«البطل ما بيموت» عرض مسرحي يستعيد سيرة جيلين فلسطينيين في مسرح المدينة عوض عوض: «جدي منصور» أمضى عمراً بحثاً عن وطنه… نتمسك بحقنا حتى عودة الوطن

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»:سيرة غنية ذات أبعاد درامية نضالية مشوقة. «البطل ما بيموت» مسرحية تنقل مواقف وخيوط متشابكة في حياة الإنسان الفلسطيني اللاجئ في لبنان، بدءاً من «الملحفة الزرقا» وصولاً إلى حدود فلسطين، ساعة ونصف الساعة جسّد فيه الكاتب والممثل عوض عوض أكثر من شخصية، إنها سيرة الفدائي التي عشناها بشخصية «جدي منصور»، المتميز بعقل خلاّق، تُشكّل بحد ذاتها كتلة بطولات «فدائية» من زمن مضى. بطولات تفرح قلب كل لاجئ يتوق لتنشّق رائحة تُراب بلاده.
عوض عوض في مونودراما مسرحية لا يمثّلها بقدر ما ينقلها إلى المتفرجين بمشاعر اختبرها، أو وصلته بالتواتر كونه من مواليد العام 1993. حينها كان العمل الفدائي قد انكفأ من لبنان لينتشر شتاتاً جديداً بعيداً من تخوم البلاد. ولد عوض وعاش في مخيم عين الحلوة، سرديته المسرحية الجديدة تقول بأنه يمثّل الجيل الرابع في الشتات، فمع «سيدي اسماعيل» سُطّرت بداية اللجوء من بلدة السميرية في قضاء عكا إلى لبنان.
محطات درامية نضالية حبكها عوض في نصّه، وغالباً ما انتشر من خلالها تقدير عالي لذاك النضال إيماناً بأنه السبيل نحو الوطن. نص طعّمته أحياناً لحظة كوميدية معجونة بحزن متراكم.
«البطل ما بيموت» سيرة تكشف حجم التداخل والتشابك اللبناني الفلسطيني حينها، والقناعة التي حكمت سلوك كثيرين بأن فلسطين المحتلة من الصهيونية قضية عربية جامعة. محطات تلاحم وتساند، تخللها موقف حكيم من «سيدي اسماعيل»، يُنهي «جدي منصور» عن المشاركة في احتلال الدامور خلال الحرب الأهلية اللبنانية سنة 1976 «هاي الحرب مش حربنا يابا».
ديكور «البطل ما بيموت» لوليد مخيلة عوض، بسيط ومتحرك وسهل التنقُّل. مجموعة متداخلة من القساطل، إلى مجموعة من الأقمشة، والكوفية تحصيل حاصل، وكذلك الحطّة.
«البطل ما بيموت» واحدة من السير الفلسطينية تخرج إلى الجمهور من خلال فن المسرح المؤثر، استضافها مهرجان المسرح العالمي في فنزويلا في أربعة عروض لاقت ترحيباً وتشجيعاً، وفائض حب ودعم لشعب سُلبت أرضه وشرّد، وما زال يُعاقب بالمجازر غير المسبوقة. «البطل ما بيموت» من توقيع المخرجة علية الخالدي، والمخرج المساعد محمد طارق المجذوب، وتقديم «فضاء: مؤسسة فنون المسرح العربي».
«البطل ما بيموت» بدأت عروضها في بيروت في مسرح المدينة يومي 24 و25 أيار/مايو، على أن تُحدد مواعيد لعروض مستقبلة قريباً.
هنا حوار مع عوض عوض:
○ تُقدّم مسرحية «البطل ما بيموت» في مرحلة سياسية يجهد ابطالها للإقفال بالشمع الأحمر على ماضي النضال الفلسطيني. ماذا يقول لك هذا الحاضر؟
• رغبت بتسليط الضوء على مرحلة وفكرة الفدائي، هو جزء من تاريخنا يواجه سعياً متواصلاً كي ننساه، عبر طمسه، جزء من تاريخنا لم ولن يُقفل عليه بالشمع الأحمر. الفدائي حي ولن يموت، تختلف التسمية ويبقى العمل الفدائي قائماً كما مناطيد السابع من اكتوبر. يختزل الفدائي فكرة النضال من أجل الوطن، وهو الفعل الأسمى في العالم.
○ مقابل سلوك الطمس والنسيان بحق الفدائي تحاول القول إنّ دوره كان سامياً؟
• لكافة الشعوب على وجه الأرض كتاب تاريخ يُعبّر بشكل أو بآخر عنها. في فلسطين تجمّد كتاب التاريخ الخاص بوطننا عند سنة 1948. برأي للفن دوره في تأريخ المراحل التي مرّت بها القضية الفلسطينية، دور يتمثّل بالسينما، والمسرح والشعر والفن التشكيلي والرواية، وغيرها من أنواع التعبير. نحن في فلسطين ممنوعون من كتابة تاريخنا وتدريسه للأجيال كما سائر شعوب الأرض، والمحتل أجبر الفلسطينيين على دراسة كتاب تاريخ كتبه المستعمر، دورنا حفظ قضايا الشعب الفلسطيني وتأريخها بكافة الأشكال المتاحة.
○ كم أنت متحمس لجديدك ونحن في أصعب مراحل القضية الفلسطينية؟
• إننا محكومون بالأمل، ولا خيار لنا سوى رؤية طريق ما لتحرير فلسطين، وعودتنا إلى بلدنا آتية من دون شك. الحرية والتحرير آتيان طالمنا نحن نتحلّى بهذا الإصرار وبعدم التخلي عن وطننا. نرى المناطيد ستنبعث من الرماد مجدداً لتعيد الحق لأصحابه، المهم التمسك بإيماننا بحقنا، وبأننا سنعود لتحرير أرضنا. ففي خلاصة مسرحية «البطل ما بيموت» حَلُمَ «جدي منصور» بشرب نفس نرجيلة تحت شجرة الخرنوب في أرضه بفلسطين، ونظره سارح في بحر عكا. و«جدي منصور» ركض خلف حُلمه مناضلاً من مكان إلى آخر.
○ أنت حيال سيرة ممتدة من «سيدك اسماعيل» إلى جدّك «منصور». كم ترسم سيرتهما ملامح وطن تسعى لإستعادته؟
• أقدر كافة مراحل التهجير الفلسطيني، وأقدر ما عاشته شخصيات المسرحية، أقدر «سيدي اسماعيل» الذي عاش الخسارة، لقد خسر وطناً يعرفه، وأرضاً بنى فيها حياة تتألف من بيت وبيّارة، ومزرعة أبقار في قريته السميرية. «جدي منصور» خسر طفولته، وأمضى عمره باحثاً عن ما سُلب منه. عاش وكبر وجرح طفولته المسلوبة يرافقه. الجيلان التاليان لهما خسارتهما المتمثّلة بمستقبلهما. أغلب البشر يحلمون ببناء منزل وحديقة في مسقط رأسهم، إنها أقل أحلام الناس وأكثرها منطقية، هو حلُم خسره جيل والدي وجيلي أنا، كما والدي ولدت في لبنان وليس مسموحاً لي تملك منزل، ولبنان ليس بوطني وممنوع أن أعود إلى وطني فلسطين، هو صراع ولدنا ونعيش فيه كل لحظة.
○ انتهى دور «جدي منصور» بأفول مرحلة. ماذا عن دور والدك كجيل ثالث ودورك في مواصلة الطريق؟
• في سياق العرض المسرحي يعيش الجيل الثالث والرابع نتائج المرحلتين السابقتين. هما جيلان متشابهان في الخسارة. الفرق الوحيد أن الجيل الثالث عاش مرحلة النضال الأخير على الأرض، أي أن جيل والدي شاهد تلك المرحلة وانخرط فيها بشكل أو بآخر، في حين أن الجيل الذي انتمي إليه عاش مرحلة الختم بالشمع الأحمر وتكبيل الأيدي، وإقفال الحدود ونهاية أسطورة الفدائي.
○ وهل من أمل بقطع ذاك الشمع الأحمر؟
• يُقطع ذاك الشمع الأحمر بعودة فلسطين لأهلها. الوطن حاجة أساسية، واحساس يحتاج لإشباع، والعودة إلى أرض الوطن وحدها التي تؤمن الإشباع المنشود.
○ لماذا قدّمت «جدي منصور» في شخصية هوليوودية متكتمة وخيالية معاً؟
• نعم هو أقرب للخيال، متكتم بالتأكيد وفقاً للمثل «استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان». الظرف المكاني والزماني الذي عاش فيه منصور رائحته بارود، ما شكّل عاملاً مساعداً لأن يكون خياله واسعاً، ظروف حتّمت عليه أن يكون فاعلاً وليس مفعولاً به، لم يكن متلقياً أبداً، جنّد كافة طاقاته ليستفيد من الحدود المفتوحة على وطنه. وجد وطنه على مرمى حجر منه، لهذا كان عقله خلاّقاً ومبتكراً.
○ كم يتشابه بتر الأصابع مع محاولات حالية لبتر أحلام الناس باسترجاع وطن مرهون للصهيونية العالمية وجرائمها؟
• بتر إصبعي السّبّابة والوسطى من الممارسات التي يلجأ إليها الصهاينة لترهيب الفلسطيني. وفي هذا الفعل رمزية بالغة، فبتر الأصابع التي تشكل علامة النصر، هدفها بتر الأمل بالعودة إلى فلسطين.
○ هل عشت جاذبية التعبير عن زمن وحياة الفدائي؟ يبدو وكأنك جنّدت كل خبراتك ومشاعرك لتقدم «البطل ما بيموت»؟
• لدى البدء بتركيب النص، وأشدد على تعبير تركيب كونه عملاً جماعياً، مع المخرجة علية الخالدي ومساعد المخرجة طارق مجذوب، كنت أكتب ونقرأ معاً ونعيد التركيب، حتى بعد العروض الأربعة في فنزويلا ما زلنا نتابع التعديل. إذاً النقطة المركزية التي بُني عليها النص أن «جدي منصور» كان يغيب طويلاً، ويعتقد الأهل أنه مات، لكنّه يعود حياً. «جدي منصور» يُشبه قضية وطنه المسلوب، في كل مرّة يحلّ الرهان على أنّ شعب فلسطين نسي وطنه. وبعد كل معركة كبرى يردد مهندسوها: «حجمنّا الفلسطينيين ولن يجرؤا على أي فعل بعد الآن»، وإذ بهم ينتفضون وبتصاعد أكبر، من الانتفاضة الأولى والثانية و7 اكتوبر وغيرها. هذا المسار الذي يعيشه الشعب الفلسطيني أضاءت عليه المسرحية برموز متعددة، بدءاً من عنوانها «البطل ما بيموت».
○ ماذا عن بلدتك «السُمَيرية» وكندرة والدتك؟
• عندما يموت الجد منصور يقول لحفيده في المنام «ما تزعلش عليي أنا بأحلى محل بالدني بالسميرية بفلسطين.. بعدها زي ما هيي.. حتى كندرة أمي لساتها قدّام باب دارنا». فوالدة منصور تركت منزلها سنة 1948 بفردة كندرة واحدة.
○ مات «سيدي اسماعيل» ومات «جدي منصور» وعاشت فلسطين؟ متفائل؟
• بالنسبة لي كان سيدي وجدي هما فلسطين. مات سيدي ومات جدي وعاشت فلسطين، فلسطين التي أعرفها هي ذاكرتهما التي روياها لي ما زالت تعيش.
○ وماذا عن الحكايات المؤثرة التي رواها لك جدّك اسماعيل؟
• كان يتذكّر كثيراً البقرات ويحكي عنها. وردت البقرات في المسرحية نظراً لما تشكّله من عطاء، تحرث أرض الفلاّح، وتعطيه الحليب، للبقر أهميته الكبرى في حياة الفلاّح. كان سيدي اسماعيل يطمح لأن تكون له مزرعة بقر لدى عودته إلى فلسطين. «بس نرجع» كلمتان ترددتا كثيراً ويومياً على لسان سيدي اسماعيل، حتى وهو مُقعد الفراش كان يقول لي «بس نرجع» سوف أعطي جدّك منصور قطعة أرض ليبني محطة بنزين على «راس التلّة»، فرأس التلة ممر إجباري بين بلدات عكا.
○ ماذا عن عروض فنزويلا؟
• جميلة للغاية. حضرت العروض الأربعة جالية عربية كبيرة. العرض الأول كان في مدينة كارابوبو، والتفاعل مميز، ترجمة النص للإسبانية كان متقناً جداً، وهذا ما بدا تفاعلاً لدى المشاهدين الذين لا يعرفون العربية. شعب فنزويلا يدعم القضية الفلسطينية بقوة كبيرة، شعروا خلال العرض بمعاني الكلمات وأوجاع بعضها، وكوميديا بعضها الآخر. في فنزويلا غمرنا الأمان والحب والسلام والدعم في مسارح.
○ وأنت مدين لمهرجان المسرح الدولي في فنزويلا بكتابة النص وتمثيله؟
• لأنهم رغبوا باستضافة العروض الأولى للمسرحية، فإذ بهم «يشعلون النار تحت أرجلنا» فأسرعنا بإنجاز العمل للوفاء بالوعد. لكن فكرة المسرحية كانت مسودة موجودة في درجي منذ 2019، بعد أن انهينا عروض مسرحية «أيوبة» ضمن مشروع «ملف 48: مسرح اللاجئ الفلسطيني» لمؤسسة فضاء، وهو مشروع يهدف لتأريخ السردية الفلسطينية عبر التأريخ الشفوي لقصص اللاجئين، وتحويلها لأعمال مسرحية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية