لندن- “القدس العربي”: تساءلت أنشال فوهرا في تقرير أعدته لمجلة “فورين بوليسي” عن سبب تجنب النظام السوري الدخول في الحرب المستمرة بالمنطقة. وقالت إن أسوأ اسرار النظام هي استغلاله للقضية الفلسطينية. ففي بداية الحرب الإسرائيلية ضد حماس في غزة بداية شهر تشرين الأول/أكتوبر 2023، شكك البعض في قدرة سوريا على الانضمام إلى الحرب ضد إسرائيل وفتح جبهة أخرى “لم يكن أحد من السوريين الذين كنت على اتصال بهم يعتقد أن الرئيس بشار الأسد سيصبح طرفا فيها، وخاصة بالنيابة عن حماس”.
ونقلت فوهرا عن الدبلوماسي السوري السابق بسام بربندي قوله: “تصور الحكومة نفسها وكأنها تحارب إسرائيل، لكن هذه كذبة” فـ”لدى بشار ووالده من قبله، معاهدة صامتة لإبقاء الهدوء على الحدود مع إسرائيل. ولهذا السبب لن تتورط سوريا في النزاع في غزة”.
وقد تردد صدى هذا الكلام بين السوريين والفلسطينيين الذين تحدثت الكاتبة معهم على مدار السنين الماضية. وبالنسبة للنظام السوري تمثل إسرائيل هدفا في العلاقات العامة، وكبش فداء سهل لإلقاء اللوم عليها بسبب مظاهر قصوره ومن أجل كسب سكانه السنة والعرب بشكل عام.
وفي المرات الماضية عندما اندلعت الحرب في غزة شجع النظام السوري التظاهرات الكبرى لإظهار التضامن مع الشعب الفلسطيني، إلا أن التظاهرات في هذه المرة كانت صغيرة وكان الدعم للمقاومة صامتا. ويقول بربندي: “لم تسمح الحكومة بأي احتجاجات كبرى ضد إسرائيل، ولم تسمح بأي دعوات لدعم رفاق في محور المقاومة”، مضيفا أن هذا “علامة” على أن سوريا لا تريد فقط البقاء بعيدا عن الصراع، بل تريد أيضا أن ينظر إليها بوضوح على أنها بعيدة عنه.
وعلى الرغم من القصف الإسرائيلي المنتظم على سوريا، وضد أهداف إيرانية في الغالب، ووعد دمشق بالوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني إلا أن النظام السوري وقف متفرجا على الحرب التي اندلعت منذ أكثر من عام في غزة.
ويقول الخبراء والمراقبون أن أهم أولوية للأسد هي نجاة نظامه والبقاء متحكما في الجماهير السورية المحرومة. ورغم سحقه للمقاومة ضده إلا أن نسبة 40% من الأراضي السورية خارجة عن سيطرته.
وبحسب دبلوماسي غربي، نقلت عنه وكالة فرانس برس فقد حذرت إسرائيل الأسد بأنها ستدمر نظامه لو استخدمت سوريا أراضيها ضدها. وأشار تقرير إلى أن منزل شقيق الأسد تعرض للقصف من قبل إسرائيليين، رغم عدم وجود تأكيد من حدوث هذا.
وقال عيران ليرمان، الذي عمل سابقا نائبا لمدير مستشار الأمن القومي الإسرائيلي: “لو ارتكب خطأ وانضم لمحور المقاومة بنشاط فستكون العواقب سريعة”، مضيفا: “في الوقت الحالي، أعتقد أن الأسد متردد في الانخراط، ورغم أن [الحكومة السورية] هي قومية عربية إلا أن فلسطين تقع في أسفل قائمة الأولويات. فعلى رأسها النجاة، وأعتقد أن الجيش السوري لديه فكرة حول قدرته مقارنة بنا”.
وتقول فوهرا إن هناك عوامل أخرى وراء ابتعاد الأسد عن النزاع، فهو يأمل بأن يكافئه الغرب على ضبط نفسه وتخفيف العقوبات المفروضة على نظامه. وقد وضع نفسه إلى جانب الإمارات التي تعد لاعبا رئيسيا في إعادة تأهيل نظامه. وكان موقع “أكسيوس” قد ذكر أنه بعد أيام من هجمات حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 حذرت الإمارات الأسد بعدم التورط في الحرب.
الأسد ليس في مزاج من يرغب العفو عن حركة حماس التي وقفت إلى جانب المعارضة المسلحة بعد اندلاع الثورة عام 2011
أما العامل الآخر، فيتعلق بعلاقة الأسد مع حماس، فهو ليس في مزاج من يرغب العفو عن الحركة الفلسطينية التي وقفت إلى جانب المعارضة المسلحة بعد اندلاع الثورة عام 2011. ولم تقدم سوريا عزاء طويلا بعد اغتيال المسؤول السياسي لحركة حماس، إسماعيل هنية في طهران، رغم المصالحة مع الحركة التي جرت في عام 2022. وفي مقابلة العام الماضي، قال الأسد إنه “من الباكر لأوانه عودة الأمور لما كانت عليه” مع حماس. وهذا ينطبق على دول عربية مثل السعودية والإمارات، اللتين يعول عليهما الأسد لتمويل إعادة إعمار سوريا. ولديهما مصلحة بهزيمة حماس كجزء من الحرب ضد الإسلام السياسي.
ويأمل الأسد في تحقيق نقاط إيجابية مع الغرب، وبخاصة مع تنامي الدعوات لترحيل السوريين في أوروبا. وتسعى 8 دول أوروبية بقيادة إيطاليا إلى إقامة نوع من التعاون مع دمشق لضمان عودة السوريين إلى بلادهم. بل وتدرس المفوضية الأوروبية الآن فكرة ترشيح مبعوث خاص جديد إلى سوريا. وتمت إعادة تأهيل الأسد في الجامعة العربية ورحبت به كل الدول في المنطقة إلا دولة قطر.
وفي الوقت الذي لا يستطيع فيه طرد الإيرانيين من سوريا، وإلا بدا كناكر للجميل بسبب ما قدموه له من دعم عسكري ومالي أثناء الحرب، يبدو أن إسرائيل تلعب بحرية في المجال الجوي السوري وتستهدف الأرصدة الإيرانية وتقتل الجنرالات في داخل سوريا. ويقول ليرمان:” لدينا تفاهم مع روسيا لكي نفعل ما يجب علينا فعله” من داخل المجال الجوي السوري.
بينما لا يستطيع الأسد طرد الإيرانيين من سوريا، وإلا بدا كناكر للجميل، يبدو أن إسرائيل تلعب بحرية في المجال الجوي السوري وتستهدف الأرصدة الإيرانية وتقتل الجنرالات
وتشير تقارير إلى أن إيران سحبت قواتها من جنوب سوريا التي تعتبر مركز نشاط للجماعات الوكيلة لها، وبخاصة “حزب الله”. وفي محاولة للتقليل من خسائرها وعودة القوات الروسية إلى المنطقة. وتم إنشاء مواقع عسكرية روسية بعد اغتيال الجنرالات الإيرانيين في نيسان/أبريل بسوريا. وهو ما أثار المخاوف من انتشار الحرب داخل إسرائيل إلى سوريا. ويعتبر تراجع الوجود الإيراني في سوريا مفيدا للروس الذين لا يريدون مشاركة سوريا مع إيران. ويقول بربندي إن روسيا قد تغض النظر عن الهجمات الإسرائيلية على جنوب سوريا، مع أنها خرق للمجال الجوي السوري. وفسر بربندي سبب بناء مواقع روسية على خط المواجهة مع إسرائيل: “عندما بدأ حزب الله في الذهاب إلى الجولان لمهاجمة إسرائيل، كانت رسالة الأسد هي: “أنا لا أسيطر عليهم”، وأن الجيش السوري لن يشارك”، “لكن تطهير جنوب الجولان من حزب الله في صالح إسرائيل والروس، لأن إيران ستكون ضعيفة. وعندما ينتهي الإسرائيليون، ربما كانت روسيا ضامنا ولكي يتركوا الأراضي السورية”.
وقد تحرك الأسد نحو موضع جعل كلا من إيران و”حزب الله” يجدان له الذريعة والبقاء بعيدا عن الحرب. وقد منحه زعيم “حزب الله”، حسن نصر الله، قبل مقتله العذر في خطاب ألقاه في تشرين الثاني/نوفمبر: “لا يمكننا أن نطلب المزيد من سوريا، وعلينا أن نكون واقعيين، فالبلد يعيش حربا منذ 12 عاما. ورغم ظروفه الصعبة لا يزال يدعم المقاومة ويتحمل العواقب”.
وظلت سوريا خارج النزاع وحاولت ألا تستفز إسرائيل، ولكنها حاولت استرضاء إيران وسمحت لها بمواصلة استخدام أراضيها ونقل السلاح إلى حزب الله.
غياب سوريا عن الصراع الحالي هو دليل واضح على فشل استراتيجية إيران “وحدة الساحات” والتي تفترض استجابة منسقة من جانب جميع شركائها في محور المقاومة
ويقول جوشوا لانديس، رئيس مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة أوكلاهوما، إن الأسد استمر في “مساعدة حزب الله في تسليحه ونقل الأسلحة إلى لبنان من إيران”، وهذا هو السبب وراء قصف إسرائيل لسوريا و”تدمير مصانع الصواريخ، واغتيال الجنرالات الإيرانيين، وتفجير قوافل الأسلحة”.
وتعلق المجلة أن غياب سوريا عن الصراع الحالي هو دليل واضح على فشل استراتيجية إيران “وحدة الساحات” والتي تفترض استجابة منسقة من جانب جميع شركائها في محور المقاومة. ويكشف هذا عن أن البقاء السياسي للأسد يتقدم على الموقف الإيديولوجي، وأن سوريا في وضعها الحالي لن تشكل مشكلة بالنسبة لإسرائيل.