التدمير الشامل وتصعيد الحرب أسلوب نتنياهو للبقاء في غزة

أشرف الهور
حجم الخط
1

غزة ـ «القدس العربي»: بشكل أخطر مما كانت عليه الحرب خلال الفترة الماضية، وسعت قوات الاحتلال من هجماتها الدامية في آن واحد ضد العديد من مناطق قطاع غزة، وبات أمر اجتياح مدينة رفح بالكامل يقترب شيئا فشيئا، ما يزيد من مأساة السكان الذين يعانون من ويلات الحرب منذ أكثر من سبعة شهور، في دليل جديد على أن حكومة الحرب اليمينية في تل أبيب، لا تريد إنهاء الحرب، ولا حتى عقد صفقة جزئية توقف المجازر مؤقتا، وتنوي البقاء في القطاع واحتلاله، وهو أمر كشفته مؤخرا المداولات التي جرت في مجلس الحرب، وتناولت اليوم الثاني لها.

توسيع الهجمات العسكرية

كما كان متوقعا، وسعت قوات الاحتلال التي بدأت منذ نهاية الأسبوع قبل الماضي، عملياتها العسكرية في مدينة رفح، واجتاحت العديد من المناطق الجديدة في المدينة التي فر منها حسب التقديرات أكثر من نصف مليون ساكن إلى مناطق مجاورة في خان يونس وأخرى في وسط القطاع، لتعمق بشكل خطير الأزمة الإنسانية والصحية في القطاع.
الدبابات الإسرائيلية حسب المعلومات التي يؤكدها سكان رفح، باتت على أعتاب الوصول إلى منتصف المدينة، والتي كما مناطق الشرق أخليت من السكان والنازحين السابقين، الذين وصلوا في رحلات متعبة بعضهم سيرا على الأقدام إلى مناطق النزوح الجديدة، من دون أن يجدوا فيها مكانا للإقامة أو طعاما أو شرابا يملأ بطون أطفالهم.
ويتوقع الجميع أن تواصل هذه الآليات العسكرية التي تتواجد في أحياء السلام والجنينة والبرازيل والشوكة، إلى مناطق أخرى في العمق وفي غرب المدينة خلال فترة وجيزة، بعد أن جرى الدفع بلواء عسكري جديد من «الكوماندوز» ليساند لواءين آخرين متواجدين منذ بدء الهجوم.
ودللت على ذلك تصريحات رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو حين قال أثناء حديثه مع جنود في منطقة رفح، التي وصلها في زيارة سريعة «المعركة في رفح حاسمة، إنها معركة تقرر أشياء كثيرة في هذه الحملة (الحرب)».
أما وزير الجيش يوآف غالانت، فتوعد بتوسيع العملية أيضا، وقال إنه سيتم إرسال المزيد من القوات إلى رفح وذلك من أجل تكثيف العملية العسكرية، وجاء ذلك خلال تفقده لحدود غزة، قال فيها أيضا «العملية ستتكثف وستستمر بقوات إضافية ستدخل المنطقة».
وكعادتها لم تكن قوات الاحتلال تدخل منطقة هناك إلا بعد أن تستهدفها بالقصف الجوي العنيف، وتوقع فيها مجازر دموية، والمدنيون وبالأخص الأطفال هم أكثر ضحاياها، فسجل خلال الأيام الماضية، ارتفاع خطير في وتيرة الهجمات وفي نوعية الدمار الذي لحق بالمباني، بما يعني أن لدى دولة الاحتلال مخزون صواريخ فتاكة، لا يتأثر بقرار الحليف الأول أمريكا، بوقف تصدير شحنات الأسلحة لها.
وسحقت الغارات الجديدة الكثير من الأحياء السكنية وسوت مبانيها بالأرض، وجعلت مهمة الوصول إلى أشلاء الضحايا صعبة للغاية، وقد وثقت لقطات مصورة جثث أطفال بعد إخراجها بصعوبة من تحت الركام، وأخرى تطايرت من شدة القصف إلى أماكن قريبة، وأخرى وصلت إلى المشافي، وقد تمزقت بشكل يصعب التعرف عليها.

هجوم رفح

وفي رفح أيضا، لم تمهل قوات الاحتلال السكان ومن فيها من نازحين وقتا للخروج، فلم تمض سوى ساعات على الإنذارات العسكرية التي توسعت ووصلت إلى الطلب قبل أيام من سكان وسط المدينة بالإخلاء، حتى كانت الطائرات والمدفعية الإسرائيلية تشن غاراتها الجوية العنيفة على تلك المناطق، حتى أن تلك الغارات استهدفت السكان خلال الخروج، وآخرين خلال تفكيك خيامهم، وهو ما دفع بأحد السيدات للقول في حديث مع مؤسسة «آكشن ايد» الدولية، التي وثقت عمليات النزوح والهجرة الجديدة، لوصف ما حدث معهم بأنه أشبه بـ«يوم القيامة» وقد تحدثت عن مأساة أخرى، كغيرها، تمثلت في عدم إيجاد خيام للسكن أو مناطق لإقامة الخيام، في المناطق التي طلب منهم جيش الاحتلال الذهاب إليها.
ومن شأن هذا الأمر أن يتفاقم، في حال نزح ما تبقى من سكان مدينة رفح إلى مناطق مواصي خان يونس، ومنطقة وسط القطاع، التي لم يعد فيها أي مكان لنازحين جدد، ولا طعام ولا شراب، بسبب استمرار الاحتلال في إغلاق معابر غزة التي تمر منها المساعدات والوقود للسكان بكميات قليلة بالأصل، وهما معبرا رفح الفاصل عن مصر، وكرم أبو سالم الفاصل عن دولة الاحتلال.
ولم يكن الحدث بعيدا عن حي الزيتون الذي تعرض هو الآخر بعد فشل محادثات التهدئة الأخيرة في القاهرة، لهجوم بري بعد يوم واحد من الهجوم الذي بدأ على رفح، والذي تلاه أيضا هجوم على شمال قطاع غزة لا يزال مستمرا.
ففي ذلك الحي الذي تعرض للاجتياح الثالث منذ بدء الحرب، ودام هذه المرة ستة أيام، ارتكبت قوات الاحتلال سلسلة مجازر، طالت مراكز الإيواء التي طلبت من السكان الذهاب إليها، فأوقعت عشرات الضحايا، كما هاجمت مناطق أخرى في غرب المدينة، ما حول حياة السكان والنازحين الجدد إلى جحيم.
وقد تكشف حجم الدمار الكبير الذي لحق بالمكان، بعد انسحاب قوات الاحتلال، فيما لا تزال طواقم الإنقاذ تواصل البحث عن مفقودين وضحايا تحت الركام.
ويما يدلل على نوايا دولة الاحتلال الدموية الاستمرار في الحرب، وإفشال كل جهود التهدئة، وسعت من هجومها البري على مخيم جباليا والمناطق المجاورة له، فهناك لا تزال المجازر ترتكب بشكل يومي، وبصورة تعيد الذاكرة لأيام الحرب الأولى، حين كانت قوات الاحتلال تشن مئات الغارات والهجمات بالمدفعية يوميا على قطاع غزة.
وقد سجلت الكثير من نداءات الإستغاثة في اليومين الأولين للاجتياح، من مواطنين لم يتمكنوا من النزوح كغيرهم إلى مناطق أخرى في مدينة غزة، فيما أكد نازحون آخرون أن الغارات لاحقتهم في الشوارع وهم في طريق النزوح، وهو أمر وثقته أيضا كاميرات الهواتف، فيما لا يعرف بعد حجم الدمار الكبير الذي لحق بالسكان ولا بالمباني هناك، بسبب استمرار العملية العسكرية الكبيرة التي أعلن جيش الاحتلال رسميا أنه ينوي توسيعها أكثر، غير أن المعلومات المؤكدة تشير إلى أن هناك ضحايا كثر في الطرقات وأسفل منازلهم المدمرة، حيث يصعب الوصول إليهم، بسبب التقدم البري لجيش الاحتلال، وعمليات القصف المتواصلة.

تدمير مقومات الحياة

وكما فعلت في خان يونس وفي غرب مدينة غزة وفي مناطق شمال القطاع مثل بيت حانون وبيت لاهيا، فعلت قوات الاحتلال في جباليا وحي الزيتون ورفح، تعمدت تدمير ونسف مربعات سكنية بالكامل، وتدمير البنى التحتية بشكل خطير، هدفه جعل حياة السكان جحيما لا يطاق.
ففي إحصائية أولية لحي الزيتون الذي انسحب منه الاحتلال، بينت أن جيش الاحتلال دمر في الاجتياح الأخير 200 منزل، علاوة عن التدمير الكبير في البنى التحتية، فيما لم يجر إحصاء خسائر رفح وجباليا التي يتواصل فيهما الهجوم البري وتزداد يوميا معدلات التدمير.
أما المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، فقال إن الجيش الإسرائيلي تعمد خلال اجتياحه البرّي لحي الزيتون جنوب غزة وجباليا شمال غزة، تدمير مدارس ومنشآت صحية، في إصرار على تدمير شامل لجميع مناحي ومقومات الحياة في قطاع غزة في إطار «جريمة الإبادة الجماعية» التي تستهدف الفلسطينيين هناك.
وأوضح المرصد أن إسرائيل دمرت 80 في المئة من مدارس قطاع غزة بين كلي وجزئي في هجومها العسكري منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر الماضي، وهو ما وصفه خبراء الأمم المتحدة في بيان مشترك صدر في 18 نيسان/أبريل الماضي، بأنه يمثل «إبادة تعليمية» ويحرم جيلاً آخر من الفلسطينيين من مستقبلهم.
وقال إن الجيش الإسرائيلي لم يكتف بالاستهداف المنهجي وواسع النطاق للمدارس بالقصف والتدمير الهائل، وارتكاب الجرائم الخطيرة ضد أشخاص محميين بداخلها واستهدافهم على نحو مباشر ومتعمد بالعمليات العسكرية الجوية والبرية وجرائم القتل والإعدامات غير القانونية المباشرة، بل إنه حول عددًا منها إلى قواعد عسكرية وتمركز لقواته وآلياته، ومراكز احتجاز واستجواب وانتهاكات تعذيب، بما يتنافى مع قواعد القانون الدولي الإنساني.
أما وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» فأكدت أنه بسبب الهجمات الجديدة ضد رفح، نزج نحو 630 ألف فلسطيني من المدينة، وقالت إنه بعد 76 عاما على النكبة «لا يزال الفلسطينيون يتعرضون للتهجير القسري».
وترافق هذا مع تقارير الرصد التي تقدمها وزارة الصحة الفلسطينية يوميا، والتي أشارت إلى زيادة عدد المجازر اليومية، وما يسقط خلالها من شهداء ومصابين، في هذه الفترة عن الفترة السابقة.
وخلقت كل هذه الأمور أوضاعا إنسانية في غاية الخطورة، خاصة مع توسيع رقعة العمليات العسكرية البرية، ونزوح هذا العدد الكبير من الفلسطينيين وإغلاق المعابر التي تمر منها المساعدات الغذائية، ولذلك أعلن منسق الإغاثة في حالات الطوارئ في الأمم المتحدة، مارتن غريفيث، أنّه لم يتبقَ تقريباً أي مخزونات من المواد الغذائية في جنوبي قطاع غزة.
وأكد أن المجاعة في غزة «خطرٌ وشيك» مشيراً إلى أنّ إدخال الوقود «شبه مستحيل» لافتا إلى أن العمليات الإنسانية في غزة «عالقة ولا يمكن التخطيط لها» منذ الهجوم الإسرائيلي على رفح.

خطط الحرب الإسرائيلية

هذا وتشير المعطيات على الأرض، إلى أن إسرائيل ماضية في مخططاتها الرامية إلى الابقاء على احتلال غزة، بعد جعل القطاع منطقة غير صالحة للحياة، ضمن خطة محكمة، تجعل سكانه بين خيارين إما العيش تحت الاحتلال، في ظروف صعبة، تجعلهم يكابدون يوميا المشقة لتوفير لقمة العيش، أو الهجرة خارج الوطن.
ولم يكن هذا الأمر خفيا حيث كشف النقاب عن موافقة «مجلس الحرب» على عملية عسكرية في مدينة رفح جنوبي قطاع غزة على مراحل، وذكرت هيئة البث الإسرائيلية أن الجيش أكمل المرحلة الأولى في الأحياء الشرقية من مدينة رفح ومعبر رفح، وأنه بات في انتظار الموافقة على توسيع العملية العسكرية من القيادات السياسية في تل أبيب.
وترافق ذلك مع الكشف بأن مكتب نتنياهو، قد دعا إلى اجتماع لمناقشة «اليوم التالي» للحرب على غزة ومخاطر عودة السلطة الفلسطينية إلى القطاع.
وذكرت «القناة الـ 13» الإسرائيلية أن مكتب نتنياهو، دعا قادة الجيش وجهاز «الشاباك» إلى عقد اجتماع لمناقشة «اليوم التالي» على غزة ومدى خطورة عودة السلطة الفلسطينية إلى القطاع مرة أخرى، موضحة أن مكتب نتنياهو يستمع لرأي الحضور حول مدى خطورة عودة السلطة الفلسطينية إلى غزة وكيف تشكل خطرا على الأمن القومي الإسرائيلي.
وترافق ذلك مع تصريحات نتنياهو التي قال فيها إنه ليس مستعدا لاستبدال حكم «حماس» في قطاع غزة بحركة «فتح» مضيفا أن أي حديث عن «اليوم التالي للحرب في غزة لا معنى له ما دامت حماس في القطاع» كما قال «لن تكون حماسستان ولا فتحستان».
ويدلل ذلك على أن نتنياهو لا يريد إنهاء الحرب على غزة، كونه لا يريد عودة حماس للحكم، ولا تمكين السلطة الفلسطينية من حكم القطاع، بعد أن أفشل المحادثات الأخيرة التي كانت تهدف إلى التوصل إلى وقف لإطلاق النار والتي عقدت في العاصمة المصرية القاهرة، حين رفض التعهد بأن تتوقف الحرب بشكل كامل، حين هدد علانية بعودة القتال بعد انتهاء عملية تبادل الأسرى.
وتلا ذلك أن جرى الكشف عن وثيقة أعدتها المؤسسة الأمنية في تل أبيب، لفحص البدائل المختلفة لحكم حماس في قطاع غزة، حيث بينت أن تكلفة السيطرة الأمنية الإسرائيلية على قطاع غزة ستصل إلى 20 مليار شيكل سنويا.
وحسب صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية، فإن هذه الوثيقة أعدت لتحليل التبعات المالية لتشكيل حكومة عسكرية في قطاع غزة.
وفي هذا السياق، أكد إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، أن سلوك الاحتلال مع المقترحات المتعددة الخاصة بالتهدئة، وما تلا ذلك من الاستمرار بالعدوان والحرب، وإصراره على المضي في احتلال معبر رفح وتوسيع العدوان على رفح وغيرها من المناطق، «يضع المفاوضات برمتها في مصير مجهول».
وأشار إلى أن «إدارة القطاع بعد الحرب سوف تقرر فيه الحركة مع الكل الوطني، مستندة في ذلك إلى المصالح العليا لأهلنا في غزة والتسهيل عليهم في كل ما يتعلق بمرحلة ما بعد الحرب وإلى الرؤية الوطنية الناظمة لوحدة الضفة والقطاع».
وأوضح كذلك في كلمة له قبل أيام، أن إدارة قطاع غزة بعد الحرب كانت في صلب الحوار الوطني الفلسطيني الذي انعقد في موسكو قبل شهور وفي اللقاء الثنائي مع حركة فتح الذي انعقد مؤخراً في الصين، و«كذلك في اللقاء الذي جمعنا مع قيادة حركتي الجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية الذي تم مؤخراً في إسطنبول» لافتا إلى استمرار مواصلة المشاورات مع جميع الفصائل والشخصيات الفلسطينية.
والجدير ذكره أن خلافات كبيرة نشبت داخل المستوى السياسي الإسرائيلي بشأن «اليوم التالي» للحرب على قطاع غزة، خاصة بين بنيامين نتنياهو، ووزير الجيش يوآف غالانت، حيث طالب الأخير نتنياهو بإعلان أن «إسرائيل لن تسيطر عسكريا على غزة بعد الحرب، وأن الحكم المدني الفلسطيني هو مصلحة إسرائيلية» مضيفا أن هناك اتجاها خطيرا يتطور في بلاده إلى الترويج لحكومة عسكرية إسرائيلية.
غير أن غالانت الذي يدعم توسيع العملية البرية ضد رفح، لا يملك التأثير في مجلس الحرب، على وقف الحرب بعد هذه العملية، حيث يتمتع نتنياهو بقوة كبيرة مدعومة من الوزراء المتطرفين، الذين يدعمون المجازر وقتل الفلسطينيين بشكل علني، وأبرزهم ايتمار بن غفير وبتسلئيل سموترتش.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية