تتسارع الأحداث وتتواتر الأخبار فتتوالى المقالات التي موضوعها فيروس كورونا الذي صار النجم الأكثر شهرة في العالم، وما عاد ينافسه على هذه الشهرة أي نجم من نجوم الفن ولا أي نجم من نجوم الرياضة المحترفين ولا أي إعلامي بارع شهير، فلقد تصدر الفيروس الاهتمام من دون منازع أو منازل أو غريم.
وليس بجديد على البشرية عبر تاريخها الطويل أن تتعرض لأزمات طارئة أو تهزها كوارث مفاجئة وقد تُبهتها ظواهر طبيعية أو اجتماعية على حين غفلة فتشل قدراتها وتقف عاجزة أمامها، أما لهول تلك الظواهر وندرتها وأما لجلل خطورتها ونتائجها أو لكل ذلك سوية.
بيد أن ذلك كله في كفة، وأن يتحول العالم كله إلى بيت صغير محكوم على أفراده بالعزلة عن بعضهم بعضاً في كفة أخرى. ليكون العالم على كف عفريت وقد خارت أو انهارت كل جهود الإنسان التي بذلها في السيطرة على الحياة بميادينها كافة.
وتغدو نجاة البشرية مرتهنة بعزيمة الأفراد الذين عليهم يتوقف كبح الخطر المشترك، حتى أن أي تهاون في تلك العزيمة أو تضاؤل في الهمة أو عدم اكتراث سيعني أن داهية الدواهي ستحل، فلا فائدة تسترجى من استراتيجياتنا الكونية ولا نفع في معداتنا التكنو سبرانية وبدائلنا الروبوتية.
وما دامت البشرية في تاريخها الطويل قد واجهت شروراً لا حصر لها ولا عد، فما الوقائع يا ترى التي حفظها التاريخ وفيها كان للبشر سبلهم التي بها تمكنوا من تحجيم الخطر المشترك العام الذي داهمهم دفعة واحدة؟
قد لا نغالي إذا قلنا إن في التاريخ الفلسفي لوحده معيناً من السبل التي بإمكاننا الإفادة منها في استقاء المضامين واستلهام الدروس. ولعل في مقدمة تلك السبل الوعي الذي هو سلاح في يد صاحبه يكفل له النجاة وقت الشدائد وبه يستطيع مواجهة الشرور، أيا كانت طبيعية أو مصنوعة. وبالوعي يكون الإنسان كلاً؛ فهو الواحد والمجموع، وهو الارستقراطي والشعبي، والجاهل والعالم، والأبيض والأسود، والمحارب والمدني، والكهل والطفل، والمرأة والرجل.
لقد وجد فردريك نيتشه أن إرادة القوة تكمن في معرفة الخير من الشر والطيب من الخبيث. والإنسان بالأخلاق يصبح أعلى لأنه يشارك في ذلك النوع من السمو والعلو، متعلقا بجماعة أو جماعات اجتماعية تضمن سيادة الروح الأخلاقية بينهم. وهو ما ينقص عصرنا الذي يوصف بأنه عصر اتصالي بينما نحن نعاني اللاتواصل الاجتماعي بيننا كأفراد بيت واحد.
ولقد وضع نيتشه في كتابه “هكذا تكلم زرادشت” كل ثقته بالإنسان الواعي الذي يعيش ليتعلم والتواق إلى المعرفة مؤمنا أن العقل أهم سمة بشرية طالها التحول في مراحل ثلاث استحال العقل في المرحلة الأولى جَمَلاً بمعنى أن حامل العقل لا يعلم قوة ما يحمله ثم استحال العقل في المرحلة الثانية أسدا بمعنى أن حامل العقل أدرك عظم ما يتمتع به من قوة العقل. وفي المرحلة الثالثة تحول العقل من أن يكون أسداً إلى أن يكون وليداً قاصداً بذلك أن حامل العقل تخلى عن قوة عقله بعد أن أدرك عظم من خلق العقل. وحسب هذه المراحل التي مر بها العقل البشري يكون الفكر هو الآخر متحولاً عبر مراحل ثلاث فكان فيما مضى إلها فتحول إلى رجل وها هو الآن كتلة من الغوغاء على حد تعبير نيتشه.
وبغض النظر عما أراده نيتشه من وراء وصف العقل بالوليد وسلبية تدليله على العبودية التي تجعل الإنسان خاضعا لكهنوت فيه تكمن الإلوهية؛ فإن المهم هو هذا الاهتمام بالوعي عقلا وفكرا واللذين بهما يكون الإنسان كيانا فردا ومستقلا، وبدونهما أيضا لن يفهم المجموع البشري ماهية عقله ليظل ثابتا في مكانه مسمرا بطريقة تكتيكية روتينية قاهرة، ومسيَّرا بما هو سحري ومسيطرا عليه بالغيبيات. لكن كيف نستدل على الوعي أو بالأحرى ما دلائل تمتع الإنسان بالوعي؟
لعل أهم مؤشر إنساني على امتلاك الوعي هي الأخلاق كقضية جمالية لها في تاريخ الفلسفة مكانة كبيرة حتى لا نكاد نجد فيلسوفاً إلا أعطاها اهتمامه ووقف عندها مشخصاً ومفسراً. ولأن في الأخلاق الأهمية والخطر معا وضع إميل دوركايم كتابا في التربية الأخلاقية متسائلا عما إذا كانت الأخلاق شيئا عقليا أي أنها لا تبعث في نفوسنا إلا أفكارا وعواطف يقررها العقل؛ فلماذا يتحتم علينا حين نريد أن نثبتها في العقول والطبائع أن نعمد إلى وسائل لا تدخل في نطاق العقل؟ ودوركايم هو الذي أكد أن الحياة الأخلاقية تعني روح الخضوع للنظام التي تجعل أهم عنصر في الشخصية هو قدرتها على التحكم في ذاتها وملكة السيطرة التي تمكنها من كبح عواطفها ورغباتها وعاداتها خاضعة من ثم لقانون منظم.
وقد دللت الباحثة والروائية فاطمة المرنيسي على أهمية الوعي الذي هو مرتبط ارتباطا وثيقا بالأخلاق، مفيدة منه في قضيتها التي محورها المرأة وكيف همشها النظام البطريركي ممتلكا في تهميشها قوته، وقد خصصت لهذه القضية كتبها ورواياتها ومنها “هل أنتم محصنون ضد الحريم؟”، وقد جعلت المرنيسي عملها استفزازيا تهكميا واضعة له عنوانا جانبيا هو “اختبار للرجال الذين يعشقون النساء” مدللة على سلبية مفردة الحريم التي تحجز المرأة في خانة ضيقة مرفوضة ومقيتة في شكل فيروس وبائي يصيب الرجال فقط.
وهي إذ مثلت على هذا الجرح الأخلاقي بالفيروس فذلك لأن في لا مرئيته كارثيته، أما لماذا حصرت أثره في الرجال؟ فلأنهم سبب تغلغل هذا الخلل الأخلاقي تاريخيا. فهم لا يرون الآخر إلا امرأة تتصرف كخادمة ملبية أو في صورة جارية أو حريم بالمعنى الذي ساد في العصور الوسطى.
إن فاعلية الفيروس الحريمي شبيهة بفاعلية فيروس كورونا المستجد من ناحية استهدافه الجانب الأخلاقي فينا وقد جعلت الساردة الرجال أكثر عرضة للتأثير الفيروسي لكن بلا عوارض جسدية وإنما هو يهاجم النفس فيقلق استقرارها العاطفي ويظهر على السلوك في أشكال لا يمكن التكهن بها. ومثلما يوصف فيروس كورونا بأنه ذكي وخطير، تصور الكاتبة الفيروس الحريمي بأنه ماكر لكونه يخيل للرجل أحلاما فيها هو السيد الذي بصحبته عدد من النساء يقمن بتدليله. بينما يوقظ هذا الفيروس في رجل آخر الرغبة بشريكة سلبية دائمة الخضوع والصمت.
ولا تستثني من تأثيرات هذا الفيروس أي رجل مهما كان شكله وفئته وعمره وثقافته، أما لماذا جعلته مستشريا أكثر في دول شمال المتوسط وعند الأوروبيين الذين تصفهم بغير متحصنين منه، فذلك لان هذا الفيروس يهاجم تحديدا الدول التي تحررت فيها النساء بفضل انخراطهن الواسع في مجال التحصيل العلمي وسوق العمل ليكون هذا الفيروس الفظيع مؤشرا جيدا على العصرنة التي بسببها أصبح كوكبنا صغيرا.
وتستشفي الكاتبة بالفيروس من نقمة بداخلها آخذة للنساء حقهن ممن ظلمهن: “وجدتم أنفسكم تحلمون بالحريم والجواري، فلا ضير في ذلك طالما أنكم مؤمنون بضرورة القضاء على هذا الفيروس” مستعيدة تاريخا ذكوريا أصاب فيه هذا المرض الأخلاقي الرجال وجعلهم يتوهمون الزعامة ويتخيلون السيادة بينما تختفي النساء وراءهم كحقيقة عظيمة وفاعلة لكنها مغيبة تاريخيا ومرصودة أخلاقيا محرومة من امتيازاتها الحقيقية.
وإذا كان من حسنات الفيروس الحريمي أنه جعل العرب في القرون الوسطى يعرفون العولمة قبل الأمم الأخرى من خلال زاوجهم بالجواري من مختلف الأعراق؛ فإن من حسنات فيروس كورونا أنه جعل شعوب الأرض تفيق على خطورة نظامها الأخلاقي المتهالك وتعرف أن أي تفكك في هذا النظام يعني انهيار الحياة بمجموعها لتعود البشرية إلى سالف القرون متدارية بقانون وحشي واحد لا يقبل التثنية هو البقاء أو اللابقاء.
*كاتبة عراقية