعتبر اشعال فتيل الهوية بين الجزائريين، وفي زمن الحراك هذا، عبثا وحالة غثيان سياسي لإشعال وسائل الإعلام المختلفة، وبروز خطابات الكراهية على الفيسبوك لدرجة مقززة.
بين حوار انفصالي مهني عبر السكايب وطلبة جامعة مولود معمري في تيزي وزو من جهة ورحلة نعيمة صالحي ومرافقيها لولاية الجلفة علها تجد بقايا قبائل قرشية، إبحار في مستنقع يغرق الجميع لولا يقظة المجتمع، الذي لا يؤخذ رأيه في المسائل الهامة، فقط يركب كمطية سلسلة مرنة لسياسيين مدججين بالأموال والولاءات المشبوهة.
ماذا يعني القول إن القبائل محتلون؟ خبل. وماذا تعني إثارة العرب العاربة أو المستعربة لمواجهة مد القبايل الآن؟ انسداد أفق وشرايين.
ثم من هؤلاء ليضعوا أنفسهم فوق الشبهات وفي قلب كل الشبهات. في كل مرة تخمد نار الفتنة الثقافية والطائفية، كما اشتعلت، فتيل يضيء الليل ويؤجج الأوهام والفتن، ثم يطفأ بانبلاج الصبح، الذي لا يدع مكانا لهوامات العصابيين. بركات الحراك أن تحسم فعلا هذه القلاقل الملصقة بالهوية قسرا، وفعلا شعار «خاوة خاوة» يسع الجميع ويكون نابعا من قلب المصلحة الجماعية، بغض النظر على رؤية السياسي والايديولوجي والمثقف نص نص، الذين ينغصون نعمة العيش المشترك، والمؤانسة، التي تبني مجتمعا متنوعا، دون تفاضل لوني ولغوي وجهوي.

موريتانيا بين وهج الدبلوماسية وعناء الحراطين

يحدث في موريتانيا أن يخرج الشعب بأطيافه وألوانه السياسية والثقافية في مايسمى بـ«مسيرة ميثاق الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية للحراطين» في انواديبو، وهي مسيرة سنوية في تاريخ التاسع والعشرين من أبريل/نيسان، وذلك للتذكير بالمطالب التي جاءت في وثيقة الميثاق، التي صدرت عام 2013 وهي «تسعى لتحقيق العدالة والمواطنة الحقة القائمة على المصارحة والمصالحة وتسعى كذلك لوجود موريتانيا كدولة مستقرة، وهذا الاستقرار لا يمكن أن يتحقق بدون حل شامل لمشكلة الحراطين».
وبمثل هذه الاحتجاجات السنوية، التي تقر تباينات الأصول والتمييز بينها في الفرص السياسية والاقتصادية والاجتماعية تبقى موريتانيا قابعة فوق بركان خامد، أو على رماد حارق. ومشكلة الحراطين من المشاكل المسكوت عنها في بقية الدول المغاربية، واعتبارها من التابوهات الاجتماعية قبل أن تكون سياسية، لأنها تشكلت في ظروف تاريخية غير واضحة في هذه المجتمعات.
وحتى لفظ حرطاني لم يبت في أصله ومعناه، وبقي متأرجحا بين معنى سلبي محقر في مقابلته بالحر، أي عبد، ولفظ يحاول إخراجه من العبودية، والقول إنه كلمة مركبة من «الحر الثاني». والكلمة أمازيغية تطلق كذلك على الأشجار المثمرة، كشجرة الزيتون، بين تلك الأشجار ذات الثمار الجيدةأواشجار الحرطاني، ذات النوعية الرديئة. ومهما يكن من أمر فتاريخهم مختلف هنا وهناك في البلدان المغاربية، لكنهم يشتركون في أنهم في فلك واحد والعبيد وهذا مؤرق جدا للجميع.
الشجاعة في موريتانيا أنهم فكوا طوق الصمت الحديدي المضروب على هذه المشكلة القديمة، التي ما زالت تبعاتها قائمة وآثارها بادية على كل مستويات الحياة في موريتانيا. فهل بروز موريتانيا كوهج دبلوماسي وسياسي في السنوات الأخيرة خطوة لتحسين الصورة الخارجية للبلد، كمن ينطبق عليه المثل: «ياللي مزوق من بره واش حالك من داخل»، كما يعتبر خطوة لإخراس الانفجارات الداخلية ولإحداث صمم عالمي عليها. لتصبح الصورة أكثر بهاء لا بد من حل جاد لمشاكل الحراطين ومن حذا حذوهم من المهمشين واعتبارهم قوة لا يستهان بها على مختلف المستويات لتستعيد موريتانيا وهج ألوانها ونبضها في افريقيا والمغرب.

محرمة (منديل) الكادحات: دعاية سياسية وإعلام مرفه

جرت العادة أن يضع سكان المناطق الشرقية في الجزائر، كمناطق برج بوعريريج وسطيف، وربما مناطق أخرى من الجزائر إلى تونس العميقة، رايات خضر، لإعلام السكان بوجود عرس، وخاصة ختان الأطفال. كما يلف رقبة الصغير منديل أخضر ببعض الموتيفات البيضاء والسوداء، يطلق عليه فولارة الشامي، ربما لقدومها من بلاد الشام.
وبتقاليد الإعلان عن الأفراح نفسها، رفعت هذه المرة مناديل «شهيدات الخبزة» على مساكن منطقة مغيلة التابعة لسيدي بوزيد في تونس، لتأبين الفقيدات، وقلب علامة الفرح إلى علامة حداد عميق.
وكذلك تظاهر التوانسة بالمناديل للتنديد بالحادثة وظروف العمل المزرية. لكن لم يتوقف الأمر عند البعد المؤلم للحادث وغياب تنمية المناطق الهامشية، وانعدام تكفل سياسي لسكان المناطق الهشة. بل أخذ المنديل أبعادا أخرى تروج للسياسة والظهور الإعلامي، والذي لاقى استنكارا واستهزاء على مواقع التواصل الاجتماعي. بين مناديل بقيت صامدة بعد فناء صاحباتها، وبقيت معلقة بألوانها على الأشجار والأسوار لتذكر بأحداث متناقضة، مؤلمة ومفرحة، متفائلة ومتشائمة. ظهر رمز المنديل بألوانه الزاهية، الذي وشح جميع رؤوس أمهاتنا، وكان علامة تجارية مرغوب فيها ومحببة، لدواع استعمالية سهلة. المنديل الوثن الأصم عند البعض، «ال فتيش» هو حكاية شجن وفرح وأرق وانتظار، ونهوض مبكر، يحمي من البرد والحر وحشمة زادة. ليس كمن تضعه برقبتها وتتوشح به تحت قمصان وجاكيتات ممضية من أعتى دور الأزياء ويتحول عرق العاملات الى مسبح من عطور فاخرة: «وراسك مش نفس الفولارا. هاذيك فولارا مبلولة بعرق الناس الشاقية والتاعبة وريحتها بالغبرة والتراب متاع السواني. وانت فولارتك مبلولة بالبارفان السينيي (الممضي بعلامة عالمية) اللي بمليون وأكثر. دونك حكاية فارغة لغة خشبية وياسر شعبوية يا مادام». هكذا علق على ارتداء أمينة سطا للمنديل كلفتة تضامنية منها مع ضحايا القوت عسير الهضم. وهي عضو المجلس البلدي في الوردانين، في ولاية المنستير وكانت قد شاركت تقديم برنامج «فليسقط القناع» على قناة «الحوار» التونسي. والسيدة تعيش حياة مترفة، كما تناقلتها وسائل التواصل الاجتماعي. يصبح الألم شيئا غير ذي قيمة، فقط مجرد سبق إعلامي وبهرجة سياسية. ظهرت صورة رجل يضع المنديل على رأسه ويلف ذقنه به، وليس به وجع أسنان أو ألم رأس، بل حملة انتخابية على أرواح وضحايا بشرية هشة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. كمن يشرب دماء الأحياء ويكسر عظامهم. ومع مرور الوقت تأخذ الأشياء قدسيتها وتتهيكل في معابد السياسة وتصبح خطابا قد يجني ثماره.
والمهم أن الرموز تستعمل لتفصح عن مواقف وبطولات تعود على الأقوياء بالفائدة. وكما في السياسة، يستغل التجار المواقف، فيحولون كل المواقف والانتفاضات لتجارة رائجة، انطلاقا من بيع الرايات الوطنية وغير الوطنية وطبع رموز البلد وثوابته وقيمه على القمصان، والـ»تي شورتات». كما حدث وما زال يحدث في حراك الجزائر. ولكلّ ليله وليلاه.

شهر التراث: بدون رعاية سامية

بعد زعزعة الحراك للنظام ورفض الشعب لحكومة وقبلها الاطاحة بالرئيس، جاء شهر التراث هذا العام فاترا باهتا، وهو الشهر الذي كان يرفع شعارات، لم تكن فعالياته بحجمها بالرغم من كل ما يرصد له من إشهار وأموال وخطابات رنانة تتكرر وتتكاثر كالنقر على خشب ميت. شهر التراث بدا يتيما بدون رعاية سامية من فخامة رئيس الجمهورية ومعالي وزير الثقافة، لذلك لم يحظ بكل أدوات الإعلانات والعروض والمهرجانات والمؤتمرات. هكذا هو حال الثقافة والتراث عندما يكبر فقط بوازع سياسي، وليس بدافع نابع من انشغالات مجتمعية وفكرية تهيكل الفعل الثقافي وتسير تراث الأجداد وتهيء له ظروف الاستمرارية التلقائية، لتحدث التنمية المطلوبة، وليس تشكيله تشكيلا يخضع لدواع سياسة داخلية وخارجية. أمن السهل أن تفتر الهمم وتذبل أوراق الثقافة ويصبح التراث مشاهد متكررة بائسة، وعبثا تحاول وسائل الاعلام الاثبات بأننا قارة جغرافيا ومناخيا وتراثيا.
شهر التراث، قدم هذا العام الاستثنائي على مفارش صينية رديئة الصنع في غياب الفخامات السياسية وفرملة نسبية لتجار التراث ومسيري خيوط اللعبة كلها من يصدرون الأوهام والمشاريع الخيالية للمجتمع. وممن تموقعوا في زمرة الفساد العامة وبزنسوا بتراث المجتمع وسطوا على كل مقوماته لأغراض غير حميدة.

كاتبة من الجزائر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية