البوح العظيم… المصريون ما جرى لهم وبهم 2011-2015

هذا كتاب شديد الأهمية صادر عن دار نهضة مصر، كاتبه استشاري الطب النفسي ومفكر هو خليل فاضل، من مواليد 1948 ومن ثم عاصر الأحداث المصرية واعيا بها منذ الستينيات، ونشر مقالاته في كثير من الصحف العربية والمصرية، وكان أحد المشاركين في الحركة الطلابية في السبعينيات، التي في نهايتها سافر إلى أوروبا للتدريب على العلاج النفسي وبالذات في لندن، وأنشطة كبيرة جدا في الثقافة وعلم النفس والأدب وله كتب عدة منها «سيكولوجية الإرهاب السياسي» و»الاضطراب الجنسي ـ الأبعاد النفسية للرجل والمرأة». كما له أكثر من مجموعة قصصية، وله رواية.
هذا الكتاب ربما يذكرك بكتاب جلال أمين «ماذا جرى للمصريين»، إلا أننا هنا أمام مفكر وأيضا طبيب نفسي، ومن ثم يختلف المنهج، فهو لا يتحدث وحده، بل يترك مساحة كبيرة من الكتاب الذي يقع في أربعمئة صفحة لنماذج من الأجيال المختلفة ينهي بها كل فصل من فصول الكتاب السبعة، فضلا عن الحالات النفسية التي مرت به في العيادة النفسية.
إهداء الكتاب أول ما يخطف البصر فهو لشيماء الصباغ الشاعرة والناشطة الحقوقية والباحثة في التراث الشعبي، وعضو حزب التحالف الاشتراكي، التي قتلتها رصاصات الخرطوش ليلة 24 يناير/كانون الثاني 2015، حين أرادت وزملاؤها من الحزب دخول ميدان التحرير لوضع الورود على النصب التذكاري الذي كان موجودا للشهداء.
ينقسم الكتاب إلى سبعة محاور، وكل محور إلى أقسام. الأول عن الصحة النفسية للمصريين، يبدأه بأسماء من اختارهم في استخباره عن كل قضية من مواليد التسعينيات والثمانينيات ثم السبعينيات فالستينيات وما قبلها. كثير منهم نعرفهم في الحياة الثقافية والفنية والسياسية، أو رأيناهم أيام الثورة، أو رأينا إنتاجا فنيا وأدبيا لهم. يبدأ برأي دراسة أتمها المجلس الثقافي البريطاني، ومركز جون جيرهارت للأعمال الخيرية يقول: «إن اكثر ما خيب آمال الشباب الناشطين في كل من تونس ومصر وليبيا، هو استئثار الفاعلين العسكريين والسياسيين الأكبر سنا والأكثر خبرة، باتخاذ القرار في مرحلة إعادة البناء الوطني، ثم شهادات للشباب الذين شاركوا في الدراسة نفسها، التي لخصها أحدهم «نعم أنا واحد ممن أطلقوا عليهم «نحانيح 25 يناير»، لكن هل أنا من السوقة التي خربت البلد وأخرجت أسوأ ما فيها، أنا الابن المتمرد الذي خرج ليلة 28 يناير ولم يخبر والدته أنها لن تراه مجددا، وستتسلم نعشه من مشرحة زينهم بجانب ميدالية ذهبية باسم الثورة»، طبعا هنا سخرية فالذي حصل هو المشرحة بلا ميداليات. ويستمر الفصل عن كيف أظهرت الثورة أجمل وأنبل ما فيها ثم طفح الغث طيلة أربع سنوات، وكيف وفدت عليه حالات عصاب، أو اضطرابات نفسية مرتبطة بالأحداث يتحدث عنها.
يقول أحدهم «أنا مقتنع بالثورة بدرجة مرضية مهووس بها وأحداثها، وكلما شاركت في أحداثها زاد وسواسي القهري وأردد، قَتْل قَتْل قَتْل». طبعا يذكر أعداد القتلى من ثوار، تلك الفترة في كل المناسبات، وغيرهم من الذين أصابهم الذهان، التوتر النفسي والعقلي، وظهرت لديهم هلاوس وضلالات، لم يعرفها أحد إلا صدفة، بعد أن فشلت محاولات التمرد على السطة الأبوية، ومثال ذلك زينب المهدي التي انتحرت. المحور الثاني عن الصحة العامة عند المصريين وأبعادها الاجتماعية والسياسية يرصد فيه أمراضا جديدة منذ عام 2010 منها مرض الوهن العصبي، أي الشعور الذاتي المستمر بالانهاك والضعف العام والإعياء، المصحوب بأعراض عضوية متنوعة، وبعد دراسة البعد الاجتماعي كعادته عند الباحثين من العالم ودراسة البعد السياسي للأمراض تأتي رؤية الأجيال المختلفة للصحة العامة للمصريين. بعضهم يري أن الدولة تخلت عن وظائفها الأساسية في التعليم والصحة، وبعضهم يراها شريكا في اعتلال صحة المصريين، وبعضهم يرى الأغذية الفاسدة وراء الأمراض، كذلك مافيا الطب الخاص، وتلوث الأنهار بالمخلفات، بينما يرى البعض أننا بالفعل فريسة لذلك كله وللفساد.
ويأتي المحور الثالث مهما عن سيكولوجية رجل الأمن والدولة العميقة، ويشير إلى تكون لجنة في الثامن من فبراير/شباط 2011 تحت اسم «نفسانيون من أجل الثورة» ضمت العديد من العاملين في الحقل النفسي كان المؤلف من بينهم لدراسة ما جرى بعد الثورة من استقطابات وفتنة طائفية وقمع وكبت، والعوامل التي أظهرت ذلك قبل أن يدخل إلى سيكولوجية رجل الأمن، التي قامت على فكرة حماية النظام السياسي وليس المواطن، فظهر ما نعرفه عن رجل الأمن من غلظة، أو عدم اهتمام، أو رشوة أو تعاون مع المجرمين في الوقت الذي أصاب فيه بعض رجال الأمن اليأس والكره لمهنتهم. وكيف أنه لا سبيل لردم الهوة بين رجل الأمن والمواطن، إلا أن يصبح رجل الأمن مواطنا عاديا، وظيفته حفظ الأمن وسلاحه للمجرمين والقتلة وأعداء الوطن وليس أعداء أي نظام أو حزب.
ويتابع عنف الشرطة الذي تدرج من عهد عبد الناصر، الذي كان فيه العنف منصبا على المعارضين السياسيين، حتى صار لكل الناس ويدلي المشاركون في الرأي فيرى أحدهم أنه للأسف لم يتم استخدام الزخم الثوري بفاعلية، فأصبحت الثورة كجندي يفرغ رصاصه في الهواء. ويرى غيره أن الضابط أحيانا يفعل ذلك تحت تأثير الإرهاق في العمل، الذي يصل إلى 18 ساعة في اليوم، بينما يرى آخرون أن أيديولوجية النظام المصري قائمة على أن الدولة يجب أن تكون هي الأقوى من الحركات الأخرى، أو أن الشرطة بعد الهروب في يناير عادت لاستعادة هيبتها، أو أن الشرطة فقدت وظيفتها من زمان، وصارت كرباجا في يد الدولة، أو أن رجل الأمن جزء من المرض النفسي الذي أصاب المجتمع. وهكذا حتى نصل إلى المحور الرابع، ثورة يناير أسباب ونتائج. ودراسة للثورات ورأي المفكرين في أسباب فشل ثورة يناير ومنها رأي فوكوياما المنظر الأمريكي الشهير، أن فشل ثورة جيل الفيسبوك جاء من عدم قدرتها على تنظيم نفسها، بحيث يصعد إلى سدة الحكم أشخاص ممن يحملون فكر الثورة وغاياتها ويؤمنون بالديمقراطية التي تصنع تحولا ينهي الاستبداد. ودراسة للمد الداعشي بعد الربيع العربي وسيكولوجية الداعشي، أو أي إرهابي باحث عن الطمأنينة من خلال العنف، إما الموت أو الشهادة، ويرى المساهمون أن «داعش» ستستهلك نفسها في النهاية، بينما يرى آخر أننا أصبحنا ثلة قاذورات يلقي فيها العالم نفاياته، أو أن الطائفية هي الفيروس الخبيث وراء ذلك، أو أن «داعش» لا تختلف عن طالبان وعن النازية والكوكلوكس كلان، أو هي مسرحية عبثية مثل «بيجماليون» فما تصنعه ينقلب عليك حين تكتمل قدرته.
ثم المحور الخامس عن الدين و»التديين»، عن الهوية والإرهاب وهو محور مهم فمصطلح «التديين» الذي وضعه الراحل عالم الاجتماع عبد الباسط عبد المعطي شديد الأهمية هنا، وكيف أنه نشْر وتدعيم وعي ديني ذي خصائص نوعية، سواء على مستوى المظهر، أو الملبس، أو الأفكار والممارسات، وكيف عانت مصر من ذلك لسنوات طويلة، ثم الإرهاب كما نعرفه وكما لا نعرفه من إرهاب الدولة في التعامل مع معارضيها. التاريخ مليء بذلك مثل قنبلة هيروشيما ونجازاكي. ويأتي المحور السادس عن الفساد والاقتصاد وتجلياته في الدولة والعائلة الحاكمة ومناصريها، ثم المحور السابع عن التعليم وانهياره، وهكذا تكون الفصول الأخيرة شارحة لكيف جاءت ثورة يناير.
الكتاب دراسة فكرية ودراسة سيكولوجية اعتمدت على حالات من المرضى ودراسة لرأي أجيال وهذا أمر يزيد الكتاب اكتمالا إلى درجة عظيمة، لم تحدث من قبل.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية