تعتبر مدينة غزة القديمة أو ما تسمى البلدة القديمة الواقعة إلى الشرق من قطاع غزة، من أقدم المدن المتجذرة في عمق التاريخ، تعاقبت عليها العديد من الحضارات عبر العصور القديمة، ومن أبرزها الحضارة الكنعانية والرومانية واليونانية والبيزنطية والمملوكية والآشورية، حيث اكتسبت المدينة أهمية بالغة وكانت مقصداً للحضارات التي أقامت فيها، لموقعها الجغرافي الحساس عند ملتقى قارتي آسيا وأفريقيا. ورغم تعاقب تلك الحضارات إلا أن اسمها بقي خالداً دون تغيير أو تبديل، وأطلق عليها العرب قديماً اسم غزة هاشم، نسبة إلى جد الرسول (ص) هاشم بن عبد مناف، الذي دفن فيها أثناء وفاته خلال إحدى الرحلات، كما أن الإمبراطور نابليون بونابرت، وصفها بأنها بوابة آسيا ومدخل أفريقيا لتؤكد حساسية موقعها وأهميتها الجغرافية.
وتروي مدينة غزة القديمة على أرضها حكايات عشقها الساكن فيها، فقد بنيت على هذه الطريقة المعمارية، لتبقى لوحة مسكونة بخطوات من مروا عليها عبر الزمن وأقاموا فيها من أقوام وشعوب. فغزة العتيقة تحمل عبق آلاف السنين من معمار أثري، ومن يسير في طرقاتها تصادفه الجدران القديمة والأقواس التي تتميز بلونها الرملي والتي تعود إلى الحقبة العثمانية، وجزء آخر يعود للحقبة المملوكية، حالها كحال المدن العريقة كأريحا الفلسطينية وبابل العراقية ودمشق. لكن موقع المدينة المميز عن دونها من المناطق الإقليمية الأخرى، جعل العديد من الحضارات تتعاقب عليها، وهذا ساهم في رسم طابع معماري خاص بها في كل حقبة تاريخية، ولكن حالياً ومع تزايد أعداد السكان في تلك المدينة، امتدت وتوسعت مساحتها وتمدد البناء الخرساني الجديد، وساهم ذلك في هدم واندثار العديد من المباني القديمة، وتدريجياً اختفت ملامح البلدة القديمة ولم يبقَ إلا القليل من المباني الأثرية. فالجزء المتبقي عبارة عن المباني العامة كالمساجد والكنائس والزوايا والمدارس والمقابر والأسواق والحمامات، ومعظم هذه المباني تعود إلى الفترة المملوكية والعثمانية.
الاحتلال دمر كنوزا أثرية
وتتوزع البيوت التقليدية على أحياء البلدة القديمة وتتركز في أحياء الدرج والزيتون والشجاعية، والعدد الأكبر منها مهجور وغير مستخدم، ومنها لا يزال مسكوناً كمبنى سكني أو كمراكز ثقافية لخدمة الناس، ومع وجود بعض المعالم الأثرية العريقة بين أزقة هذه الأحياء، تبقى المدينة تستقبل الزوار المحليين والخارجيين للتمتع بالنظر إلى تلك المعالم، التي بنيت بطابع هندسي معماري خلاب، ولا يمكن إغفال بعض المسببات التي أدت إلى اندثار البعض من هذه المعالم إلى جانب الزحف السكاني، ومن ذلك العوامل المناخية التي لعبت دورا في طمس بعض المعالم، إضافة إلى أن الاحتلال الإسرائيلي كان له دور كبير في تدمير جزء من هذه الكنوز الأثرية، من خلال القصف العشوائي خلال الحروب المتعاقبة على قطاع غزة، حيث تعرضت المدينة القديمة لضربات من القذائف العشوائية الإسرائيلية خلال العدوان على غزة صيف 2014.
وتشمل البلدة القديمة العديد من الأحياء السكنية ومنها حي الزيتون والدرج والتفاح والشجاعية، وهذه الأحياء تطورت بشكل كبير من حيث العمارة والطرقات وغيرها من المرافق الأخرى، لكنها ما زالت تحتضن العديد من المعالم التاريخية القديمة، وما زالت بحالة جيدة بفعل عمليات الترميم التي أجريت مؤخراً عليها لحفظها من الضياع.
المسجد العمري الكبير
ومن أبرز هذه المعالم المسجد العمري الكبير والذي يقع في حي الدرج، ويعتبر من أقدم وأعرق المساجد في مدينة غزة، حيث سمي بالمسجد العمري نسبة إلى الخليفة عمر رضي الله عنه، وبالكبير لأنه أكبر جامع في غزة وتبلغ مساحته 4100 متر مربع، ويحمل 38 عاموداً من الرخام الجميل والمتين، إضافة إلى البناء الذي يعكس جمال وروعة الفن المعماري القديم. وكان المسجد في السابق عبارة عن كنيسة شيدها أسقف غزة آنذاك برفيريوس، وتحولت إلى مسجد عندما فتحت غزة في عهد عمر بن الخطاب، حيث أقيم فيه محراب ومنبر واتخذ منه المسلمون مسجداً للعبادة والصلاة، ولا يزال هذه المسجد يستقبل المصلين إلى هذا الوقت ويحتوي على العديد من الزوايا الأثرية.
أما مسجد السيد هاشم الذي يقع في حي الدرج، فيعتبر من المساجد ذات الأهمية في مدينة غزة القديمة، ويحمل طابعاً تاريخياً لأن قبر هاشم بن عبد مناف جد الرسول (ص) موجود في إحدى غرفه الجانبية وارتبط اسمه باسم المدينة، كما توجد على جوانب المسجد مجموعة من الغرف، كانت سابقاً عبارة عن مدرسة لتعليم المذاهب الإسلامية.
سوق الذهب
سوق القيسارية أو ما يسمى سوق الذهب، يقع في حي الدرج بالبلدة القديمة بمدينة غزة وملاصق للمسجد العمري، هو عبارة عن شارع ضيق مسقوف بقبو مدبب وطوله قرابة 60 متراً وعرضه لا يتجاوز 3 أمتار، وعلى جانبيه تصطف حوانيت تجارية صغيرة، ويمتد عمر السوق لأكثر من 500 عام، ويعتبر من أهم الأسواق الأثرية التي لا تزال باقية في المدينة، ويطلق عليه العامة اسم سوق الذهب نظراً لكون جميع ما فيه من محلات تتاجر بالذهب، أما تسميته بالقيسارية فهو مشتق من القيساريات، التي كانت تعد أحد أشكال المنشآت التجارية الحرفية والصناعية القديمة.
حمامات عثمانية في فلسطين
ويمكن اعتبار حمام السمرا والذي يقع في حي الزيتون في مدينة غزة القديمة، وهو أحد النماذج الرائعة للحمامات العثمانية في فلسطين، هو الوحيد الباقي لغاية الآن في المدينة. حيث حظي في تخطيطه بالانتقال التدريجي من الغرفة الساخنة إلى الغرفة الدافئة ومن ثم الغرفة الباردة، والتي سقفت بقبة ذات فتحات مستديرة معشقة بالزجاج الملون، تسمح لأشعة الشمس من النفاذ لإضاءة القاعة بضوء طبيعي يضفي على المكان رونقاً وجمالاً، هذا بالإضافة إلى الأرضية الجميلة التي رصفت بمداور رخامية ومربعات ومثلثات ذات ألوان متنوعة، وقد رمم الحمام مؤخراً وأصبح أكثر جمالاً وروعة.
قلعة نابليون
قصر الباشا أو ما يسمى قلعة نابليون، يقع في حي الدرج في مدينة غزة القديمة، وهو عبارة عن مبنى من طابقين يعود تاريخه إلى العصر المملوكي، وكان مقر حاكم غزة خلال العصرين المملوكي والعثماني، وكان يستخدم كمركز للشرطة أثناء فترة الانتداب البريطاني. ويتميز قصر الباشا بأنه حصن من الدقة والقوة والجمال، ويحتوي على واجهات بنقوش ورسومات مختلفة مع أنماط متعددة في الأشكال، مثل شعار القائد المملوكي الظاهر بيبرس، بالإضافة إلى الأشكال الهندسية والعناصر الأثرية الفريدة مثل القباب والأشكال الهندسية المتقاطعة، ولهذا المبنى العريق أهمية كبيرة لدى الجهات المختصة في الآثار سواء على الصعيد المحلي أو الخارجي بسبب تاريخه، حيث قام برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالعمل على تحويل قصر الباشا إلى متحف، وبدأ ترميم قصر الباشا تحت إشراف وثيق من وزارة السياحة والآثار ومراكز دولية أخرى، وخلال المرحلة الأولى من المشروع، تم تشييد مناظر طبيعية وتركيب أبواب ونوافذ وبوابات جديدة واستعادة واجهة القصر.
ثالث أقدم كنيسة في العالم
تعتبر كنيسة القديس برفيريوس الأرثوذكسية، ثالث أقدم كنيسة في العالم في مدينة غزة القديمة، سميت بهذا الاسم نسبة إلى القديس برفيريوس الذي دفن فيها، حيث يوجد قبره في الزاوية الشمالية الشرقية للكنيسة التي يلاصقها من الناحية الشمالية مسجد كاتب ولاية، من دون أن تتمكن عوامل الزمن من إخفاء معالمها المسيحية الواضحة والعريقة، حيث يرتكز سقفها على أعمدة رخامية ضخمة، تسر أنظار الزوار بجمال تصاميمها وبنائها ولوحاتها الفنية العتيقة، والألوان اللافتة والأيقونات التي تزين الجدران بالرموز المسيحية، التي تروي حكاية المسيح عيسى منذ الميلاد.
منازل أثرية
بيت ستي هو عبارة عن منزل أثري يوجد في حي الزيتون في مدينة غزة القديمة ويعود للحقبة المملوكية والعثمانية، وهو مبني من الحجر الصلب المختلط بالطين، إضافة إلى الحجر الرملي والكركار، ومزخرف بنقوش عمارة إسلامية مملوكية وعثمانية على حد سواء. يعود إنشاؤه إلى ما قبل أكثر من أربعة قرون من الزمن، ولا يزال شامخاً في مكانه حيث تم تشييد هذا البيت الأثري على الطراز العربي الأصيل كحال كل منازل البلدة القديمة، وأجريت عليه العديد من الصيانات والترميم ليصبح على وضعه الحالي، وتم تحويله مؤخراً إلى مزار سياحي يقصده المواطنون، بعدما أصبح مطعما تراثياً يحمل اسم بيت ستي، ورغم الترميم الذي طرأ عليه إلا أنه ما زال يحتفظ بمعالمه العمرانية القديمة وحتى في الوجبات المقدمة والأجواء فيه.
ويقول الباحث في علم الآثار فضل العطل إن مدينة غزة القديمة بالرغم من مساحتها الجغرافية الصغيرة نسبياً، إلا أنها كانت ملتقى للعديد من الحضارات التي سكنتها، وشيدت فيها المساجد والكنائس والقبور وغيرها من المعالم التي بقيت تجسد تاريخ الحقب التي تعاقبت على المنطقة خلال العصور الغابرة.
وأوضح لـ«القدس العربي» أن الموقع الجغرافي والاستراتيجي للمدينة، شجع الحضارات القديمة للتعاقب عليها، فهي بوابة تجارية بين الحضارات القديمة، فقد ربطت الطريق التجاري الأفريقي بالآسيوي، وكذلك الحضارات الأوروبية عبر الطريق التجاري البحري على ساحل البحر الأبيض المتوسط .
وبين أنه بالرغم من تطور العمارة الحديثة حاليا بأشكال مختلفة، إلا أن النظام الإنشائي الذي بنيت فيه البيوت القديمة في مدينة غزة، هو نظام هندسي معماري عريق وجميل، فكانت هناك الأعمدة المزخرفة الشاهقة ومواد البناء الأساسية هي الحجر الرملي، بالإضافة إلى الحجر الجيري والرخامي والفخار والطين، وتوجد نماذج مميزة من البيوت التقليدية في البلدة القديمة، التي تشهد على عراقتها وأصالتها مثل قصر الباشا والمسجد العمري وحمام السمرة.
ولفت إلى أن هناك اهتماما كبيرا من قبل وزارة السياحة والآثار ومؤسسات دولية معنية بهذه الأمر، من أجل المحافظة على هذه الأماكن من التعرية والاندثار، وذلك من خلال مواصلة عمليات الترميم للأجزاء التالفة ومراقبة زوايا تلك المعالم بشكل مستمر، تحسباً لأي انهيارات تفقدها مكانتها التاريخية، حيث تم إطلاق مبادرة قبل أشهر لترميم عدد من المنازل الأثرية المتروكة في البلدة القديمة، وتم قبل أيام قليلة الانتهاء من مشروع الترميم، وتحويله هذه المنازل إلى مراكز ثقافية لجذب الزوار والسياح إليها.