مع أن المَنيّة عاجلت ألبير كامو، فقضى نَحْبُه عام 1960 في حادث سيارة كان يقودها بنفسه، وهو عائد من اجتماع بوزير الثقافة الفرنسي، الذي عَرض عليه في هذا الاجتماع تولي منصب وزارة الثقافة، وعلى الرغم من الموت المفاجئ، فإنَّ المفكرين المعاصرين يجمعون على أن كامو، «ضمير من ضمائر هذا العصر الذي نعيش فيه» لأنه «سلّط الأضواء على المشكلات التي تعرض لضمائر الناس في هذه الأيام» فكان جديراً بجائزة نوبل التي حصل عليها قبيل موته في عام 1957. فكامو يعتبر من أكثر الكتّاب التصاقاً بحياتهم، بمعنى أنَّ سلوكه في حياته الخاصة والعامة لم يختلف كثيراً عمّا تضمنته مؤلفاته من آراء وأفكار، حتى الطريقة التي مات بها، كانت الطريقة الوحيدة التي تتفق وآراءَه في الحياة والموت، وجاءت خير تأكيد لفلسفته قبل موته.
ولد كامو في الجزائر عام 1913 من أب فرنسي كان يعمل مزارعاً، ومات أبوه في الحرب العالمية الأولى عام 1914، فقامت أمه ذات الأصل الإسباني بتربيته، في مسكن فقير في أحد الأحياء الشعبية في مدينة الجزائر.
نصرة المظلومين
وبعد أن حصل كامو على شهادة البكالوريا اضطر، بغية مواصلة الدراسة في فرع الفلسفة، إلى القيام ببعض الأعمال المتواضعة في مجالات التجارة والإدارة. وفي عام 1936 تقدم للحصول على دبلوم الدراسات العليا بموضوع عن «العلاقات بين الروح المسيحية في مؤلفات الفيلسوف أفلوطين والقديس أغسطين». غير أنَّ إصابته بمرض السل حالت بينه وبين أداء امتحان الاجريجاسيون في الفلسفة، ومنذ ذلك الحين، كلف كامو بالمسرح، وقام بتكوين فرقة الفريق. وقد اقتبس لهذه الفرقة عدّة أعمال أدبية لكبار الكتّاب مثل: «عصر الازدراء» لأندريه مالرو، «وبروميتيه» لايشيل، «والأخوة كارامازوف» لدوستويفسكي.
في بداية شبابه عمل صحافياً في مدينة الجزائر ثم في باريس. وفي عام 1940، حاول أن يلتحق بالجيش، لكن صحته حالت دون ذلك. وفي ظلال الاحتلال الألماني، كان كامو يشغل مركزاً مهماً في حركة تحرير فرنسا من الألمان المعروفة «بالمقاومة». وفي عام 1944 أصبح رئيساً لتحرير جريدة «المعركة». وقد جمعت في ما بعد المقالات الشهيرة التي كتبها في تلك الفترة، ونشرت تحت عنوان «الأحداث الراهنة» عام 1952 ثم عام 1953. وطوال حياته القصيرة، ظلَّ يُناضل لنصرة الضعفاء والمحرومين والمطالبين بحريتهم. والناظر إلى مؤلفاته يَجدُ أنّها بصفةٍ عامة تنتظم حول قطبين اثنين: العَبث والتمرّد، متفقةً في ذلك مع المرحلتين اللتين مرّت بهما فلسفة هذا الكاتب.
عاش كامو أحداث الحربين العالميتين، وعانى أهوالهما. فالحرب الأولى سلبته أعظم سند للرجل وهم الأصدقاء، ثم أن اتجاهه منذ مطلع حياته إلى الدراسات الفلسفية والمرض الذي أصابه في ريعان شبابه، كل ذلك جعله يعتقد بخلو الحياة من المعنى، فقاده هذا الاعتقاد إلى اعتقاد آخر، وهو أن الإنسان حرّ في تصرفاته، حرّ في أن يسلك في حياته أيّ سبيل، دون التقيّد بأي مبادئ أو النظر إلى أي اعتبارات، وأن على الإنسان أن يَنهَل من مباهج الحياة ومسرّاتها ما شاء له أن يَنهل. وقد عرض هذه الأفكار في بحثه الفلسفي «أسطورة سيزيف» ثم تناولها في رواية «الغريب» عام 1942، وبعد ذلك في مسرحيتين هما «كاليغولا» و»سوء التفاهم» نشرتا عام 1944. ثم تطوّرت أفكار كامو في رواية «الطاعون» عام 1947، وفي مسرحيتين هما «حالة حصار» عام 1948، و»العادلون» عام 1950 قبل أن تتضح في «الرجل المتمرّد» عام 1951.
مصير حتمي
في مطلع حياته، كان كامو ينتمي إلى الفلسفة الوجودية، غير أنه انفصل عنها إلى فلسفة أخرى شخصية هي فلسفة العبث، وقد حدّد معنى هذه الفلسفة في بحث نشره عام 1943 بعنوان «أسطورة سيزيف» أو بحث في العبث. ثم عاد فتناولها في رواية «الغريب» التي نشرت في العام نفسه. ومن بعد ذلك عرضها على المسرح في عملين دراميين: «كاليغولا» و»سوء التفاهم». وقد ظلت هذه الفلسفة قائمة حتى كتب «الطاعون» عام 1947 بعد تطور ملموس طرأ على أفكاره وآرائه. ومن المهم تناول هذه الفلسفة في «أسطورة سيزيف» وأن نحاول تحديد معاني بعض الألفاظ التي تتردد في هذا البحث الفلسفي مثل: العبث، الإنسان العبثي، التمرّد، الحرية، الشغف أو الولع. هذه الألفاظ التي نجد لها عند «كامو» رنيناً خاصاً ومدلولات معينة.
بدأ «كامو» بهذا السؤال: هل الحياة تستحق منا أن نحياها؟
إنّه يرى أنَّ الحياة بالنسبة للغالبية العظمى من البشر، تنحصر في القيام بما تمليه العادة. وإذا الانتحار يثير السؤال الرئيسي عن معنى الحياة. «عندما يقضي الإنسان على حياته حراً مختاراً يكون هذا اعترافاً منه بسخف هذه العادة، والافتقار إلى سبب وجيه لمواصلة الحياة، وخلو هذه الجلبة اليومية من أيّ معنى بالإضافة إلى عدم جدوى الألم والعذاب». وعند كامو، أنَ إدراك هذه الحقيقة شيء نادر وشخصي، ويصعب نقله إلى الآخرين. وقد يتولّد من الشعور «بالغثيان» الذي توحي به آلية الحياة، هذه الحياة التي لا هدف لها. وقد يأتي هذا الاكتشاف نتيجة لشعور الإنسان بغرابة الطبيعة، وبأنه غريب في هذا العالم. وبعد ذلك تأتي فكرة الموت الذي لا يرد، فتجلو فكرة العبث، عبث الحياة. ونتيجة لذلك، فليس هناك معنى لأي مذهب أخلاقي أو مجهود بشري، أمام هذا المصير الأسود الحتمي، بل إنَّ الذكاء نفسه يعترفُ بعجزه وقصوره عن فهم هذا العالم فيؤكد لنا بطريقته أن هذا العالم عَبث في عَبث وأنَّه حافل بما «يُنافي العقل ويجافي الصواب».
وكامو كان يرفض مواقف الهروب التي تتمثل في الانتحار من جهة، لأنه إلغاء للضمير، ومن جهة أخرى النظريات التي تنقل آمال الإنسان، والأسباب التي تجعل للحياة معنى إلى عالم آخر. ويرى أنّ الإنسان الوحيد الذي يقرّر أن يحيا الحياة مع ما يعرفه عنها، أي مع إدراكه الكامل لما يقوم بين العقل والعالم من معارضة لا أمل في التغلب عليها. وفي ذلك يقول: «إنني أخرج من العبث بثلاث نتائج هي تمردي، حريتي وشغفي. وبوعيي وإدراكي أحوّل ما كان دعوة للموت إلى قاعدة للحياة ـ وأرفض الانتحار».
الإنسان العبثي
إذن فالإنسان رغم اكتشافه لعبث الحياة لا يحاول التخلّص منها، وإنما «يعيشها». و»أن يعيش الإنسان تجربة ما أو مصيراً معيناً، يعني أنه يقبل هذا المصير بعلاته. وهو لا يعيش هذا المصير، مع علمه بعبثه إذا لم يفعل كل شيء ليجعل نصب عينيه هذا العبث. فالحياة إذن، إحياء للعبث، وإحياء العبث هو قبل كل شيء في استمرار النظر إليه. وهذا معنى «التمرد». إنّه مواجهة دائمة قائمة بين الإنسان من جهة وغموضه من جهة أخرى، ومن شأن هذا التمرد أن يحيل العالم إلى أسئلة دائمة في كل لحظة من لحظات الحياة، والإنسان المتمرّد لا يأمل في شيء أبعد من التمرّد. إنَّ تمرّده بلا أمل.. إنَّ في تمرده تأكيداً للمصير المهلك أكثر منه إذعاناً لهذا المصير. وهكذا يرفض كامو الانتحار ويعارضه بحكم الإعدام. فالمحكوم عليه بالإعدام يدرك عَبث الحياة، لكنه يرفض الموت. كامو يرى أن هذا التمرد هو الذي يجعل للحياة ثمنها، ويضفي عليها عظمتها ويمجّد ذكاء الإنسان ويعظم كبرياءه، وهو تحت سلطان أقوى منه وأكبر. وهذا التمرد هو الذي يحدو بالإنسان إلى أن يستنفد كل ما في الحياة، بل يستنفد نفسه، لأنه يعرف أنه بإدراكه لهذه الحقيقة وبتمرده هذا المتصل، فإنه يبرهن على حقيقته الوحيدة، التي تكمن في التحدي.
والإنسان العبثي لا يهتم بمشكلة «الحرية في حد ذاتها» فهي غير ذات معنى إلا بعلاقتها بالإيمان بالله، إنّه لا يستطيع أن يشعر إلا بحريته الشخصية في التفكير والعمل. فهو قبل أن يكتشف العبث، كان يتوهم أنه حرّ، لكنه في الحقيقة كان عبداً للعادة أو المعتقدات، التي لم تكن تجعل حياته إلا هدفاً وهمياً أو قيمة خيالية. وما أن يكتشف العبث حتى يرى كل شيء بعين جديدة، فقد أصبح حراً تماماً، منذ أن فطن إلى وضعه الذي لا يرجو معه أملاً أو ينتظر بعده غداً. وعندئذ شعر بأنه متحرر من القواعد العامة، وإذا هذا الشعور يدفعه إلى أن يعيش حياته، دون نظر إلى عواقب أو اعتبارات.
وحياة الإنسان العبثي تحدوه إلى أن يكثر من خبراته وتجاربه حتى يكون في مواجهة العالم أكبر وقت ممكن، وكامو يُلحّ على كمّها، لأن كيفها يتحقق من وجودنا في العالم في تمام وعينا وإدراكنا. «كل شيء مباح» هكذا يصيح كارامازوف. ومع ذلك فإن كامو يرى أنّ هذه الصرخة تتضمن من المرارة أكثر مما تتضمن من السعادة، لأنه لم تعد هناك قيم تحدّد اختيارنا أو توجهه. فالعبث إذن لا يحرّرنا وإنما يقيّدنا. إنّه لا يسمح لنا بعمل كل شيء. وعبارة «كل شيء مباح» لا نعني أنه ليس هناك محظور. إنَ العبث ينظر إلى عاقبة العمل ونتيجته. وهو لا ينصح بالجريمة، لأن عاقبتها وخيمة، لكنه يرى عدم جدوى التبكيت ووخز الضمير.
التمرّد والإنسانية
في عام 1948 نشر كامو كتاباً بعنوان «رسائل إلى صديق ألماني» وكان قد كتب هذه الرسائل خلال فترة الاحتلال الألماني لفرنسا. وفيها يهاجم آراء هذا الصديق القديم الذي يتخذ من عبارة «كل شيء مباح» مبرراً لسياسة هتلر، التي كانت تقوم على الغزو والإرهاب. يقول كامو: «لقد اخترت العدالة لكي أظل مخلصاً للأرض. وما زلت أؤمن بأن هذا العالم خلو من أي معنى سامٍ، الإنسان، هو المخلوق الوحيد الذي يتمسّك بأن يكون له معنى في هذا العالم». هذا الموقف الجديد يؤكده كامو في «الطاعون» ويتعمّق في عرضه في «الإنسان المتمرّد». ففي «الإنسان المتمرّد» يدعونا إلى أن نتأمل التمرّد الذي جاء نتيجة لإدراك الإنسان لعَبث العالم، وخلوّه من القيم، ذلك العالم الذي يعتبر فيه كل شيء مباحاً. إنَّ العبد الذي يتمرّد على سيده يقول لا ونعم: لا، لأنه يشير إلى حد لا يتعداه. ونعم، لأنه يؤكد حقاً، وحقيقة أكبر منه، ويشترك معه فيها سائر البشر وهي الطبيعة البشرية: «أنا أتمرد، إذن فأنا موجود». وفي ذلك ينفصل كامو عن الفلاسفة الوجوديين. إنَّ تحليل التمرد يؤدي على الأقل إلى التفكير في وجود طبيعة بشرية. كما هو الحال عند الإغريق، وخلافاً لمبادئ الفكر المعاصر. ما جدوى التمرّد إذا لم يكن في الإنسان شيء دائم باق يحافظ عليه؟ إنَّ العبد إنما يتمرد من أجل سائر البشر. عندما يجد أنَّ هذا الوضع أو ذلك ينكسر فيه شيء، شيء لا يخصه وحده، وإنما يشترك فيه معه سائر البشر، حتى هذا السيد الذي يهينه ويضطهده. فبعد فكرة الإنسان العبثي الذي كان يرى أنَّ السعادة إنما هي من الإكثار من التجارب والنهل من متع الحياة ومسرّاتها منفرداً عن الآخرين. بصرف النظر عن أيّ قيم، بعد هذه الفكرة تأتي فكرة الإنسان المتمرد فتضع، كمبدأ للعمل، «قيمة اجتماعية» هي الطبيعة البشرية التي تدعو إلى التعاطف والمشاركة وخدمة الآخرين. إنَّ الإنسان عندما يتمرد باسم الطبيعة، فإنه يمسك عن إلحاق الضرر بهذه الطبيعة متمثلة في أي إنسان آخر، حتى لو كان سيده الذي يضطهده وإلا خان نبل التمرد وطهره. إن كامو يحذّر المتمرّد ألا يستجيب لدافع السأم أو الهوس، كما ندد بالإرهابيين الذي كانوا يلجأون إلى القتل كعمل انتقامي وكتطبيق لقانون الأقوى. كذلك أيضاً هاجم الإرهاب الذي تمارسه الحكومات، التي تلجأ إلى القتل على أنه ضرورة مؤقتة تمهّد لخلق مجتمع جديد يكون الناس فيه أسعد حالاّ، وينتهي فيه الإرهاب، فهو لا يقبل الإلغاء المؤقت للقيم البشرية في سبيل أن تحظى هذه القيم بالاحترام في يوم من الأيام. إنه يرفض الثورية الإرهابية المتشدّدة، فضلاً عن أنه لا يدّخر وسعاً في مكافحة الشر. والإنسان يستطيع أن يكبح في ذاته كل ما يجب أن يكبح. فالإنسان مهما بذل، لا يستطيع إلا أن ينقص آلام البشر، ومهما حدّ الإنسان من انتشار الظلم والعذاب فسيظلان عاراً على العالم. فالفن والتمرد لن يموتا بموت آخر إنسان. فعلى الإنسان أن يتعلم كيف يحيا وكيف يموت، وحتى يصبح إنساناً، عليه أن يرفض أن يكون إلها جباراً.
صحافي سوري مقيم في النمسا