البيبلوغرافيا ثانية

أثارني المقال المهم الذي كتبه الناقد الأستاذ سعيد يقطين المعنون (من أجل بيبلوغرافيا عربية) والمنشور في جريدة “القدس العربي” يوم الخميس 6 حزيران (يونيو) 2019، الذي شخّص فيه بدراية ووعي، مشاكل يعانيها الكتاب العربي اليوم، بدءًا من مسائل التوزيع والتسويق ومعضلات التبويب والأرشفة ورقيًا ورقميًا، وانتهاء بأحوال الناشرين وعشوائية الكتب المطبوعة سنويًا التي تجعل القارئ العربي في محنة وهو يحاول الإلمام بالجديد منها، ناهيك عن غياب دور النقد في التصدي لما هو مطبوع، وفحصه ودراسته، تأشيرًا على المميز والجيد وفضحًا للمغشوش والمزيف.

والمؤسف أنّ المطبوع في بلادنا العربية هو آخر شيء يمكن أن تضعه في بالها بعض المؤسسات المعنية بالثقافة والمعرفة، تاركة الحبل على الغارب، مكتفية بما تقوم به دور النشر من ضخ للمطبوعات صناعة وترويجا ومنافسة، وبأشكال شتى لا تراعي نوع الكتاب أو جدة موضوعه، وطبيعة معالجاته ومنهجياته، وإنما تهتم بالمردود المالي والتجاري حسب.

ولا يخفى ما للمسابقات والجوائز التي تتبناها مراكز ثقافية وهيئات رسمية وغير رسمية من ترويج لكتب أدبية معينة تخدم توجهاتها قبل أي شيء آخر، غير آبهة بما تسنه من مواضعات صارت تترسخ في جسد الثقافة العربية بغير حق، ضاربة كشحًا عن كتب أكثر أهمية، تعنى بمسائل فكرية إشكالية، أو طروحات لمعضلات علمية، أو رؤى معرفية بإزاء قضايا جدلية.

والكتاب العربي ينبغي أن يكون وسيلة وغاية؛ لأن الكتب دالة حضارية، بها تؤكد الأمم رقيها، وعليها تستند في التأشير على تميزها الثقافي والفكري، الذي به تضع خطوات جديدة على سلم المعرفة الإنسانية.

وما إهمال الكتاب العربي من ناحية صناعته وكيفيات تمويله وتسويقه، سوى تبعة من تبعات غياب التخطيط العلمي في مسائل تتعلق بالتمويل والدعم للكتاب العربي باتجاه التعريف به عالميا، فضلا عن ضعف التوجهات المستقبلية في صناعته، سواء برسم استراتيجيات التمكين القرائي الذي به يصبح الحصول على الكتاب ميسرا، أو في المقتضيات التمويلية المادية والمعنوية التي بها تُستثمر الطاقات الإبداعية، وقد سُخرت لها الإمكانيات ووُفرت الآليات والمتطلبات، لتفيد منها في دعم الواقع الثقافي العربي والنهوض به أدبيا وعلميا.

وما أكثر ما يحويه مشهدنا الثقافي من كتب ومجلات ومطبوعات مهملة، تحتاج من مؤسساتنا الثقافية أن توليها اهتماما كافيًا من الرعاية والعناية، وإلا فأنها ستضيع وتهدر مثلما أنّ في ثقافتنا الشفاهية أرثًــا تركه لنا السابقون، إذا لم يؤرشف فسيندثر ويضيع.

وهذا ما تنبه له العرب قديمًا، عارفين أن أي معرفة مصيرها الضياع ولا سبيل للمحافظة عليها إلا بتقييدها تدوينا. ولذلك وضعوا الفهارس وصنعوا المعاجم موثقين علومهم، وجامعين أشعارهم، مقيدين أسماء أدبائهم ومصنفاتهم، حتى حفظوا أخبارهم وادخروا ألفاظ لغتهم في قواميس وبمناهج مختلفة.

وحري بنا أن نواصل نهجهم مفيدين من الرقمنة ومدياتها الهائلة، مخصصين لإنتاجنا قنوات معرفية، وبوابات بيبلوغرافية، ومواقع ارشيفية يخطط لها بمشاريع كبرى وبإمكانيات تناسب حجم الأهداف المتوخاة منها. وأن يرافق ذلك عمل ورقي مماثل، يحفظ للأجيال مختلف صنوف المعرفة بقديمها وحديثها. ليس ذلك حسب؛ بل نسهم في وضع حل لفوضى التأليف والنشر عندنا، جاعلين هذه البيبلوغرافيات وبالصيغتين الورقية والالكترونية، متاحة لعموم القراء العرب وغير العرب، ولا سيما إذا تظافر مع هذا الفعل الكبير، اصدار مجلات شهرية أو فصلية تواكب كل ما يطبع عربيا، يتبنى إصدارها الناشرون العرب.

وأرشفة العمل وتبويبه في قاعدة بيانات مفهرسة سمة حضارية، ناهيك عن كونها مسؤولية تاريخية فكم من أرث ضاع تمامًا بسبب غزو أو احتراب لأنه لم يكن موثقًا، كما حصل في أفغانستان من قبل طالبان، أو ما قام به تنظيم “الدولة” في الموصل.

وما أحوجنا عربيًا إلى أرشفة شاملة لثقافتنا تحاكي الراهن العالمي في حفظ التراث ومواكبة المستجد في عالم المعرفة. وهنا نشير وباعتزاز عالٍ إلى موقع (الشارخ للمجلات الادبية والثقافية العربية) الذي تأسس بمبادرة شخصية حميدة.

ففيه تم التوثيق لكل ما صدر من مجلات على مدى قرن وأكثر، ليكون أوسع موقع ثقافي، يحوي بيبلوغرافيا فيها أكثر من مئة وتسع وتسعين مجلة عربية من العام 1880 وحتى مطلع الألفية الثالثة، فبلغ مجموع أعداد المجلات التي ضمها الموقع ثلاثة عشر ألف تقريبا، وبمليونين ونيف من المقالات ولعشرين ألف مؤلف بين كاتب وباحث وشاعر وناقد وبصفحات بلغ مجموعها 1651118. والموقع متاح مجانا للقراء والباحثين، وفيه مجلات نادرة من القرن التاسع عشر وكذلك مجلات عربية صدرت خارج البلاد العربية في لندن وبرلين وأمريكا والهند.

وقد بلغ عدد المجلات المصرية المفهرسة في الموقع اثنتين وثلاثين مجلة، وأقدمها مجلة “الأستاذ” المصرية التي رأس تحريرها الأديب عبد الله النديم وصدرت العام 1892 ومجلة “الرسالة” التي رأس تحريرها أحمد حسن الزيات عام 1932. أما عدد المجلات العراقية، فكان تسع مجلات، وأقدمها مجلة “لغة العرب” التي رأس تحريرها الأب أنستاس الكرملي وصدرت العام 1911 وكذلك مجلة المجمع العلمي العراقي وصدرت العام 1950 ومجلة “المورد” التي رأس تحريرها عبد الحميد العلوجي وكان مجموع اعدادها مئة واثنين وثلاثين عددًا من عام 1971 إلى العام 2001.

وكان عديد المجلات اللبنانية المؤرشفة ثلاث عشرة مجلة، أقدمها مجلة “المشرق” التي رأس تحريرها لويس شيخو اليسوعي وصدرت العام 1898. بينما كان عدد المجلات المغربية أربعا وأربعين مجلة ومنها مجلة “رسالة الأديب” ورأس تحريرها محمد الحبيب ومجلة “الثقافة الجديدة” التي رأس تحريرها محمد بنيس من عام 1974الى 1983 وبسبعة وعشرين عددًا. أليست هذه ثروة هائلة؟

والجميل أن في الموقع إمكانيات رقمية بوسائط متعددة تسهِّل على الباحث والمطالع عملية الوصول إلى المجلات والمقالات، مع مراعاة ضوابط الملكية الفكرية وحقوق النشر للمؤلفين.

وحري بالمنظمات والمراكز البحثية الجامعية وغير الجامعية المعنية بالمحافظة على التراث والساعية إلى النهوض بالواقع الثقافي العربي أن ترسم استراتيجيات مشابهة لما قام به الشارخ.

ولا نغالي إذا قلنا إن على المنظمة العربية للثقافة والتربية والعلوم (الكسو) يقع الدور الأهم، كون الحفاظ على الثقافة العربية وتطوير مجالاتها التربوية والعلمية يقع في صميم أهداف هذه المنظمة.

وواحدة من الأمور التي يمكن للمنظمة أن تساهم فيها في دعم الثقافة، هو المبادرة إلى إنجاز مشاريع بيبلوغرافية من هذا النوع، وبرؤية ثقافية موحدة، بها تلملم شتات المتبعثر من الإنتاج العربي كتبا ودوريات وموسوعات، واضعة بيبلوغرافيات شاملة، كأن تكون واحدة للكتاب التراثي، وثانية للكتاب الأدبي، وثالثة للكتاب العلمي، ورابعة للمستورد والمترجم. ولأن مشاكل البيبلوغرافيا هي جزيئة من موضوع أكبر هو الثقافة العربية، التي تتطلب من المؤسسات الرسمية وغير الرسمية دورا أكثر فاعلية في دعمها، فإننا سنعود إلى تفصيله في مقال قادم، والعود أحمد.

* كاتبة عراقية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية