ظهر تيار التجريب Experimentalism في الغرب كصدى للثورة الصناعية وحركات التقدم والتطور الاجتماعي والسياسي، الذي صاحبه تطور في الحركة الثقافية، التي صارت صدى لجميع هذه المتغيرات، وتنزع إلى الإبحار في آفاق جديدة للتعبير عما يموج في العالم الجديد من نجاحات وإخفاقات.
وتيار التجريب في الأدب أحد روافد تيار الحداثة Modernism، وهو لون تغلغل في النثر والشعر ـ وإن شاع في الشعر ـ مع مستهل القرن العشرين. وجل ما يهتم به التجريب هو الشكل الذي يعليه على المضمون؛ فالشعر والنثر التجريبي يهتم بالصنعة اللغوية والشكل الفني للقصيدة، دون أن يولي العناية نفسها للمحتوى، الذي غالبا ما يكون غريبا غير سائغ. ومن أبرز الأمثلة قصيدة «أرض الخراب» The Waste Land للشاعر تي إس إليوت T. S. Eliot، التي مهدت الطريق لتيارات أخرى مثل «الطليعة» Avant-Gardism و«المستقبليين» Futurism؛ «التجريب» هو نموذج ثوري على كل ما هو قديم، عبرت أصداؤه أوائل القرن العشرين ليظهر مرة أخرى مع القرن الواحد والعشرين.
والغريب، أن حركة التجريب في الغرب لم يكن مستهلها القرن العشرين فقط، بل ظهرت لأول مرة على استحياء في منتصف القرن الثامن عشر على يد الروائي الأيرلندي لورانس ستيرن Laurance Sterne في روايته «حياة وآراء تريستام شاندي الجنتلمان» The Life and Opinions of Tristam Shandy, Gentleman عام 1759، التي استعمل فيها لغة تسخر من أسلوب السرد التقليدي، واستخدام عناصر بصرية لتعزيز المحتوى، وقد قوبل هذا النوع من التجريب بالهجوم، حيث أكد Samuel Johnson: «كتابة الغريب لكونه غريبا لا يدوم، فرواية تريستام شاندي لم تدم». لكن الأغرب، أن حركة التجريب برمتها هي نتاج جهود عربية مئة في المئة. فأُطُر التجريب في الشرق، ظهرت لظروف تخالف تماما أسبابها في الغرب؛ فالاعتناء بالشكل والحرفة اللغوية على نحو تجريبي لم يطغَ على المضمون. أضف إلى ذلك، أن هذا اللون لم يظهر في فترات قوة، بل في عصور الاضمحلال والتفسخ التي بدأت مع العصر العباسي الثالث؛ حيث طليعة الانهيار والتفسخ إلى ممالك ذات صلة واهية بالخليفة العباسي. وكنتيجة لتفشى الظلم والفوضى، ضرب على البلاد حالة من الاستياء العارم. وبما أن رجال الأدب هم الآلة الإعلامية في البلاد، والصدى الأساسي لنبض العامة، فقد ظهر التعبيرعن الاستياء بظهور ألوان أدبية تعنى بالصنعة اللغوية وسبر بواطنها، وكأن لسان حال الأدباء يؤكد أن شرعية الحكام التي استمدوها من اللغة يصونها حاليا نفرٌ من الأدباء المتفقهين في سبر بواطنها والإمساء بالتلابيب اللغوية. ولعل من أشهر الأمثلة الشاعر واللغوي صفي الدين الحلي الذي عاصر الحقبة الثالثة من العصر العباسي وطاف العديد من الدويلات التي تفسخت لها الخلافة العباسية.
وصفي الدين الحلي (677-752) هو أبو المحاسن عبد العزيز بن سرايا بن نصر الطائي السنبسي، يرجع نسبه إلى قبيلة «طيء» و«سنبس» هي إحدى بطونها. وقد ولد ونشأ في «الحلة» أو حلة بابل، وهي مدينة بين بغداد والكوفة، ومن ثم نسب إليها، وكانت لها مكانة في قلبه لكنه هجرها بعد موقعة الزهراء بعد مقتل خاله. وكان يشتغل بالتجارة، ما يجعله دائم الترحال بين مصر والشام وماردين، لكنه كان يفضل الإقامة في ماردين، فقد هاجر إليها في عهد الدولة «الأرتقية» حيث كان ملوكها يرحبون به وجعلوه يتقلد عدة مناصب فيها. وذهب إلى مصر المملوكية وأقام بها ومدح السلطان الناصر قلاوون.
وقد برع صفي الدين الحلي في شعر المدح والحماسة على حد سواء، وكان يجيد الصناعة اللفظية التي وظفها لتعبر عن أغراضه في المدح والرثاء والغزل والهجاء والحماسة، ما جعل منه شاعرا فنانا. ومن الملاحظ أن إجادته للصنعة اللفظية كان انعكاسا لحياة الترف والاستقرار التي نعم بها في ماردين، فجعلته ينقح الشعر ويتفنن في صناعته. وكان أول من تفنن في نظم البديعيات، فمدح ملك الدولة «الأرتقية» في ماردين الملك «منصور الأرتقي» بديوان شعري فريد «درر النحو» الذي يتألف من 29 قصيدة وكل قصيدة تتألف من 29 بيتا، وكل قصيدة منها تبدأ وتنتهي بإحدى حروف الهجاء في اللغة العربية.
وقد كتب في الرسول وآل الصحابة، وله كتاب «الكافية البديعية» لمدح الرسول. ومن أهم أعماله كتاب «الأغلاطي» الذي يسرد فيه الأغلاط اللغوية. ومن الجدير بالذكر أنه أتقن الشعر الفصيح والشعر العامي، وله كتاب في الزجل أو شعر العامية تحت اسم «العاطل الحالي والمرخص الغالي في الأزجال والموالي». وقد تأثر الحلي بالشاعر الجاهلي السمَوْأَل بن عدي، وكان يتفنن في معارضة أشعار المتنبي. وكانت أشعاره ألوانا من الفنون، فهناك المخمسات الذي ينظم فيها ثلاث أشطر من نظمه، ويختمها بشطرين نظمهما شاعر آخر. وقد ينظم قصيدة يضع فيها عن قصد كلمة مُعْجَمة (لا نقط لها) بجانبها أخرى منقطة. وفي ديوانه بشعر العامية برع في فنون «القومة» (وأصلها «القوما» بمعنى السحر) و«الكان كان» (بمعنى «كان يا ما كان») و«المولية» (هي أشعار البحر البسيط) والتي كانت هي قوام شعر العامية حينئذٍ. ومن الأمثلة على ذلك قوله في «المولية» بلهجة أهل ماردين:
«إي من سرت بالهوى.. ويلعب على فارد
ومن جعلني مثل.. للشارد ووارد
مو أقدر أصبر على.. شيطانك المارد
وبسبب دراسته للشعر دراسة متأنية، ظهر كفقيه عالم بخفايا اللغة وكيفية التلاعب اللفظي، لا مجرد شاعر ناظم، ولذلك أتقن أنواع ألوان البديع وتفنن فيها، وعلم كيف يستخدم الكلمات الاهتزازية (التي تتكون من مقطعين يتكرران) مثل كلمة «زلزل» ووظفها في قصائده، كقوله:
«سَل سَلسَل الريق إن لم ترو حر ظلما
بل بلبل القلب لما زاده ألما»
وهو في ذلك لا يدعو للعناية باللفظ الغريب، بل لإتقان الصنعة الشعرية؛ فقد قام بهجاء من يؤثرون غريب اللفظ على السهل منه في قصيدته:
«إنما الحيزبون والدردبيس
والطخا والنقاح والعطلبيس»
وإن تواترت على الألسنة حتى الآن لجمال نظمها، وقدرته على صياغة محتوى جاذب للعامة والخاصة.
يعد صفي الدين الحلي من الظواهر الأدبية الفريدة، وهو واحد ممن أرسوا قواعد التمكن من صياغة البديع شعرا ونثرا للحفاظ على اللغة وجمالها في عهود تفسخت فيه الممالك، واحتدت وتيرة الصراع، ما أنذر باحتمال إصابة اللغة العربية بالضعف والوهن. ومن ثم، صار التجريب مختبرا للحفاظ على اللغة وجمالياتها.
كاتبة مصرية