البُوبْ آرْت… صفعة على وجه المجتمع الاستهلاكي

لقد وفرت التكنولوجيا الحديثة مناخا مناسبا لعودة فن البوبْ آرت إلى فضائنا العمومي الراهن، حيث صارت خصائصه الفنية على غرار استخدام الكلمات الشعبية والأكريليك والألوان الزاهية وصور المشاهير تُستثمَرُ في مجالات الطباعة الرقمية وصناعة القمصان واللوحات الإشهارية. كما أن فلسفة الموضة، تلك التي تقوم على استدرار حنين المستهلِك إلى ماضيه، قد وجدت في هذا الفن سبيلها إلى تلبية ذاك الحنين والرغبة في استدعاء الأزمنة الماضية بكل ما فيها من صُورٍ وأحوالٍ.
ومعلوم أن فن البوب آرت، وهو اختصار لعبارة الفن الشعبي Popular Art، يشير إلى الإنتاج الفني البريطاني والأمريكي المستوحى من الثقافة الشعبية بين عامي 1955 و1970، وقد مثل ظهوره ردةَ فعل مجموعة من الفنانين أمثال أندي وأرهول ولورانس ألواي وروي ليشتنشتاين على التعبيرية التجريدية التي كانت تُهيمن في ذلك العصر على جميع مناحي الإبداع، في سعيٍ منهم إلى مسايرة تطور المجتمع الاستهلاكي ونمو الوضع الاقتصادي آنذاك.
يذكر مؤرخو الفن التشكيلي أن الناقد الفني الإنكليزي لورانس آلواي هو أول مَن استخدم هذه الكلمة سنة 1955 حيث قام أثناء تلك الفترة بتنظيم معرضين فنيين من أجل تجسير الهوة بين الفن والحياة المعاصرة. وحسب كتابات مؤرخي الفن فإن فناني تيار البوب آرت ظلوا يعبرون عن مواضيع الحياة اليومية وسمات الثقافة الجماهيرية الشعبية كما هي حاضرة بين الناس. وغالباً ما كانوا يستثمرون في أعمالهم وجوه شخصيات أيقونية مثل جاكي كينيدي أو مارلين مونرو ويستخدمون في ذلك التقنيات المستعملة في الإعلانات والقصص المصورة بالمجلات الهزلية موضوعات لأعمالهم الفنية، حيث يتم فيها استخدام الألوان في سطح موحد اللون وبدرجات تلوين شديدة. وتُجمِع أغلبُ الدراسات المختصة بفن البوب آرت على أن أسلوبه، الذي يُنظر إليه على أنه فن إمبريالي أمريكي، ينهض على قاعدة مُعاينة بسيطة للمجتمع الاستهلاكي لاستثمار نواتجه (الصور النمطية والنجوم والأطعمة والنفايات وغيرها). ولعل ما ميز هذا الفن هو أنه مثل ظاهرة اجتماعية حقيقية، وقد وجد استقبالًا كبيرًا من جهة كونه يبتعد عن التصوير الفني الصارم والمغلق واللهجات الحماسية للتعبيرية التجريدية، ويعول على استخدام ما هو جاهز وما يحدث من وقائع في معيش الناس موضوعات له.

ويرى الباحث إدواردو سيبل أن البوب آرت مثل صفعة قوية لفلسفة الحداثة ومنتجاتها، فقد صور المجتمع الحديث كما لو أنه أعمى تقوده شهواته الاستهلاكية، فهو لا يستهلك المواد وإنما يستهلك صورة تلك المواد التي وقع تسويقها له.

يؤكد فن البوب إيمانه بقوة الصورة، وغالبًا ما يصور «أسلوب الحياة في أمريكا» بطريقة هزلية، بل يصورها في بعض الأحيان بسخرية، من أجل الاحتفاء بها ونقدها في الوقت نفسه. وقد عرف الفنان «روي ليشتنشتاين» البوب آرت بقوله: «ينظر فن البوب إلى العالم، ويبدو أنه يتقبل بيئته التي ليست هي بالجيدة ولا بالسيئة، ولكنها متغيرة. إنها حالة ذهنية أخرى». أما الفنان روبرت إينديانا فيرى أن «البوب هو كل ما لم يعد عليه الفن منذ عقدين. إنه إعادة ارتباط في العالم. إنه التخلص من القنبلة. إنه الحلم الأمريكي، المتفائل، الكريم والساذج». كما يبحث هذا الفن عن الأشياء العادية في معيش الناس ليجعل منها أعمالا فنية مازجا فيها بين الخيال والتكنولوجيا. وهو يجعل من إعادة استخدام المفردات البسيطة التي تكتظ بها الحياة اليومية للمواطن موضوعات للاستفزاز والسخرية والنقد، من ذلك أن الفنان جيمس روزنكويست قد استلهم من إعلانات التبغ والمشروبات الغازية والسيارات لوحات فنية على غرار لوحته عام 1961 الموسومة بـ «أنا أحبك مع سيارتي الفورد».
ويرى الباحث إدواردو سيبل أن البوب آرت مثل صفعة قوية لفلسفة الحداثة ومنتجاتها، فقد صور المجتمع الحديث كما لو أنه أعمى تقوده شهواته الاستهلاكية، فهو لا يستهلك المواد وإنما يستهلك صورة تلك المواد التي وقع تسويقها له. كما ساهم في تعرية مجد الصناعة عبر الكشف عن خواءِ مصنوعاتها وضياع قيمتها، وربما بسبب هذا تعرض أصحابه إلى انتقادات كبيرة تقول جميعها إن البوب آرت ليس فنًا، لأنه من السهل جدًا إعادة إنتاج الأشياء اليومية!»، غير أن ذاك النقد لم يتنبه إلى أن هذا الفن حرر أعيننا من الاستعباد الذي تسببه صور المجتمع الاستهلاكي الشامل، ذلك أنه وعبر إعادة إنتاج الأشياء وتحويلها فنيا، أطلق فنانو البوب آرت ​​هجومًا ضد التصور الغريب لمفهوم أن يتحول الإنسان من مستهلِكٍ إلى مستَهْلَكٍ، وبلغوا بفنهم نقد أعماق المجتمع الغربي ولاوعيه. إنه فن النقد الراديكالي لمجتمع الترفيه ولأصنامه الجديدة أمثال مارلين مونرو وجاكي كينيدي وألفيس بريسلي.

٭ كاتب تونسي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية