ما يروج له في الدول الغربية في النتاج الأدبي والفني وبقية الأنشطة الإنسانية الأخرى من منظومة قيمية، ليس كل ما يرد فيه من أفكار ورسائل يعد صالحا للانسجام والتفاعل مع المجتمعات الأخرى، ومنها مجتمعاتنا العربية والإسلامية. وإذا ما كنّا في آخر قائمة المجتمعات التي تشهد نموا صناعيا وتكنولوجيا، فهذا لا يعني أن كل ما نحتكم إليه من منظومة قيمية في مجتمعاتنا متخلف وغير قابل للحياة والاستمرار والقبول. بالتالي هذا يفرض علينا موقفا نقديا يتسم بالشجاعة والصراحة وعدم المجاملة لكل ما يصلنا من هذه الدول، وأن لا نقع تحت ضغط الإحساس بالضآلة أمام الفوارق بيننا وبينهم والتي مبعثها التقدم التكنولوجي الهائل، وإلاّ فإننا سنواجه في ما بعد تحديات ثقيلة سنقف أمامها عاجزين، وستفرز واقعا محتدما يصعب مواجهة تداعياته، قد يكون العنف أبرز صوره. ما يصدر عن العالم الغربي من دعم وتشجيع للمثلية في كافة الأنشطة والفعاليات الفنية والثقافية والرياضية، اتخذ منحا منهجيا محموما، يراد فرضه على الشعوب عبر صور يصعب مقاومة سحرها، نظرا لما تتسم به من تصاميم وحبكة مكتملة العناصر من الناحية الفنية.
هذه الأجندة تساهم في ترويجها غالبية مؤسسات الإنتاج الإعلامي والفني والثقافي وبصور مختلفة، بدءا بملصقات دعائية وكتابات وإصدارات أدبية وصور فوتوغرافية وروايات وأشعار ومجاميع قصصية ومواقع إلكترونية متخصصة بالمثليين، ولعل أشد هذه الوسائط انتشارا وخطورة تتضح في ما يتم إنتاجه من أفلام روائية طويلة وقصيرة، غالبا ما يجري دعمها وتسويقها في المهرجانات الدولية بل وتعطى لها الأفضلية.
غالبية أشرطة هوليوود ومعظم شركات الإنتاج السينمائي في أوروبا لا تخلو من مشاهد حميمة مبهرة في إخراجها، من حيث التصوير والإضاءة وحركة الكاميرا وشاعرية الحوار عندما تلتقي فيها شخصيات مثلية، خاصة خلال العقدين الماضيين، وإن كانت هذه الشخصيات موجودة في أشرطة سينمائية عديدة سبق أن عرضت على الشاشات خلال العقود الماضية من تاريخ السينما الغربية، وهنا سنترك التعليق على الجانب المرضي بما تطرحه بعض هذه الأفلام في قضية المثليين، طالما أنها تصدت في خطابها لمعرفة الأسباب والعلل الاجتماعية التي أفرزت هذه النماذج وأخرجتهم عن السلوك الطبيعي للشخصية السليمة.
كل هذا الترويج الغربي لقضية المثلية باعتبارها ظاهرة طبيعية لابد من مناصرتها، لابد من أن يدفعك إلى أن تشكك بالدوافع الإنسانية المعلنة التي تعبر عنها خطابات هذا النتاج، لسببين رئيسين من وجهة نظرنا، أولها يعود إلى أنها تقدم سلوك هذه النماذج باعتباره نموذجا جميلا ومدهشا، ينبغي التفاعل والانسجام معه باعتباره السلوك الطبيعي، وعكس ذلك كل ما يصدر من مواقف مضادة يعد شاذا ومنحرفا عن الطبيعة الإنسانية، هذا ما تشير إليه ردود الأفعال التي تطال من لا يتفق في قناعاته مع أي نتاج فني وثقافي يدعم المثلية، بمعنى أن المثلية أصبحت في عداد المظاهر التي لا يمكن التعرض لها بالنقد، وهذا يشكل علامة على ازدواجية المعاييرالغربية، لأنها تنسف مفهوم حرية الرأي والتفكير التي يتاجر بها الغرب، والأمثلة على ذلك كثيرة، فإذا ما راجعنا قائمة الأفلام السينمائية التي وصلت إلى إدارة المهرجانات الدولية، سنجد أن هناك عددا من الأشرطة قد تم استبعادها من الدخول إلى المسابقة الرسمية، لأنها لا تحتوي على شخصيات مثلية، أو لانها طرحت رأيا ضدها، ولم يسعفها نضجها الفني في أن تقنع المسؤولين عن المهرجان لاكتساب بطاقة الدخول والتنافس مع بقية الأفلام
ثاني الأسباب ما نلاحظه في إصرار العالم الغربي على أن يستحوذ هذا الموضوع جل اهتمام مؤسساتها ومنظماتها المنتشرة في بقاع العالم، ومنها عالمنا العربي بمعظم فعالياتها التي تقيمها وتدعمها فروعها بمختلف الأنشطة الإنسانية والثقافية والفنية والصحافية وآخرها بطولة كأس العالم التي تنظمها قطر.
ماذا عن الجوائز؟
في ميدان النتاج الأدبي الأمر لم يعد خافيا، فالجوائز المخصصة لتكريم الأعمال الأدبية في مقدمتها الروايات، تميل في ترشيحاتها إلى الأعمال التي تطرح المثلية، لكن الوجه الخفي لهذا التسامح يتعامل مع هذه الظاهرة ليس لكونها جزءا من أزمة اجتماعية وأخلاقية ونفسية، بل لأنها تمثل جزءا من اشكالية اضطهاد وقمع الأقليات، وهذا دليل على وجود البعد السياسي الخفي وراء بروبوغاندا الترويج لهذه القضية في الجوائز الإبداعية بما فيها الجوائز العربية التي لن تكون بمعزل عن ما ترسمه سياسات المجتمع الدولي ومنظماته المتمددة في كافة الحقول الإنسانية ومنها الأدب، فمن المعروف أن أجندة الغرب صنَّفت موضوعة المثلية ضمن مفهوم الأقليات، الذي عادة ما تتستر وراءه الأجندة التدميرية للمجتمعات، ولعل أكثر من كان مستهدفا في هذا التضليل هي شعوب الشرق، التي تنتظم حياتها وفقا لمنظومة قيمية تستمدها من روافدها الدينية وأعرافها الاجتماعية، وليست وحدها الشعوب الإسلامية والعربية الرافضة لهذه الديماغوجية في توظيف المثلية في مفهوم الأقليات، بل هناك مجتمعات أخرى مسيحية كما هو الحال في روسيا، إضافة إلى 69 دولة أخرى رفضت العلاقات المثلية وزواج المثليين، مثل أنغولا وبوتسوانا وجزر القمر وإريتيريا وإثيوبيا وغامبيا وغانا وغينيا وكينيا وليبيريا وليبيا ومالاوي وموريتانيا وموريتوس والمغرب وناميبيا والسينغال ونيجيريا وسيراليون والصومال وجنوب أفريقيا والسودان وسوازيلاند وتانزانيا والطوكو وتونس وأكوندا، وزامبيا وزمبابوي. وفي الأمريكيتين كل من أنتغوا وبربودا والدومينيكان وغرينادا وغيانا وجاميكا وسانت كيتس ونيفيس وسانت لوسيا وسانت فنس والغرينادين. وفي قارة آسيا كل من أفغانستان وبنغلادش وبوتان وبرونداي دار السلام وإيران والعراق والكويت ولبنان وماليزيا وجزر المالديف وميانمار وعمان وباكستان وقطر والسعودية وسنغافورا وسيريلانكا وسوريا وتركمنستان والإمارات العربية المتحدة وأوزباكستان واليمن.
المشكلة أيضا في الصحافة
على صعيد الصحافة هناك العديد من المواقع الإلكترونية العربية والأجنبية التي تضج بها شبكة الإنترنت، معظمها أُنشئت خلال العقدين الماضيين من الألفية الثالثة، باعتبارها منصات تدعم حرية التعبير والرأي لنشر كتابات تحتفي بالمثلية، ولكي تبقى هذه المواقع قوية وفعالة وقادرة على استقطاب وجذب الكتاب الشباب الموهوبين إلى ساحتها والنشر فيها، ولاضفاء بريق النجومية على أسمائهم، نجدها دون غيرها من المواقع تقدم مكافآت مالية مجزية لمن يتواصل معها ويرفدها بكتابات تتوافق مع نهجها، وأي متابع لحركة النشر الإلكتروني بإمكانه أن يتعرف على عناوين هذه المواقع، سواء برمزية اسمائها الواضحة التي تشير صراحة إلى المثلية، أو بما تتستر به من عناوين عائمة ومخادعة.
ثقافة الغرب ليست مقدسة، والشعوب الأخرى حتى وإن كانت ترى الحضارة الغربية لها فضل كبير عليها في ما يتعلق بتشريعات تتعلق بحقوق الإنسان أو بما أنتجته من تقدم تقني وتكنولوجي، إلاَّ أن ذلك لا يعني أن تخضع الشعوب لكل ما يتم الترويج له من أفكار، فإذا كان الغربيون يجدون أنفسهم أحرارا في دعم المثليين فشعوبنا لها الحرية في رفضها ومنعها، طالما تجدها انحرافا يدمر كيان العائلة التي هي أساس المجتمع الذي ينهض على علاقات طبيعية بين الرجل والمرأة.
واضح جدا ان الدوائر السياسية في الغرب التي تهيمن على العالم ما تزال تفكر بعقلية المستعمر المتفوق المتغطرس، الذي يحق له أن يفرض على الشعوب ثقافته، حتى لو كانت ضد معتقداتها الدينية وأعرافها الاجتماعية، مثلما فرضت عليها سياساتها الاستعمارية بالقوة والعنف والوحشية المفرطة لقرون طويلة رغما عن أنفها، فأفقرتها ونهبت ثرواتها وأسست أنظمة هزيلة عميلة تنفذ سياساتها التخريبية التي حطمت أجيالا بعد أجيال.
هنا يطرح سؤال:هل انتهت البشرية من حسم جميع العقد والأزمات التي تطحنها، من حروب وفقر وبطالة وتهجير وتمييز عنصري ونهب للثروات العامة، حتى تتفرغ لدعم المثليين؟