الرباط – «القدس العربي»: تميز ختام السنة الثقافية المغربية في الدوحة بإقامة عروض «التبوريدة» كأحد أبرز الفنون الشعبية التي تعكس جزءا من هوية المغاربة وجذورهم التاريخية، وتلقى باستمرار اهتماما كبيرا من لدن الجمهور من مختلف الشرائح.
وتمثل «التبوريدة» المغربية فئة من التراث الثقافي غير المادي الذي أدرجته «اليونسكو» ضمن قائمة التراث العالمي منذ عام 2021. وتشير إلى تقاليد الفروسية المغربية التي تعبّر عن مزيج من الرياضة والفن، حيث يتنافس فرسان يمتطون خيولهم المزينة، حاملين بنادق بارود تُطلق في تناغم جماعي عند عبورهم خط النهاية في ساحة «المحرك». وتُعرض في منافسات جماعية حيث يتبارى فرسان على خيولهم المُزينة، حاملين بنادق بارود تُطلق في تناغم جماعي عند عبورهم خط النهاية. ويعود تاريخ هذا الفن إلى العصور الإسلامية القديمة، وكان يُستخدم في المعارك العسكرية لتجميع القوة وتوجيه الصدمات في ساحات القتال، قبل أن يتحول مع مرور الزمن إلى عرض رياضي وفني يحاكي تلك المعارك بطابع احتفالي ومشوق.
تبدأ عروض «التبوريدة» عندما يعتلي الفرسان خيولهم ويطلقون بنادقهم مع مرورهم في ساحة «المحرك»، وهي ساحة المبارزات الخاصة حيث يتنافسون في وقت قياسي. تتراوح المسافة التي يجب أن يقطعها الفرسان عادةً بين 80 إلى 100 متر، وفي هذه المسافة القصيرة يتم الحكم على الفريق بناءً على دقة وجودة إطلاق البارود وتناغمه مع سرعة حركة الخيل. لكن النجاح لا يعتمد فقط على السرعة، بل على التنسيق التام بين الفارس وحصانه في التوقيت والإطلاق. ويشكل اللباس التقليدي للفرسان جزءا من جمالية العرض، إذ يرتدي الفارس الجلباب المغربي التقليدي الذي يعكس فخامة التراث المحلي، بالإضافة إلى «الرزة»، وهي عمامة تُعتبر من أهم العناصر في مظهر الفارس. كما يلبس الفرسان «التماك»، وهو حذاء تقليدي يشبه «البلغة»، لكنه مخصص للفروسية، ويتميز بلونه الأصفر وتصميمه الذي يتيح للفرسان التحرك بسهولة أثناء ركوب الخيل. وتعتبر البنادق جزءا أساسيا من الإكسسوارات التي ترافق الفارس، حيث تزين بالعديد من التفاصيل مثل الحلقات النحاسية أو الفضية أو حتى الذهبية، ما يعكس المهارة الحرفية التي تُضفي على العرض رونقا.
ومن السمات التي تميز «التبوريدة» اليوم هي مشاركة النساء في هذا الفن التقليدي، فقد شهدت السنوات الأخيرة دخول فرق نسائية إلى هذا المجال، ما يعكس التحولات الاجتماعية في المجتمع المغربي وفتح المجال أمام النساء للمشاركة في الأنشطة الثقافية والفنية التي كانت محصورة على الرجال.
هذه الفرق النسائية لا تقتصر على مجرد المشاركة، بل تضيف لمسة خاصة تزيد من غنى العروض وتنوعها.
وفي فعاليات «التبوريدة» التي تُعرض في معرض الفرس بمدينة الجديدة، والتي تعد الحدث الأبرز سنويا منذ عام 2008، تصبح «التبوريدة» الواجهة الفاتنة لهذا المعرض. تشارك في هذا الحدث فرق من مختلف المناطق المغربية، تمثل قبائل ومدنا متعددة، حيث يتنافسون على الفوز بجائزة الملك محمد السادس التي تُمنح في ختام المعرض. وهذه التظاهرة السنوية تجمع عشاق الفروسية والصناعات التقليدية المرتبطة بها من داخل المغرب وخارجه، وتوفر فرصة لعرض مهارات الفرسان وتقاليد الحرفيين في صناعة المعدات المتعلقة بالفروسية مثل السروج والحلي المزخرفة التي تُعلق على الخيول.
مع مرور الوقت، تحولت «التبوريدة» من كونها مجرد رياضة قتالية إلى عرض احتفالي يعكس الفخر الوطني للمغاربة. إذ تُمثل هذه العروض على مدار تاريخها وسيلة للمجتمع المغربي للتعبير عن روح القتال والدفاع عن الأرض والعرض، كما أنها تعكس الأصالة والحرفية التي كان يتمتع بها المغاربة في العصور السابقة. ويتجلى هذا في تصميم البنادق والملابس وكذلك السروج المُزخرفة، حيث يسعى كل فارس لتمييز نفسه وتقديم أفضل ما لديه في كل عرض.
أما «المحرك»، الذي هو ساحة المبارزة، فيعتبر من أهم معالم «التبوريدة». ففي هذه الساحة، يتم اختبار مهارات الفرسان في قطع مسافة قصيرة بسرعة ودقة، وتنظيم الطلقات في اللحظة المناسبة. لا يتطلب الأمر فقط البراعة في الفروسية، بل أيضا التنسيق بين الفارس وحصانه وإطلاق البارود مع الحفاظ على التوازن والسرعة في المسافة المحددة.
إن التحديات التي يواجهها الفرسان في «التبوريدة» لا تقتصر على مهارة الركوب والتوقيت، بل أيضا على القدرة على العناية بالخيول. فالفارس الجيد لا يقتصر دوره على قيادة حصانه، بل يشمل أيضا رعاية الفرس والإلمام بتفاصيل العناية به. ويمثل هذا التفاعل بين الفارس والحصان جزءا أساسيا من العرض الفني الذي يجذب الجمهور. وتستمر «التبوريدة» في جذب الأنظار على الصعيدين المحلي والدولي، حيث تعتبر ساحة لإبداع المصورين الذين يلتقطون لحظات مميزة من العروض. وتظل هذه الرياضة التقليدية بمثابة جسر يربط الماضي بالحاضر، وتحاكي تاريخ المغرب العريق، من خلال استعراضاتها التي تمزج بين الأصالة والحداثة.