العوالم السردية صياغات واقعية تريد أن تحقق اليقين الخيالي بإزاء اللايقين الحياتي، وبهذا يصبح” التخييل السردي أكثر طمأنينة من الواقع” كما يقول امبرتو ايكو الذي يرى أن هذه الطمأنينة هي نتاج سرديتين تخييليتين الأولى طبيعية مرتبطة بالفعل الذي يحكي سلسلة من الأحداث التي وقعت فعلا أو يعتقد المتحدث أنها وقعت أو يريد أن يقنعنا أنها وقعت فعلا، والسردية الثانية اصطناعية تتشكل من التخييل السردي فهي تتصنع قول الحقيقة أو تتحمل مسؤولية قول الحقيقة في إطار كون خطابي تخييلي.
والشكل الاجناسي الناتج من السردية الطبيعية هو رواية تاريخية، والشكل الاجناسي الناتج من السردية الاصطناعية هو رواية واقعية، لكن ما بال الرواية وقد جمعت السرديتين معا؟
إن الشكل الاجناسي الذي يتحقق من الجمع بينهما هو “رواية التاريخ” التي فيها يتم استثمار التاريخ والتخييل داخل بروتوكول يضمن للرواية تشييدا جديدا للعالم من خلال هيكل سردي معين. وهذا ما نجده في رواية “أحمر حانة” التي يقوم بروتوكول مخيالها السردي على هيكلية التشييد للعالم بالمقلوب، وبصيغتين:
الأولى / التشييد الموضوعي عبر التداخل بين الماضي الزاهي بالتلفيق والحاضر المستلب بالغموض، والقصد إعادة كتابة التاريخ الرسمي، من خلال إجبار المؤرخ ابن الأثير على كتابة تاريخ آخر عن بغداد يسميه “الفرهود في زمن الصيهود” كبديل عن كتاب “الكامل في التاريخ”.
الثانية / التشييد الشكلي في تأثيث المكان السردي مرة ككابوس مرعب يعج بالفانتازيا ومرة أخرى كغابة، وما يضمن للانقلاب الديمومة السردية هو عدم إمكانية القارئ الخروج لا من الكابوس ولا من الغابة، وقد تداخل التاريخ بالحاضر والتشييد بالتأثيث، فلا مستقبل له حضور واضح ولا رؤية للعالم تتخلص من متاهة الغابة وتفاهة الكابوس.
وما يضمن لهذا البرتوكول السردي السيرورة، توظيف المتعالقات النصية من إهداء مكاني “إلى مدينة ان لم تدخلها فكأنك لم تر الدنيا” واستهلالات شعرية تفتتح بها الفصول الغاية منها تعضيد سيميائية العنوانات الفرعية (“انت تقف عند رسم دارس” أو “غمرات ثم ينجلين” أو “قبل البكاء كان وجهك عابسا” أو “أتى لبد على من أبد”) ضمن هيكل سردي لعالم ذي طبقتين: طبقة خارجية هي الشوارع والمحلات والدور والجوامع والأسواق وطبقة داخلية هي الحانات والقيعان والحمامات والسراديب والخرائب والكهوف، وما يقلب هذا التشييد للعالم من صورته الطبقية إلى صورته الاستدارية هو الهستوغرافيا بمفهوم هايدن وايت التي تجعل المدينة مدورة فيها المدخل هو المخرج، ونقطة الابتداء هي نفسها نقطة الانتهاء.
وبهذا القلب تتم إعادة كتابة التاريخ، ولا يخفى أن في هذه الاستدارة فلسفة، فقد كان بارميندس يقول إن العالم كرة ثابتة وممتلئة، ويشرح غاستون باشلار في كتابه جماليات المكان ذلك كالآتي” عندما يقول لنا فيلسوف ميتافيزيقي أن الوجود مدور فهو يخلخل كل المعطيات السيكولوجية في وقت واحد انه ينقذنا من الأحلام والأفكار أي أننا لن ندرك الاستدارة إلا بالتأمل الظاهراتي. وأنه بالاستدارة نؤكد وجودنا بحميمية في الداخل لان الوجود حين تعاش تجربته من الداخل ويصبح خاليا من كل الملامح الخارجية يكون مدورا”.
ولو افترضنا أن العالم كان حلزونيا أو مربعا أو مثلثا أو مستطيلا لكان الوجود باديا عند نقطة من الخارج غير واصل إلى نقطة مركزية، وهذا ما يفقد المكان الحميمة والسبب الامتداد الدائم إلى الأمام مع السعة في هذا الامتداد. وبهذا التفسير الفلسفي للاستدارة يصبح للمدينة المدورة سمة كونية. والاستدارة تجعل النظر بالمقلوب ممكنا، فيغدو الداخل هو الخارج فالخرائب والجوامع والحمامات والحانات والأقواس العباسية والعثمانية والأسطح المثلومة تتداخل في بعضها بعضا عبر مطاردات وهمية في أمكنة هي عبارة عن فراغ ودوامة وهذيان بألعاب نارية ولقاءات غرائبية.
وفي هذا القلب سريالية تجعل كل شيء مقطوعا عن الآخر، فالصوت السردي المتكلم يتقاطع بالصوت السردي الغائب كما يقطع الوصف المكاني المونولوج الداخلي “ارتسمت في مخيلتي مثلمة الأطراف حالما انتصب على ساقي اليمنى تبدو الأقواس مستوية بيد أنه عند الميلان على الساق اليسرى …تصير البنايات مثلومة الأطراف أو على الأقل تبدو مائلة مما يحيد بي أن أمد لساني مقلدا فحيح أفعى” الرواية، ص10.
ويسهم توظيف الكولاج في تعميق الترميز الانقلابي الذي يجعل العالم مشيدا من اشياء تستحضر استحضارا حدسيا ليس فيه لفعل الذاكرة دور. ولهذا لا تطابقية بين الأوصاف المكانية المنقولة بعين ادريس الناسك عن الجوامع والمنارات والصوامع والتكايا والحمامات، وبين الأوصاف المكانية التي تنقلها لنا عين ادريس الطائش عن الجيف والأسواق المتهرئة والروائح النتنة والأسطح المثلومة والخرائب.
ولا يقتصر تشييد العالم بالمقلوب على سيرلة المكان والزمان والمسرودات؛ بل يشمل سيرلة السارد نفسه الذي ينشطر إلى كيانين الأول إدريس الفتى طائش والعريف الهارب الذي يطارده إخوة الكهف الذين جاءوا من قلب التاريخ يبحثون عنه، والموعود بالعقاب بصندل أحد الأخوة وهو الكيان الثاني للسارد واسمه ادريس العاشق الذي قدم من مدينة الاسكندر (خاراكس) متجولا في بغداد التي اندمج ماضيها بحاضرها. والمفارقة أن كليهما سيكونان مطاردين من قبل العرجاء الباحثة عن زوجها الهارب، وقد اندمجت لديها صورة ادريس الطائش بصورة ادريس العاشق وهذا ما يعمق التشييد بالمقلوب فتغدو الرواية متاهة.
وبالرغم من أن السارد الأول مطارد تاريخيا من قبل السارد الثاني؛ فإنه يتولى حكاية التاريخ شفويا بنفسه، معيدا بناء الحادثة لعله يصل إلى طريقة مضبوطة وصحيحة، تجعله يفهم طلاسم الحياة.
ويصنع هذان الادريسان السردية الطبيعية التي تجعل العالم المدور متاهة ستوازيها سردية اصطناعية بطلتها العرجاء التي ستتولى سرد جزء من الرواية بنفسها، وقد انقلبت لديها صورة زوجها الهارب من الفتى الطائش إلى الفتى الناسك كما تنقلب هي نفسها إلى حدأة تطير وتستبق مستقبلها الأليم الذي فيه ستكون عرجاء بوجه بشع ذي أخاديد.
وهذا ما يجعل الرواية منطوية على مفارقة سيميائية بدءا بلوحة الغلاف التي فيها يظهر الظل الأسود لامرأة تتلفع بعباءة متجهة صوب مستقبل ليس فيه إلا الصحراء وآبار النفط المشتعلة كترميز للمدينة التي تريد استعادة بداوتها، ثم بنية الإهداء التي تعزز هذه الرمزية (المدينة/ المرأة) ووصولا إلى الحال الذي فيه صارت المدينة الفرهود هي المرأة العرجاء. وقد تغير كل شيء فيها وصار مشوها.
وتُحدث هذه الصورة للمدينة/ المرأة خرقا في التأثيث الذي سيبدو مثلوما، وقد شمل الأمكنة البغدادية كلها قديمها وحديثها (التويثة وباب السيف وجسر المأمون وباب الشط وجامع القصر وباب كلوذا والرصافة والكرخ) ويسهم هذا الثلم المكاني/ التشويه والتلاعب التاريخي/ الفرهود في جعل بروتوكول تشييد العالم بالمقلوب معمما على الهيكل السردي الكلي للرواية، كما في هذا المقطع الذي يكشف فيه السارد العليم عن بواطن المؤرخ ابن الأثير الذي لم يفاجئه حال هذه المدينة ماضيا وحاضرا: “لم يبد الكثير من الأهمية للطريقة التي يحدث فيها الفرهود فهو مقتنع بأن الصورة التي تتحرك أمامه هي ذاتها المختزنة في الذاكرة. لهذا وصل إلى معادلة غاية في الطرافة، ما يجري ليس بجديد وانه لم يعش زمنين منفصلين بل هو حدث واحد ما زال متسلسلا” الرواية، ص190.
ولأجل إنهاء الرواية يقترح السارد ثلاثة مخارج تصب في البروتوكول نفسه، ففي المخرج الأول يقرر ابن الأثير أن تتبعه للفرهود “كان مثل المدينة المدورة يبدأ في نقطة ثم يعود إليها ثانية” الرواية، ص191. أما المخرج الثاني فينطوي على مفارقة ساخرة وقد التقى الادريسيان في مطعم خان دجاج، بينما المؤرخ ابن الأثير يرقبهما من بعيد ليسجل الواقعة “هيئته تختلف كثيرا عن الآخرين هو يرتدي قميصا بنصف كم وبنطلونا متهرئ الأطراف …ما أن تخطاني ببضع خطوات حتى أخرج كتيبا من جيبه ودون ملاحظة فبادر تجنبا لما لا يحمد عقباه ..بالتعريف بنفسه :
ـ انا ابن الأثير أُلف كتابا عن الفرهود “الرواية، ص184ـ185 معيدا كتابة تاريخ المدينة/ بغداد الذي لم يعد كاملا بل مثلوما”.
أما المخرج الثالث فيذهب إلى أن المدينة المدورة ستصمد أمام الفرهود بطريقة سحرية أساسها الهذيان والدوران، فتبدأ عظيمة في نقطة لتمر بعدها بنقاط احتراق وقتال وصخب لتعود إلى العظمة التي كانت قد بدأت منها، والادريسي الفتى الناسك يتبتل وقد أدهشته طلاسم المدينة التي ليس لها مثيل إلا في الحكايات الرومانسية الغابرة.