لماذا لا نرى الجمال؟

كثيرا ما أقرأ تغريدات وآراء تمجد إنجازنا الأدبي حتى الستينيات، وترى أنه لم يتكرر. تجد من يقول لك أين نجيب محفوظ ويوسف السباعي وإحسان عبد القدوس وفتحي غانم وصلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي وغيرهم. وأين المفكرون مثل طه حسين والعقاد وزكي نجيب محمود وأحمد أمين وغيرهم. يختلف رأيي بحكم المعرفة البسيطة بالأعمال الفكرية والأدبية، وكيف كانت وكيف صارت. وأقول بسيطة بشكل متواضع رغم معرفتي بالكثير.
النوستالجيا حالة طبيعية لكبار السن، لكن كثيرا ما أرى ذلك على لسان الشباب، وربما كان الصراع الخفي عند من هم في عمري بين النوستالجيا والحقيقة هو من أهم ما أحاول أن انتصر فيه على النوستالجيا. أقصد هنا في عالم الفكر والفن والأدب، وليس في عالم الثقافة المادية من طرق وحدائق وشواطئ مثلا. في هذه الأخيرة أنا وغيري مهزومون. فلا الطرق جميلة ولا الحدائق باقية ولا الشواطئ مفتوحة. بالعكس. سادت ثقافة للدولة المركزية يمكن أن تسميها ثقافة الفول والفلافل. فكل هذه الأماكن صارت حافلة بمحلات الفول والفلافل، ويتم قطع الأشجار وحجب الشواطئ باقامة هذه المحلات والكافتيريات. أخيرا مثلا قرأت أنهم فتحوا مطعما في قصر عابدين، لقد فتحوا المطاعم في الحديقة أمامه لكنهم فتحوا مطعما في داخله. بالمرة يعني! أو على رأي صديق العمر الراحل شاكر عبد الحميد «هي جت على دي!». يأخذني اسم شاكر عبد الحميد إلى موضوعي الأهم وهو الفكر والأدب، فهو واحد من المفكرين في الدراسات النفسية للآداب والفنون، يحتل مكانا عظيما في هذا المنهج وكتبه شاهد على ذلك. مؤكد أننا نحب مفكرا مثل مصطفى صفوان أو مصطفى سويف، لكن شاكر عبد الحميد يحتل مكانا عظيما أيضا، وهو مجرد مثال في مجاله فهناك آخرون. سأقفز بسرعة إلى مجالات أخرى ولا يعني استشهادي بأمثلة أنه لا يوجد غيرها. وما دمنا في مساحة الفكر فهل يختلف عمار علي حسن في دراساته الإسلامية وقيمتها عن طه حسين.. لا يختلف في فهمه وتجديده. ماذا تقول وأنت تقرأ كتبا في التاريخ لصابر عرب أو لأحمد زكريا الشلق أو لعماد أبو غازي أو لمحمد أبو الغار أو لصلاح عيسى أو لإيهاب الملاح عن الفكر المصري في التاريخ الحديث والمعاصر أو غيرهم. لا بد من أنك ستهتف «طيب ليه يا مصر ضائعة منا».
الأمر نفسه مع مصطفى عبيد تأليفا وترجمة وكذلك محمد غنيمة، حين تقرأ كتابا مثل «300 ألف عام من الخوف» لجمال أبو الحسن، لا بد أن تقف عند هذه القدرة المذهلة عن تاريخ الإنسان والطبيعة في العالم. صاحبه ينتمي إلى المفكرين المعاصرين، لا يقل أبدا في بحثه عن عبد الرحمن بدوي، أو غيره من الأجيال السابقة. الأمر نفسه مع شاب مثل كريم جمال يكتب عن أم كلثوم وسنوات المجهود الحربي، موضوع ما أكثر المقالات التي كتبت فيه، لكن حين يصير كتابا ضخما بين يديك، وترى الجهد البحثي الجبار الذي بذله للوصول إلى كل المعلومات السياسة والاجتماعية والتاريخية والفنية، تعرف أن لدينا باحثين على درجة رائعة من النضج. في العمارة تقرأ بالإنكليزية كتبا لمحمد عوض عن الإسكندرية والقاهرة والعمارة الحديثة منذ عهد محمد علي. وبالإنكليزية أو بالعربية تقرا لخالد فهمي ومأمون فندي وكتاب أصغر سنا مثل رضوى زكي وغيرهم، وتعرف أن لدينا باحثين على درجة رائعة من المعرفة واللغة والأسلوب واكتشاف المعاني الضائعة في الحياة من حولنا. طبعا يحملك ذلك إلى الدراسات الجامعية وما أكثرها.

هي السياسة التي جعلت في الفضاء اتهاما بالمؤامرة على الوطن في كل رأي مخالف. هي ليست جديدة لكنها اتسعت الآن بشكل جنوني. راجع كم قضية سياسية تمت لكاتب منذ ثورة 1919 حتى 1952، بل حتى 1970، وقارن ما جرى بعد ذلك من اغتيالات أو محاولات اغتيال للمثقفين.

في الرواية، لن أتحدث كثيرا فما أكثر الأعمال الرائعة حولنا، وإذا تركناها إلى القصة القصيرة فستجد أن محمد المخزنجي وسعيد الكفراوي ليسا أقل من يوسف إدريس. في الشعر ربما توقف عدد من شعراء السبعينيات، لكن من توقف ومن يستمر لهم مكانه العظيم في حركة الشعر العربي حتى تصل إلى أجيال شابة مثل رضا أحمد وزيزي شوشة ويحيى وجدي، ومن بين الفريقين مثل عماد أبو صالح وآخرين. في العامية لا يقف الأمر عند أحمد فؤاد نجم آخر الراحلين العظام، لكن شاعرا شابا مثل مصطفى إبراهيم يحملك إلى أجمل فضاءات الصور الفنية ومعانيها الإنسانية، لا الشعر الفصيح انتهى ولا الشعر العامي. في النقد الأدبي ترى يسري عبد الله وحسين حمودة وحسين محمود ومصطفى الضبع والسعيد الورقي ورشيد العناني ومحمد عبد المطلب وغيرهم، لا يقلون عن محمد مندور حتى تصل إلى أسماء جديدة مثل نشوة أحمد وإبراهيم أحمد. سؤال عابر؟ في أي وقت من تاريخنا قرأنا كتابا بروعة المعاني والبناء الفني مثل «الملك والمالك» لبهاء جاهين. أكاد أتراجع عن استكمال المقال لأن الأسماء كثيرة، لكنني أكرر أني أقدم مجرد أمثلة.
أرى وجوها من الأصدقاء أمامي تلومني وأضحك، ومقالي ليس نهاية العالم، بل محاولة أن نتذكر أننا في قلب العالم. طيب ما دام الأمر كذلك فلماذا يحدث هذا النكران للحاضر والافتتان بالماضي؟ أكرر أنها ليست النوستالجيا، لكنها السياسة التي جعلت كل شيء في يد الحكم ورجاله. رغم كل ما انتهى إلى الثورة في عهد مبارك، كان هناك مشروع عظيم لمكتبة الأسرة انتهى تقريبا. كانت المؤسسات المساهمة فيه تساهم لأنه يحمل اسم سوزان مبارك، ومع خروجها من المشهد انتهى المشروع تقريبا. هي مجرد أعداد قليلة من الكتب وثلاث آلاف نسخة من الكتاب بعد أن كانت عشرين وثلاثين ألفا. هناك طبعا الآن مجالات أخرى للقراءة هي الفضاءات الإلكترونية، لكن لا أفهم كيف، وعليها كتب عظيمة يغيب عن قرائها وجود مفكرين كتاب لا يقلون عن الماضي. هل القراءة على هذه الفضاءت تعني أنها عابرة، لأنك عندما تخرج من الموقع لا ترى ما قرأته كتابا أمامك في مكتبتك؟ لا أدري وليس لديّ إجابة. الإجابة التي أعرفها هي أن السياسة تشغل الناس، فهناك فارق بين زمن كنت تقرأ فيه كتابا ثم تقضي يومك أو حياتك بشكل سهل، وزمن تقرأ فيه كتابا ثم تدور في حلقة مفرغة أنت وأسرتك بسبب الغلاء الفاحش الذي هو نتاج سياسة اقتصادية فاشلة.
هي السياسة التي جعلت في الفضاء اتهاما بالمؤامرة على الوطن في كل رأي مخالف. هي ليست جديدة لكنها اتسعت الآن بشكل جنوني. راجع كم قضية سياسية تمت لكاتب منذ ثورة 1919 حتى 1952، بل حتى 1970، وقارن ما جرى بعد ذلك من اغتيالات أو محاولات اغتيال للمثقفين. كل ذلك اعتدنا عليه لكن آفته أنه لا يجعل الكثيرين يدركون أن لدينا إنتاجا فكريا وأدبيا عظيما. ليس لأنهم يقصدون فالكتب في أيديهم، لكن لأن الحياة حولهم لا تعطيهم الفرصة، فإذا دخلوها نسوا كل جميل. شيء واحد فقط يمكن أن تقول إنه ليس كما كان من قبل وهو الإنتاج السينمائي والتلفزيوني والمسرحي، فالكم قليل والكيف موجود لكنه أقل يضيع بين السيئ. وكما كتبت من قبل من يلوم كتابه لا يدرك الحصار حولهم، أو يشغله الحصار السياسي في تجلياته الاجتماعية المرهقة عن الرؤية.
لا توجد سينما بينما لا يزال شلال الكتب والدراسات الرائعة من كتّاب مثل أمير العمري ومحمود الغيطاني ومحمود قاسم ومحمود عبد الشكور وغيرهم. أما الفن التشكيلي فيكفي أن في مصر أسماء مثل أحمد شيحة وعصمت داوستاشي وثروت البحر وماهر جرجس وعلي عاشور ومحمد عبلة وعمر الفيومي ومحمد أبو النجا وعز الدين نجيب، وغيرهم من أجيال لاحقة. وبالمناسبة كثيرون جدا ممكن ذكرتهم يمارسون الإبداع أو الفكر في أكثر من مجال، استمرارا في طريق النهضة، ومن ثم يستحقون كل حفاوة، لأن طريق النهضة الآن لا تحيط به أجواء ليبرالية كالتي أحاطت به يوما بعد ثورة 1919.

‏روائي مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية