ثمة نصوص يتمُ تقديمُها للقارئ والمتلقي في وقتنا الراهن، قد يبدو لمن ليس لديه الخبرة في عالم الأدب والإبداع، أنها نصوص إبداعية، لكن عند وضعها موضع المساءلة والتحليل نجد أنها تنحو بعيداً عن الإبداعية والشعرية، ولما كان من مهام النقد تبيان الجيد، فنحن بحاجة كذلك إلى الإشارة بين وقت وآخر إلى النصوص التي نرى فيها ضعفاً إبداعياً، والتي نرى أنها لا ترتقي إلى ما وصلت إليه الإبداعية العربية المعاصرة، ومن ثم فإن تكامل عملية النقد بتبيان الجيد من الرديء تتحقق بفحص مجالات الإبداع الراهنة كافة، وأحد السياقات التي أصبحت تهتم بها الشعرية الراهنة وتوليها أهمية خاصة هي العنونة.
عبر أربعةٍ وعشرينَ عنواناً لقصائد متاحة عبر موقع «القصيدة دوت كوم» للشاعر محمد البريكي نطالع فقراً معجمياً كبيراً في عنونة القصائد، إذ سرعان ما يعود البريكي، ليكرر العنونة ذاتها والمفردات عينها مرة أخرى، وكأنه غير قادر على إيجاد عنونة خاصة بكل قصيدة، فيعود لما سبقها ليأخذ منها، ونلاحظ هذا التقارب في العنونة عبر الجدول التالي الذي نعيد فيه ترتيب القصائد، بحيث نضع القصائد المتقاربة في الكلمة والفعل معاً، من ذلك:
اساقطت شعرا
نخلة العشاق
على عتبات الوقت
اسقطي من نخيل
اسقطي من نخيل
طاحونة الوقت
تساقط مني
منجل لا يقص الشجر
عادةً ما يتميز المبدعون بقدرتهم على توليد عناوين دالة مدهشة ومتجددة في الوقت نفسه، لكن نجد هنا تكراراً غير مبرر في نحو أربعٍ وعشرين قصيدة، في حين نجد الشعراء الحقيقيين – رغم عدد قصائدهم الكبير- لا يسقطون في فخ تكرار عنونة القصيدة، نجد هنا فقراً معجمياً ودلالياً واضحاً، فـ»التساقط» تكرّرَ في نحو ثلاث قصائد، و»النخلة» و»الشجرة» تكررتا في ثلاث قصائد، و»الوقت» في قصيدتين، وسنجد حرف الجر «على» يتكرر مرتين، وكذلك «من» و«مع» و«فوق» كل هذا التكرار يضفي نوعاً من ضيق الأفق على المعاني التي يمكن منحها للعنونة، بينما عادة يتم النظر للعنوان بوصفه بنية دالة موازية، تعادل كامل النص الذي ترمز إليه، إلا أنها هنا تبدأ من الضيق المعجمي والدلالي، وتضرب في التنافر المعنوي، فضلاً عن الاستهلاك في مثل عنوان «نخلة العشاق» فضلاً عن اللامعنى في «منجل لا يقص الشجر» إذ أنه من الطبيعي أن المنجل لا يقص الأشجار، فالأشجار تقص عادةً بالمنشار الكهربائي وبأجهزة خاصة بها، إذ صنع المنجل لقص الحشائش، فما المعنى الدلالي المفارق الجذاب – أو حتى العادي- الذي يفترض أن البريكي قدمه عبر عنونته هنا؟
نحار في اختيار القصيدة التي نبدأ منها التحليل، لكن نظراً لتقارب بنية العنونة بين قصائد «اساقطت شعرا» و«اسقطي من نخيل» و«تساقط مني» فإن ثمة إغراءً تأويلياً لفحص نسق القصيدة بينها، ذلك أن نسق القصيدة يتيح لنا معرفة القانون القائم بين عناصر القصيدة، وكيفية تآلف أجزائها، فهو الخيط الناظم لتلك العناصر والأجزاء، وهو النسيج الذي يشكل جماليتها، ويحقق الترابط بين مفاصل النص، ويشكل شبكة علاقاتها التي تحقق الانسجام وتساهم في عملية التأويل التراكب الدلالي، فكيف يسير هذا النسق، وكيف هو التشابه أو الاختلاف بين القصائد الثلاث؟
بنية القصائد الثلاث تسير في النمط ذاته: استهلال أو افتتاح، ثم محاولة تقديم صورة تكون ثقل القصيدة، ثم خاتمة، لكن بأي قدر كان الأمر موفقاً بالنسبة له؟ فلنضع الافتتاحيات الثلاث معاً ونرَ:
قصيدة: اساقطت شعرا
إلى مصر وطن الأحبة
بح لي بما شئت واسق الدمعة القمرا
لي دمعتان وحرفي يسحب الوترا
كأن أغنيتي أحضان عاشقة
تضم أهرامها فاساقطت شعرا
كأنها صورة .. عيناي من ولهي
ما بين كراستي صارت لها أطرا
قصيدة: اسقطي من نخيل
إلى القصيدة قبل الاشتعال
كلهم غادروا الغرفة
القلب والورد والشوق
والأغنيات
افتحي الباب
لن تجدي فوق هذا الفراش
سيولاً من الضحكات
قصيدة: تساقط مني
بين مرآة دمعتي
كنت ظني
لا أبالي بما تساقط مني
يسكت العقرب المشاغب
دوماً
في بدايات كل نزف
يغني
إن إحدى النقاط الجوهرية في الشعرية المعاصرة، أن النص الشعري قد تغير في طريقة تعامله مع الصورة والتشبيه والاستعارة والإيقاع، إنه ينحو لأن يكون نصاً إشكالياً، يضع لنفسه وفي داخله قواعده الخاصة التي تجعل القارئ مطالباً بالمجاهدة الجمالية العقلية، لكي يصل للمعنى والصورة الكامنة في داخله، تلك الصورة التي «أخذت دوراً رئيسياً في بناء القصيدة حتى صارت أحد أسس التركيب الشعري. وانتقلت من كونها طرفاً من أطراف التشبيه، يُقصد منها إيضاح المعنى وتأكيده في الذهن، إلى أن أصبحت هي نفسها حالة شعرية تنبع من أعماقها المعاني الموحاة من الشاعر والمتخيلة من القارئ، لما في الصورة من دفق شعوري فياض» لذا فإن استخدام أداة التشبيه الكاف في مفتتح قصيدة «اساقطت شعرا» نرصده كإحدى وسائل ضعف بناء الصورة في النص، خاصة أن الشعرية المعاصرة، تجاوزت الصورة التشبيهية بكثير.
وفي قصيدتيْ «اساقطت شعرا» و«اسقطي من نخيل» كانت هناك جملة افتتاحية لا علاقة لها بمتن القصيدة، في الأولى كانت بمثابة إهداء القصيدة إلى مصر وطن الأحبّة، والثانية، قبل اشتعال القصيدة، وإذا كانت القصيدة الأولى تحمل ضمنياً معنى من معاني الفخر الوطني والقومي والعربي بدولةٍ مثل «مصر الحبيبة» فإن اقتران العنونة بمعاني السقوط، وتكرار استخدامه في داخل القصيدة- حتى إن كان مقروناً بالانزياح الدلالي، ومحاولة إسباغ معنى مغاير- لا يتناسب بأي حال من الأحوال مع ذكر بلد بحجم مصر، فالمعنى هنا لا يعبر عن أي دلالة نستطيع أن نلصقها ببلد المحبوب، بل نجد مقلوباً صورياً يصعب تخيله، فالأغنية التي يتغنى بها الشاعر هي التي تحتوي الأهرام، والأغاني العاشقة والأحضان تحتويها ضفتي كراسة، ترى أي معنى ينحو إلى إيصاله للقارئ أو المتلقي هنا؟ تبدو لي الدلالة غائمة في اللامعنى، وضاربة في اللامنطق على نحو يمكننا فيه القول له صراحةً: إنك غير موفق في اختيار هذه الصورة التي لا تفيد شيئاً في حضرة البلد الذي استحضرته في مطلع قصيدتك من ناحية، ولا في حضرة ذكريات الأحضان مع المحبوبة من ناحية أخرى! تناقض تصويري ودلالي منفِّر، وانغلاق لإمكانية تكوين صورة متماسكة.
وفي القصيدة الثانية يبقى الحال على ما هو عليه، حيث نطالع سرداً غير شاعري، عن مجموعة قد غادرت الغرفة، ثم يحاول بعدها إيجاد شيء من الشعرية في الأمر، فينوه بأن من غادروا الغرفة هم: القلب والورد والأشواق، وهنا نتساءل: ترى هل تكفي هذه التشبيهات للقلب والورد والأشواق التي غادرت الغرفة – لا أعرف كيف غادرتها! هل تكفي لخلق صورة شاعرية مغايرة عن الاستعمال المألوف؟ ثم يتوجه بعدها إلى محبوبته طالباً منها أن تتأمل الفراش الذي تمت مغادرته، فهي لن تجد فوقه سيولاً من الضحكات، ومرةً أخرى يتعمق التنافر الدلالي بين الدال والوظيفة، الرمز والدلالة. فما علاقة الورد بتفجير الضحكات؟ إن الصورة هنا لا تحقق إمتاعية جمالية، ولا تجذب المتلقي.
القصيدة الثالثة «تساقط مني» نجد الامتداد ذاته للامعنى وانغلاق إمكانية تكوين صورة إمتاعية جمالية مستمرة معنا في القصيدة، فبينما يرى كثيرٌ من النقاد والمبدعين أن افتتاحية القصيدة هي أهم عنصر من عناصرها، ذلك أنها تجذب إليها المتلقي، حتى إنه كانت لها قواعدها التي يسير عليها الشعراء في العصر الجاهلي، فإما تكون بكاءً على الأطلال بما يستثير حالة النوستالجيا التي غلبت على الإنسان العربي القديم في ظل اضطراره للترحال من مكان إلى آخر، أو الخمريات، أو الغزل، كل تلك الافتتاحيات كانت الجوانب الأثيرة التي يتم بها استدراج المستمع إلى أجواء القصيدة، وهنا لا نجد لدى المؤلف توفيقاً في كيفية اجتذاب المتلقي إلى جوهر قصيدته، حتى إنه يستخدم صورة نتعجب منها، ألا وهي صورة: «يسكت العقرب المشاغب» ماذا يعني وصف العقرب بالمشاغب؟ وما هو النقيض للعقرب المشاغب؟ هل هو العقرب المسالم؟ وهل هناك عقربٌ هادئ أو مسالم؟ إن ثمة إلصاقاً لصفاتٍ يصعب تقبلها معاً، ولا تقدم معنى في تشكلها، فـ»سكوت العقرب المشاغب» هو نوع من أنواع اللامعنى، ربما لو كان الفعل أُلحِقَ بثعبان أو بأسد أو بثعلب أو غيرها من الحيوانات التي تمتاز بصفات الكر والفر مثلاً، لكان له وقع وتصورٌ أكثر منطقيةً وأفضل من وصف «العقرب المشاغب» وهو- بلا مبالغة- أحد أغرب التشبيهات التي قرأتها في حياتي مع تحليل النصوص الشعرية عبر ربع قرن!
شاعر وناقد مصري