تظل الفعاليات الثقافية والفكرية على هيبتها وأهميتها، إلى أن يدخل حلبة المنافسة والتباري، بعض الأدعياء والدجالين فيفقدونها خصائصها وخصوصياتها، لتصبح مجرد احتفالية للدعاية والتسويق، وتلميع بعض الشخصيات المراد تلميعــــها، ولتوفير معطيات الإقناع، وخلق أجواء ثقافية لائقة، تتم المتاجرة بالأسماء الكبرى من أساطين الفكر وأصحاب المقامات الرفيعة في المجالات الإبداعية على اختلاف نوعياتها ومشاربها، وتوضع العناوين العريضة لحلقات النقاش والندوات، ويُدعى المحاسيب والمقربون من أصحاب الحظوة، لطاولة الحوار بأوراق عمل معلومة مُسبقاً كي لا يتسنى لأحد الخروج على النص.
وفق هذه المعادلة يتم إعداد الجداول بعناوين الندوات ومحاورها، والشخصيات المختارة للمناقشة، ولا بأس من أن يُدعى للمناقشة ضيف أو اثنان أو ثلاثة أشخاص من غير الموالين، أصحاب وجهات النظر الحقيقية في القضايا السياسية والثقافية، المهم أن يخرج المستوى بالشكل المطلوب، لتكون الصورة مقبولة ومقنعة.. أشياء كثيرة من هذا القبيل تتسم بها الدورة 51 الحالية لمعرض القاهرة الدولي للكتاب 2020، حيث بدت علامات ودلالات البرمجة الخاصة لمعظم الفعاليات، بوجوه جديدة على الندوات والأمسيات، وعناوين مختلفة غير معتادة، يبرز منها محور ركن الفنون القولية الذي يتناول فنون الحكي والقص، ويندرج تحت العبارة الافتتاحية لحواديت الأطفال «كان ياما كان» كمفتتح لما يدور حوله النقاش من أجناس الفن والإبداع والكتابة الجديدة، وقد اختص الركن في نهاية الأسبوع الأول للمعرض بتنظيم حفل توقيع كتاب «شجرة الموسيقى» لهشام علوان وهو تقليد مستحدث منذ سنوات لترويج الكتب والإعلان عنها، بما يساهم في توزيعها ويلفت النظر لقيمتها وأهميتها.
ومن ناحية أخرى جاء عنوان حكايات من التراث الشعبي، ليشكل مداراً مفتوحاً للبحث عن مواطن التميز والإبداع، في الحكايات الشعبية التراثية مع الشاعر عبده الزراع بوصفة مهتماً بالجانب الفلكلوري، وقريباً من أجوائه، ولم يعدم القائمون على تنظيم الندوات والاحتفاليات السُبل والوسائل المطلوبة لاستثمار اسم الأديب نجيب محفوظ، والزج به في أكثر من محور، فقد أقيمت ندوة بعنوان فلسفة المكان في أدب نجيب محفوظ، دعي لها عدد من الكُتاب الشباب، وأغلبهم لم يُلم بأدبه ولم يقرأه قراءة متأنية، ومن ثم جاءت الرؤى سطحية، ومستوحاة من الأعمال السينمائية والتلفزيونية التي نُقلت عن رواياته.
لم يعدم القائمون على تنظيم الندوات والاحتفاليات السُبل والوسائل المطلوبة لاستثمار اسم الأديب نجيب محفوظ، والزج به في أكثر من محور
وعلى ذكر السينما تأتي الإشارة إلى النشاط المخصص للسينما المصرية والعربية، الذي احتفى ضمناً بالسينما الفلسطينية كضيف شرف في محور خاص يحمل العنوان نفسه، داخل قاعة أُعدت خصيصاً لهذا الغرض، وقد تناولت الندوة التي شارك فيها يوسف الشايب ومحمد عفيفي سمات السينما الفلسطينية وطبيعتها، في النصف الأول من القرن العشرين، وانشغالها بقضية الصراع العربي الإسرائيلي وإعلائها من قيمة الانتفاضة كرمز من رموزها ودليل على كفاح الشعب الفلسطيني.
وفي هذا الإطار ذُكر الدور الرائد للمؤسس مصطفى أبو علي وإسهامات الآخرين من كبار المخرجين المعاصرين، رشيد مشهراوي وميشيل خليفي وإيليا سليمان وهاني أبو أسعد وشيرين دعبس وسعود مهنا وغيرهم.
كما عُرض أيضاً في القاعة السينمائية المستقلة، تمديداً وتعزيزاً للنشاط السينمائي، فيلما «قاهرة نجيب محفوظ» و«حكاية سناء» وهما تسجيليان يشيران إلى خصوصية السينما التسجيلية وتميزها، ودورها المهم في عملية التوثيق التاريخي والإبداعي.
وحول القضايا السياسية ومضامينها وأطروحاتها التاريخية والعصرية جاءت ندوة، التعاون الدولي وثوابت الديمقراطية، بمشاركة السفير أشرف راشد ومساعد عبد العاطي لتفتح نقاشا موسعا حول مفهوم الديمقراطية وثوابتها ومعاييرها، وأوجه الاستفادة منها، وإمكانية التعاون الدولي في هذا الخصوص بما تقتضيه الظروف والملابسات وتحديد الأطر المناسبة والملائمة للتطبيق الديمقراطي السليم.
وفي سياق آخر مشابه تضمنت فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب لقاء موسعا حول قضية القومية العربية، وسؤال الهوية في فكر جمال حمدان، وقد تم النقاش في حضور عدد من المفكرين والباحثين والسياسيين، من بينهم محمد فتح الله من السودان وماهر حمدي عيش وخلف عبد العظيم الميري، حيث تطرقوا إلى مفهوم الانتماء القومي وأبعاده ومردوده السياسي، فضلاً عن المنظور الخاص الذي انطلق منه جمال حمدان، في تعريفة لمفهوم القومية العربية، ودلالات السؤال حول الهوية وعلاقتها بالصراعات السياسية الدائرة والراهنة. وعلى هذا المنوال تباينت إحداثيات الموسم الثقافي الرئيسي في معرض القاهرة للكتاب ما بين جيد ورديء، جيد يشكل العمق الثقافي والحضاري، ورديء يمثل التراجع والاستسهال والضعف، وأمارات الشللية والتحزب والتوظيف المعيب للثقافة والفنون والأفكار .
٭ كاتب من مصر