في المنطقة الشمالية الشرقية، ممر نهر الفرات، يستخدم السوريون اصطلاحاً فِعلَ (يِتْبَربَك) للدلالة على زيارة طويلة لضيف ثقيل يُحَمِّل المُستَضيف عبئاً كبيراً يصعب تحَمُّلُه، وقد يُقيم أياماً أو أسابيع أو حتى أشهرا.
وعلى الرغم من أن المعنى الاصطلاحي لفعل (يِتْبَربَك) باللهجة الفراتية يحتَمِل أنَّه مشتقٌّ من جذر الفعل (بَرَكَ): (بَرَك البعير من باب دخل أي استناخ وأبْرَكَهُ صاحبُه فَبَرَكَ وهو قليل والأكثر أناخَهُ فاستناخ) – معجم مختار الصحاح للرازي- إلا أن المعنى الأقرب للكلمة مستنبطٌ من حدث تاريخي وثيق الصلة بالتاريخ الفرنسي وهو ما وثَّقته الصحيفة السويسرية «الزيورخي الجديد» تحت عنوان (قدوم البورباكي) المذكور بالمصادر الفرنسية، الألمانية والإيطالية.
في عددها الصادر بتاريخ 30/01/ 2021 خصَّصتْ اليومية المذكورة صفحتين كاملتين لهذا الموضوع، الذي كان سبباً في استنباط مصطلح (البَرْبَكة) فوصل إلى سوريا (منطقة الفرات) خلال حقبة الاستعمار الفرنسي! في الأول من شباط/فبراير 1871، ووفقاً للمصادر الفرنسية، وصلت قوات فرنسية مؤلفة من خمسة وثمانين ألف جندي إلى سويسرا عبر الحدود الفرنسية ـ السويسرية، بينما تشير المصادر السويسرية إلى أن عدد البورباكيين قاربَ ثمانية وثمانين ألف جندي. كانت تلك القوات تنتمي إلى الجيش الفرنسي المقاتل على الجهة الشرقية لفرنسا أثناء الحرب الطاحنة مع الجيش البروسي الألماني. أطلق عليه الفرنسيون اسم (بورباكي) نسبةً إلى قائد جيشهم وزعيمهم شارل دوني بورباكي ذي الأصل اليوناني، الذي حاول الانتحار بإطلاق رصاصة على رأسه بسبب هزيمته من قبل القوة الساحقة للبروسيين الألمان في ساحة المعركة، لكنه نجا بعد أن أخطأ التصويب وأصيب إصابة طفيفة خُلِعَ بعدها من قيادة تلك القوات، ليتَسلَّم مهامه الجنرال جاستن كلينتشانت، مع أن مصير قواته كان محتوماً ، فهم محاطون من ثلاث جهات، خصوصاً أن البورباكيين كانوا يقاتلون جيش بسمارك البروسي القوي والمُجَهَّز بالعدة والعتاد، بينما قاتل الفرنسيون بأحذية عسكرية ذات نعال مصنوعةً من الكرتون المُقوّى على أرضٍ وجبالِ مغطاة بالثلج.

ليلة الأول من فبراير تفاوض مبعوث من الجنرال كلينتشانت على شروط لجوء الجيش الفرنسي مع الجنرال السويسري هانز هرتسوغ، على الرغم من أنه لم يكن هناك أي شيء للتفاوض عليه، بل كان الجنرال السويسري هو من أملى الشروط. وافق المبعوث الفرنسي على جميع النقاط تقريباً، لكنه قاوم متردّداً شرطاً واحداً فقط بخصوص إقامة مزاد فوري لخيول الجيش الفرنسي، وهو ما اقترحه الجنرال هرتسوغ، لأن الخيول كانت نادرة في سويسرا آنذاك. على وقع ضربات المدافع البروسية الألمانية، بدأ الجنود الفرنسيون عبور الحدود إلى سويسرا الآمنة، عن طريق ممر (لي فيريير) في منطقة (فال دو ترافير) وآخرون في أماكن أخرى في نوشاتيل وفودوا- كانتون يورا. في غضون 48 ساعة فقط، وصل 87847 جندياً إلى سويسرا ـ وكان ذلك العدد من الجنود يعادل حوالي ثلاثة في المئة من سكان سويسرا في ذلك الوقت. اعتُبِرتْ مساعدة الشعب السويسري غير عادية، حيث كتب المؤرخ السويسري باتريك ديخر في كتابه «لجوء جيش البورباكي عام 1871»: «أعطى الجنود الفرنسيون انطباعاً مخيفًا أثناء العبور. سار الكثير منهم بأقدام عارية أو مغطاة بالقماش». تشير المصادر السويسرية إلى أن الجنود الفرنسيين نقلوا معهم الأوبئة إلى البلاد، حيث كان العديد منهم مرضى غالباً ما كانوا يعانون من أمراض مُعدية مثل الجدري أو التيفوئيد، ومع أن السويسريين استطاعوا في ذلك الوقت الحدَّ من انتشار الحمى التيفية إلا أنهم فشلوا في وقف انتشار وباء الجدري، ففي كانتون بيرن وحده، أُصيب حوالي 2700 شخص بالمرض، ما تطَلَّبَ الارتجال والعمل السريع. يكتب المؤرخ باتريك ديخر أيضاً عن مناشدة للسويسريين من قبل حكومة كانتون آرغاو إلى «شعور المواطنين بالتضحية والإحسان» حيث أصدرت الحكومة السويسرية «ضريبة الحب الطوعي» في 26 فبراير، التي كان من المقرر تحصيلها في الكنائس بعد الخدمة الصباحية. وكان لا بد من تسليم العائدات إلى مديرية الداخلية في الكانتون المذكور. تُظهر بعض الصور واللوحات التي تم رسمها وتوثيقها، الجنود الجرحى من جيش بورباكي وهم يتلقُّون الرعاية في الكنيسة القديمة «لي تيرو» في لوزان، التي تم تحويلها إلى مستشفى عسكري. أما في كانتون لوتزيرن، فقد تم تحويل الكنيسة اليسوعية الباروكية – لبضع ليالِ – إلى ملجأ مزود بمدفأتين حتى يتمكن ما يزيد عن 1000 جندي من قضاء الليل هناك.

بعد دخول الجنود الفرنسيين إلى سويسرا عبر الكانتون الفرنسي، نشرت اليوميات السويسرية على الصفحات الأولى ما يحدث في المنطقة الحدودية: «هل ستكون الدولة الصغيرة قادرة على التعامل مع أزمة اللاجئين المفاجئة؟» كما كتب مراسل صحيفة «الزيورخي الجديد» في السابع من فبراير 1871: «منذ ثلاثة أيام رأينا المشهد الرهيب للجيش في (ديرو) بِزيّه العسكري الأسود المتسخ.. يتابع: «يقوم سكان قرى (فال دو ترافير) بمعجزات للتخفيف من هذا البؤس. لكن تفانيهم لا يحدِّه حدّ ضمن الوسائل المتاحة في أكثر من بلدة، لقد صار من الصعب شراء قطعة خبز بـ 10 أو 20 فرنكاً. سنخاف قريباً على الناس في جبال كانتون (يورا) السويسري من الجوع، وذلك بسبب مساعدتهم العفوية للجنود الفرنسيين». لقد تجاهلت الحكومة الفيدرالية تحذيرات قادة الجيش من خطر أن تنتقل الحرب إلى سويسرا. إنها على بُعد بضع ساعات فقط سيراً على الأقدام من (بونتارلييه) آخر مكان للبورباكيين في فرنسا، والمحاصر من قبل البروسيين. بعد ساعات يلتقي القائد العام السويسري مع مفاوض فرنسي في (لي فريير) منتصف الليل وتتم الموافقة على شروط الاتفاق، إذ كان على البورباكيين تسليم أسلحتهم وذخائرهم، وقد حصل ذلك فعلاً فصادرت القوات السويسرية أكثر من ستين ألف بندقية وثمانية آلاف سيف، بالإضافة إلى مئتين وأربعة وثمانين مدفعاً. وعلى القوات السويسرية أن تكون مستعدة، لأنه في الأيام المقبلة سيتم توزيع جنود وضباط البورباكيين على مئة وثمان وثمانين قرية وبلدة في جميع الكانتونات.
في (سان كروا) و(فالورب) وبالقرب من بحيرة (دو جو) تتحرك أجزاء أخرى من الجيش البورباكي إلى بر الأمان. عملياً ومن يوم لآخر، يتعين على سويسرا إطعام ثلاثة في المئة أكثر من ذي قبل. لقد كان الجنود الفرنسيون موزَّعين على مئة وثمان وثمانين قرية ويحاول المجلس الفيدرالي أن يكون جاهزاً لبضعة أسابيع وسيترتب على ذلك تكاليف باهظة!
توقفت الحرب في شهر آذار/مارس 1871 بعدما استسلم الفرنسيون وأعلن البروسيون انتصارهم فعاد الجنود الفرنسيون إلى فرنسا بعدما تَلقّوا عناية استثنائية في «بلد الصليب الأحمر» فقد تعاضدت جميع الكانتونات في سويسرا، وكان على الحكومة الفرنسية دفع مبلغ تجاوز اثني عشر مليون ومئة وأربعة وخمسين ألف فرنك سويسري للحكومة الفيدرالية السويسرية كتعويض عن نفقات جنودهم الذين تجاوزت فترة حمايتهم ومساعدتهم شهراً كاملاً، بعد أن أظهر السويسريون وجههم الحضاري بالطريقة الإنسانية الاستثنائية والتي قدَّموا بها أكثر من الممكن، حيث تم إيواء البورباكيين في الأحياء النائية، الكنائس أو المباني المدرسية أو المكتبات. كما قدّموا الطعام والشراب والدواء.

بعد توقف المدارس عن التعليم بسبب إقامة البورباكيين فيها، نسجت فتيات المدارس بنطلونات الصوف والجوارب لحماية هذا العدد الهائل من الجنود الفرنسيين من برد جبال الألب السويسرية، وقد وصل بهنَّ الأمر بأن نظّمْنَ أهزوجةً شعبية باللغة السويسرية – الألمانية تُخَلِّد ما جرى منذ ما يزيد عن مئةٍ وخمسين عاماً، كما أصدرت مديرية البريد العامة في سويسرا واعتباراً من بداية شهر مارس 2021 طابعاً بريدياً لتخليد الذكرى المئة والخمسين لوصول الجنود الفرنسيين(البورباكي) إلى سويسرا.
لقد أضاف الفرنسيون مصطلح (البَربَكة) الفجّ إلى اللغة المحكيَّة في منطقة الفرات، بعد أن (تَبَربَكوا) خمسة وعشرين عاماً في سوريا، مضيفين تلك المفردة المُقْبِلة من وسط أوربا إلى اللهجة الفراتية، لتكون مفردة (البَرْبَكة) خيرَ شاهد على اعتراف الفرنسيين بالمساعدة الاستثنائية والتاريخية التي قدَّمتْها سويسرا لجيشهم المهزوم منذ أكثر من مئة وخمسين عاماً مصحوبةً بذكرى تضامن إنساني غنَّتْه فتيات المدارس السويسريات:
«إخواننا الفرنسيون… وَصَلوا في بنطلونات ممزّقة: بسرعة. بسرعة.. أعطني بنطالاً، حتى لو لم يكن جديداً.. أعطني بنطالاً في أي وقت من الأوقات».
كاتب سوري