القبح موجود؛ لأن لا أحد يفهم الجمال تماما
أنطونيو بورشيا
في روح كلّ رجل تسكن امرأة تمثّل انعكاسا لتوق مكبوت لديه، والعكس صحيح أيضا، كما أن عين الحبّ عمياء، مثلما يُقال، وما يحرّك البشر في الأول والأخير هو القلب، ويقع هذا في قفص تسوّره أضلاع ولحم وشحم، فمن أين تأتيه القدرة على النظر؟ ربما دخلت فتاة دميمة المكان وكانت العيون إليها أسرع، وإذا بارحته تركت سحرا من طبعها يظلّ يتلبّث ساعات أو أياما وأسابيع، وهكذا نجد من الرجال من يفضّل المرأة قبيحة الصورة، لربّما بسبب قانون التناقض، أو أن مردّ ذلك -اعتقاد نفسيّ، إذا صحّ التعبير- بأن الدميمة من النساء تمتلك قدرا أعلى من الأنوثة، فهي تحسّ بغريزتها أن عليها أن تعوّض ما فاتها من ملاحة بالكثير من التدلّل، والمزيد من الرقّة.
يساعدنا الأدب على فهم الحياة مثل الفلسفة، وربما تفوّق في ذلك، أو أنه الفلسفة الحياتية، التي يقدّمها لنا الأديب في لبوس فنّي. إن أقرب مثال للإحساس بالوجود في بساطته الأولى هو تأمّل الطّلعة الصّافية للمرأة، ودون رتوش، سواء كانت سمراء أو بيضاء أو شقراء أو صفراء أو حمراء أو زنجيّة. وهناك من النساء من فيها عيب، وهناك من فيها عيب آخر، ومن كانت شديدة الفقر وسيئة المنطق، ومن كانت شديدة الغنى أو جميلة بشكل خطير، كما أن فكرة الذوق تختلف حسب الزمان والمكان، لأن الذوق الجيّد عند جيل هو فاسد عند جيل تالٍ، وما يراه ملائما أهل بلد، ربما كان منظره شنيعا في بلد ثانٍ. إذا كانت حصص النساء متباينة في الحُسن، وكذلك في الحظّ السعيد، لكن البارئ قسّم الأنوثة بينهنّ بالعدل والقسطاس، فالمرأة الدميمة ربما أغرمت الأثرياء من الرجال، وألهمت الشعراء وفتحت عليهم باب الإبداع، ولعلّ المرأة التي كُتبَ عليها أن تكابد قدرا شنيعا سبّب لها عاهة دائمة، لديها رِقّة وحنان تفوّقت بهما على أجمل بنات حوّاء، تعويضا عمّا فقدته من حُسن ورشاقة، وينطبق الكلام على المرأة العوراء والعرجاء والتي قرض الفأر أنفها وهي طفلة، والتي تغطي وجهها الثآليل، والمرأة النحيلة العجفاء التي أطفأت عينيها نُقر الجدري وملأت وجهها بثوره.
يقول الأديب الفيلسوف مدني صالح: «النساء متشابهات مثلما تشبه حبّةُ هيل حبّةَ هيل أخرى، إلّا بما تثيره المرأة لدى الرجل من سحر يلهب خيالاته ورؤاه». وتستطيع المرأة فعل هذا بطرق عديدة غير جمال الصورة ورشاقة الجسد، وبيت الغنج له أبواب ومداخل عديدة. «ظهرت امرأة ضخمة وعريضة جدا إلى حدّ أنها تشبه الخزانة، لكنها حيوية، وحركتها لا تهدأ، وحتى إنها مغناج». المشهد من رواية «اسمي أحمر» لأورهان باموق. أما قباحة الرجل فهي محبّبة لدى المرأة في بعض الظروف، وهنالك أساطير عديدة تدور فيها قصص وحوادث عن «الحسناء والوحش» بالفرنسية و»الأميرة والخنزير» بالتركية و»الصُّهر القرد» باليابانية…
في عام 2005 دفع الأمريكيون ما يقارب 12.5 مليار دولار على عمليات التّجميل، وهو ما يعادل ميزانية أكثر من 100 بلد تمتد من ألبانيا وصولا إلى زيمبابوي، أي ما يكفي لمعيشة وإيواء مليار نسمة، وجميع النسوة اللاتي أُجريت لهنّ العمليات وتحمّلن خطورة ومضاعفات التخدير العامّ، يعتقدنَ أن مقياس الأنوثة لدى المرأة هو جمالها، لكن نظام القيم النهائية في هذا الموضوع معقّد، إلى درجة أنه يختلف بين البلدان تبعا لثقافتها ورقيّها المدني والحضاري، ففي اليابان مثلا نجد قياس الجمال يخضع لفلسفة (الوابي – سابي) التي ترمي إلى تقبّل الأشياء كما هي وعلى طبيعتها، بعيوبها وبشوائبها وبترهلاتها وبتآكلاتها وبفنائها. إن عبارة (جماليات العيوب) كما يقال لهذه الفلسفة اختصارا، ليست فكرة زهدية أو تأملية خالصة، بل ممارسة حياتية تحاول تجريب الطريق إلى السعادة بواسطة الهدوء والسكينة، اللّذين يقدمهما لنا عدم الكمال في الأشياء، أو (الاكتفاء بعدم الاكتمال) بالإضافة إلى العلاقة الحميمة مع كلّ ما هو بسيط واقتصادي ومتقشّف. الأموال الطائلة التي صُرفت في الولايات المتحدة في سبيل تجميل وجه المرأة والرجل تُعدّ مهدورة في اليابان، لأن مبدأ الجمال هنا يقوم على أساس مختلف. الذاوي من الأشياء والمهترئ والملطّخ والمغطّى بالندبات والمسخ.. كل هذه الصفات إذا كانت طبيعية فهي جميلة في بلاد التاو.
كان المصريّون القدماء يعتقدون أن قباحة الصورة مؤشرٌ على قوة كامنة لدى المرء، ذكرا كان أم أنثى. عن المؤرخ هزيودوتس أنه شاهد تصويرا للملكة نفرتيتي بملامح قبيحة، وغير جذابة، لكنها تمتلك في عِرف المصريّين في ذلك الزمان أنوثة طاغية. في النشيد التاسع عشر من المطهر يحلم دانتي حلما، ويرى في ما يرى النائم «امرأةً عيّية، حولاء، وقدماها فحجاوان، بتراء اليدين، شاحبة السحنة». ينظر دانتي إليها، فتصيّرها عيناه امرأةً جميلة، ثم تشرع في الغناء، وتذهل أغنيتها الشاعر.
«اسأل علجوما ما هو الجمال؟» كتب فولتير «وسيجيبك بأنه أنثاه، بعينيها المدوّرتين الكبيرتين الجاحظتين في رأسها الصّغير». ويوهن المرأةَ الزمانُ والقدر، ويتقدّم بها العمر وتمرض وتصير مُقعَدَةً، لكن الأنثى فيها تظل تكافح وتسعى ولا تستسلم، وتبقى في نظر نفسها جميلة الجميلات، كما أن العجوز التي بلغت من العمر وكادت أن تصبح غير مرئية تستطيع أن تحبّ وتعشق، وتتلوّى في أتون الغرام أيّاما وليالي، وقد خبرت بنفسي هذه الحقيقة ولم يرْوِها لي أحد. قالت العرب: «لا تمدح امرأة حتى تموت».
الكلام عن القبح ليس سوى طريقة مختلفة للكلام عن الجمال، ويتبادل لدى الناس بين الأزمان والأمصار الجمالُ والقبحُ الدّورَ والمكان والمعنى، ويتساءل المرء في النهاية: ما هو الجمال، وكيف يكون القبح؟ شاعر الجمال والحبّ الفرنسي شارل بودلير، أبو الحداثة الشعرية، الذي وصفه رامبو بأنه «أوّل راء، ملك الشعراء، إله حقيقيّ» عشق بودلير فتاة زنجية قبيحة الصورة وتعاني من ندبات الجدري، وكانت بالإضافة إلى ذلك سيّئة الأخلاق، هي جان ديفال، ولم يكترث للون بشرتها السوداء الذي كان مثار سخرية ونقمة في ذلك الزمان.
لا توجد قصة في تاريخ الأدب حملت كاتبها إلى الشهرة مثل «ليلة القبيحَين» لماريو بنيديتي. فتاة وفتى مشوّها الوجه تماما بسبب حريق قديم، التقيا عند مدخل دار السينما. يصف القاصّ بإسهاب تفاصيل قباحة الاثنين بطريقة تُشعر القارئ بالغثيان، وربما عمد به إلى التّقَيُّؤ.
اتّخذها خليلة، وحاول أن يهجرها أو أن يخونها فلم يستطع، لأن العشق تملّكه. هل يمثّل اهتمام شاعر ديوان «أزهار الشر» بالسحر الأنثوي الطاغي لدى المرأة القبيحة الكشف الأول في اختبارات الجمال، التي سوف يمضي فيها بعيدا روّاد الحداثة في الأدب والفنّ، من الذين ظهروا في أوروبا في مستهل القرن العشرين، عندما قاموا بتشييد ثقافة جديدة قوّضت مفاهيم علم الجمال، وامتدّت تأثيراتها إلى القرن الماضي، ولا تزال سارية إلى الآن؟
لا توجد قصة في تاريخ الأدب حملت كاتبها إلى الشهرة مثل «ليلة القبيحَين» لماريو بنيديتي. فتاة وفتى مشوّها الوجه تماما بسبب حريق قديم، التقيا عند مدخل دار السينما. يصف القاصّ بإسهاب تفاصيل قباحة الاثنين بطريقة تُشعر القارئ بالغثيان، وربما عمد به إلى التّقَيُّؤ. يتعارف القبيحان في السينما، وبعد انتهاء الفيلم يذهبان إلى المقهى، ثمّ إلى الشّقّة. الأنوار مطفأة والسّتارة المزدوجة مسدلة. ثم يندسان في الليل الحالك، في الظلمة القاتمة: «لم أكن أرى شيئاً، ولا أيّ شيء على الإطلاق. لكنني استطعت أن أنتبه مع ذلك إلى أن فتاتي صارت ثابتة بلا حراك، تنتظر». يتحسّس الشابّ بحذر شديد صدر الفتاة، وبطنها وجنسها «يداها أيضاً رأتاني» يقول الفتى، ثم يتحسّس وجنتها، يمسح دموعها، ويأخذ بالبكاء هو الآخر. «بكينا حتى الفجر.
تعيسان، سعيدان». قال الاثنان كلاما عجيبا طوال اللّيل في الحبّ، ففي الجنة تتساوى نية القلب مع نية اللّسان. عندما طلع النهار كان الحبيبان يكتشفان جمالا خاصّا في وجه كلّ منهما، وهو الجمال الحقيقي لأنه غير قائم على ما تعارف عليه الناس منذ القِدم، والذي يؤدّي فقدانه بسبب حادث أو عاهة إلى أذى روحيّ يُشعرُ المرء بالانسحاق تماما، بينما تكتسب صاحبة هذا النوع من الجمال حياة مستقرّة تقريبا، لأنها بلغت حالة الأنوثة الطاغية، والتي تهب النفس البشريّة أعلى مراحل النضج والرِفعة على باقي النساء، وقد بحثت عنها ملكة مصر القديمة باستماتة، وامتلكتها أخيرا بجدارة. تنتهي قصة (ليلة القبيحَين) عندما يقوم الرجل من السرير في الصباح ويزيح الستائر جانبا، وكشف ضوء النهار نورا قويّا في وجه المرأة في عيني الرجل، فهو يراها ملاكا هبط من السماء، وهو محظوظ لأنه أوّل مَن تلقّفها. لقد تمّ التعارف بين الجسدين، وهذا أبلغ تعارف، لأننا نستطيع عن طريقه قياس مقدار الأنوثة لدى المرأة، وبهذه الواسطة تجد المرأة ما تفتّش عنه لدى الرّجل.
ثمّة مطلق وظلام وفراغ لا نهائيّ يفصل بين فلسفة (الوابي- سابي) وما يجري على أرض الواقع في بقية المجتمعات والبلدان، رغم أن هذ النمط من التفكير يقدّم لنا خريطة مفصّلة كي نحيا حياة يوميّة عاديّة هادئة، ونهنأ بالسعادة الوحيدة التي نستطيع الظّفر بها، والتي تحقق لنا كمالا نهائيا نرقى به جميعا كتفا إلى كتف إلى عالم الحرية الجليل، ويبدو أمر التفكير بغيرها كما لو أننا نؤثر عليها إتيان المستحيل.
كاتب عراقي