الحوار مع الممتحن في التعليم، أو في الاختبار المهني، جزء مهم وأحيانا أساسي في النجاح والقبول أو عدمهما. وقد قضيت وأنا في هذه المرحلة من حياتي ردحا مهمّا من حياتي وأنا أُمتَحَنُ شفويا، أو أمتحِن غيري ممّا بوّأني أن أكون شاهدا بالخبرة على بعض الدقائق في الامتحان الشفوي، لا يمكن أن تلحظ في الامتحان المكتوب، وسوف أركّز باعتباري لسانيّا في هذا المقال على ظاهرة إدراكية قد لا نتوقف عندها، لا كثيرا ولا قليلا، ولكنّها مهمّة في كيفية اشتغال الحوار بين السائل الممتحِن، أو المحاور والممتحَن المختَبر، هي ما أسمّيه هنا على سبيل الاستعارة بالتخاطر الإدراكي.
التخاطر عبارة تترجم لفظ Telepaty وتعني نقل المعلومات أو الأفكار أو المشاعر بين شخصين، من دون استخدام الحواس الخمس أو أي وسيلة فيزيائية معروفة، فهو تواصل ذهني مباشر. واستعمل هذه العبارة أول مرّة عالم النفس والشاعر البريطاني فريديريك ميارز (1843- 1901) Frédéric W. H. Myers في شعبة من علم النفس هي علم النفس الموازي Parapsycology وتعنى بدراسة ظواهر الإدراك، التي لا تعتمد الحواس المألوفة من نوع الاستبصار Insight والرؤية عن بعد Remote viewing .
نحن نتحدّث عن تخاطر في تجاربنا اليومية، حين نفكّر في شخص غائب عنّا من مدّة، ثمّ يرنّ الهاتف فإذا به من يكلمنا. صحيح أن هذا يمكن أن يكون ناتجا عن تزامن غير واع بين التفكير في الشخص واتصاله بنا؛ إلاّ أنّه مثال شهير ممّا يمكن تسميته بالتخاطر. ومن وجوهه أيضا أن تحاور شخصا وتهمّ بأن تقول كلمة لكنّه يقولها قبلك، فنقول نحن في تونس: خطفتها من فمي. وعلى الرغم من أن هذا يمكن أن يفسّر بحدوث تزامن في تمثّل العبارة نفسها عند تنشيط الذهن لها بينك وبين محدثك نتيجة الاتفاق على كون الكلام حادثا في أرضية معلومة؛ فإنّه عادة ما ينظر إليه على أنّه تواصل بلا واسطة حسية مباشرة بين طرفين. والأمثلة كثيرة في هذا السياق، ولنا عباراتنا الدالة عليها أبرزها (قلب الأمّ مخبرها)، التي تقال حين تقلق أمّ على فلذة كبدها، ثمّ تتبيّن بعد ذلك أن مكروها لا قدّر الله حدث له.
ما يحدث في الاختبارات الشفوية في الجامعة قد يصل أحيانا إلى هذا النوع من البحث عن التخاطر المفقود بين السائل والمجيب. فقد يبحث الممتَحَنُ في عقل السائل، الذي طرح السؤال وهذا شيء يستحقّ التوقّف عنده، لما فيه من عدول عن الأصل في التواصل المعرفي بالسؤال والجواب؛ تواصل يقتضي من السائل إدارة الاهتمام على المضمون، بقطع النظر عن الأطر المحيطة به، ومن بينها نيّة السائل البعيدة.
النية أو القصد جزء من التواصل عبر الكلام بين الباثّ والمتلقي؛ وهذه هي النيّة التواصليّة وهي ما يقصده المتكلم حين يتلفّظ بقول وهو ما ينبغي أن يفهمه المتلقّي لكي ينجح التواصل؛ كأن تسألني وأنت في المطار هل أنت تونسي؟ فأقول: نعم فأنا قد فهمت السؤال وأجبت ونجّحت التواصل بيننا. لكنّي حين أسأل: كيف عرفت؟ ويقول لي مخاطبي إنّه ارتكز في التكهّن على سمات خلقية، أو أخلاقية يعرف بها التونسيون، يكون قد أجاب اعتمادا على القياس العقلي، وهو أمر من شأن عمل المدركات المتاحة.
لكنّ النية في التخاطر ليست هي النية التواصلية المألوفة، بل نيّة ما وراء تواصليّة؛ إذ يعتقد الطرف المسؤول، أن وراء سؤال السائل قصدا خفيّا ووحيدا لا يتبيّنه ولا تفصح عنه العبارات، وليس في الكلام ما يدلّ عليه (أو هكذا يظنّ ) وهو المقصود، وعليه أن يستخرجه بينه وبين نفسه حتى يرضي الممتحن ويفوز في الامتحان، كأن أقول أنا بيني وبين نفسي لمَ سألني هذا الغريب، إن كنت تونسيّا وأصاب؟ هل عرف ذلك من سمرتي، أو من صوتي المرتفع، أو من لهجتي، أو من أشياء أخرى؟ لكنّ أسئلتي عن النية المجاوزة للنية التواصلية في هذا السياق ليست مهمّة، لأنّي لا أخضع في سياق الحال لاختبار لاحق وعليّ أن أعرف تلك النية حتى أتمكن من العبور. وهذا ما يوجد في ذهن الممتحن الذي يفرّط في نصّ السؤال ويظلّ يبحث عن نيّة السائل.
في السياقات العلمية الاختبارية، تكون صياغة السؤال أمرا مهمّا أهمّية بالغة وشرطا أساسيّا في ذهاب الممتحن مباشرة إلى الجواب، وضوح السؤال يبدأ من طريقة صياغته باستعمال الألفاظ الدقيقة الاصطلاحية، أو المعجمية باختصاره الاختصار الذي يستحقه فلا يفرّط في المطلوب، وقد يكون لغزا لا يعرف السائل مفاتيحه. الأسئلة التي تفقد في صياغتها وفي دقتها شروطها الموضوعية هي التي تقود المسؤول إلى البحث عن معطيات خارجها، إلى ما يقصده السائل من طرح هذا السؤال غير الدقيق وغير الواضح. يبدأ التخاطر هنا بالتقريب بين ما يتكهن به المسؤول من أنه المقصود بالسؤال، وما في ذهنه هو من المعطيات المستجيبة لذلك السؤال. عادة ما يؤدّي ذلك إلى طلب استيضاح يحمله الممتحِن في الغالب على أنّه مؤشّر سلبي لعدم الفهم أو الإخفاق في الجواب فيذهب إلى المؤشّر الخطأ: بدلا من أن يراجع طريقته في طرح السؤال، يضع الوزر على صاحب الجواب لكنّنا لا ننفي أن بعض الممتحنين يراجعون صياغتهم، ويجوّدون طرح السؤال فينتبه الممتحن إلى ما ضاع في الصياغة الأولى.
الحالة الثانية من حدوث التخاطر في اختبار الشفوي وهي الشائعة، أن ينسى الممتحن موضوع السؤال، إمّا لاختلاط المعطيات في ذهنه، أو لنسيانها أن تعلق الأمر بمعطيات تلقاها سابقا ولم تحتفظ بها ذاكرته ذات المدى الطويل. عندئذ لا يركز الممتحن وقت الإجابة على فرز المعطيات ذهنيّا حتى يصل إلى المعطى المقصود، ولا ينصرف إلى تنشيط العناصر التي ربما قادته إلى استذكار المعطى المنسيّ؛ بل ينصرف إلى البحث عمّا قصده السائل من السؤال ليعتمد ذلك مؤشّرا وعلامة على استجلاب كلّ ما يعرفه عن تلك الظاهرة القريبة.
الحالة الثالثة من التخاطر في الاختبارات الشفوية مع الطلبة بالأساس تتمثّل في محاولتهم قراءة ما في نية السائل، إن كانوا قد قضّوا مدّة في سياق خلفية معرفية متقاربة؛ ويكون ذلك بالاعتماد على القرائن السياقية باستقراء نبرة الصوت والإيماءة وترتيب الأسئلة ولهجة السائل، أو غير ذلك من القرائن. هنا يمكن الحديث عن الذاكرة التشاركية، إذ يتذكر الطالب أن الأستاذ ركّز على موضوع معين في دروسه، فيفترض أن السؤال «المفتوح» يتجه نحو اتجاه معلوم أو عبر الإطار التداولي. بعض الأسئلة تبدو غامضة، لكنها تُشير ضمناً إلى محور معين، ومن هنا «يستنتج» الطالب ما يُراد.
كثيرة هي الأسئلة التي يطرحها الممتحن على نفسه، والقصد منها أن يبحث عن تخاطر ولكن ليس في المعنى الذي لهذا المصطلح في الباراسيكيولوجيا، حيث يُفترض أن يتم تبادل الأفكار من ذهن إلى ذهن بلا وساطة، بل هو استشعار ذهني قائم على الذكاء التأويلي، وقراءة النوايا، والمعرفة السابقة بالسياق والشخص، شخص المدرّس كيف يفكّر؟ فإن لم تكن هناك معرفة سابقة به، اجتهد في تكوينها من المعطيات السلوكية والنفسية ومن العلامات المستقاة من هيئة المدرّس ومن جلسته ومن نظرته ومن استبطان نفسيّته وهذا يخرج من العلمي إلى النفسي.
أستاذ اللسانيّات في الجامعة التونسية