التدوينة القُرطبية

طريقان يقودانك إلى التعرف على امرأة شاعرة ذائعة الصيت في الأندلس اسمها ولادة بنت المستكفي، هما طريق السياسة وطريق الشعر. السياسة هو طريق والدها الخليفة الأموي الحادي عشر أبي عبد الرحمن المستكفي بالله (976 – 1025 م) لم تطل مدة خلافته إذ امتدت على سنة يتيمة كبيسة تزيد قليلا أو تنقص قليلا قبل أن يغادر قرطبة هاربا ثم مقتولا. ويبدو أن ولادة التي يقدر أنها كانت وقت خلافة أبيها في آخر عقدها العشرين أو بداية الثلاثين، لم تنتفع بهذه الخلافة ولم توصلها إلى الشهرة، التي باتت لها لاحقا. قد يكون التحرر الذي عرف به أبوها في حياته العامة والخاصة، وطريقة تفكيره المتسامحة قد جعلت ابنته تترعرع في محيط مكنها من أن تتعرف على وجهاء القوم، وأن يكون بعد وفاة أبيها وحصولها على لقب الأميرة الضائع، وأن يكون لها مجلس أدبي يرتاده وجهاء السياسة وأهل الأدب، وما أكثر ما كانت تتشابك القدرة الشعرية مع الوجاهة السياسة في قرطبة على أيامها وأيام صديقها أبي الوليد ابن زيدون. كانت ولادة تكبره بنحو عقد من الزمن، ولكنه فارق لم يحتسب في صحبتهما وفي حفظه اسمها على مرّ التاريخ فلقد كان الطريق الثاني الذي يوصلنا بالفعل إلى التعرف على ولادة بما هي شاعرة غلب سلوكها على شعرها.
ولادة (994- 1091م) التي عمرت طويلا حظيت بلقب الإمارة فخريا، وأسست مجلسها في قرطبة بعد موت والدها، وزوال الخلافة الأموية، أصلا كانت أمها إسبانية فورثت منها سحر السكان الأصليين، وورثت من أبيها سحر الوافدين المنغمسين في ثقافة الأندلس الجديدة. المهم أن ولادة كانت تشغل الناس في قرطبة بشعرها وبحسنها وبأدبها وبتحررها، حتى إن الأعيان وقتها تنافسوا على الفوز بقلبها، وكان ابن زيدون أشهرهم، قبل أن تسقطه السياسة ويخذله ولي نعمته أبو الوليد بن جهور، ويفر ليخلفه على عرش قلبها الوزير أبو عامر بن عبدوس منافسه.
ما يعنينا في هذا المقال وما بقي منه أن نبين كيف أن ولادة كانت من وجوه ضرب من الشعر لم يلفت النقاد إليه على قيمته هو الشعر التسجيلي، أو شعر اليوميات أو شعر التدوينات كما يقال اليوم.
شعر التسجيل أو شعر اليوميات هو تعريب للمصطلح الإنكليزي Diary Poetry وهو نوع من الشعر الشبيه في النثر بالمذكرات، أو اليوميات غير أنه منظوم تجد فيه روح الشاعر التاريخي حاضرة أكثر من روح الشاعر الناظم، لذلك تراه مترعا بالصدق العاطفي وبتسجيل الأحداث اليومية ودقائقها الصغيرة، ويكثر فيه الشاعر من تأمل تفاصيل الحياة العادية، ويسجل فيه ما أثر فيه من علاقات حب أو كراهية، لذلك يكون هذا الشعر صوت ذات الشاعر الحميمية وهو يدون تفاصيلها اليومية. أبرز أشكاله حديثا هو الهايكو Haiku المأخوذ من تقاليد الشعر الياباني، وهو شعر موجز مفعم بالعمق العاطفي يتألف غالبا من سبعة عشر مقطعا توزع على ثلاثة أسطر شعرية.

شعر التدوينة القديم لم يكن يختلف من جهة نظمه عن الشعر العادي، إذ ينظم على البحور ذاتها، لكنه كان شعرا مختصرا ذا طابع تدويني يكتفي بتدوين حدث، أو حدثين عادة ما تكون من التفاصيل الواسمة لصاحبها، أو من الأحداث العابرة غير أنها مؤثرة. يدون الشاعر تفاصيل أحداث لا يعرفها غير من دونها، بمناسبة قد تشقي مؤرخي الشعر في إيجاد تفاصيلها. لهذا بنى المؤرخون والإخباريون مناسبات لهذه الحكايات حتى تفهم.
التدوين أو الكتابة بالمناسبة تبرز مع ولادة في أشهر بيتين ينسبان إليها وقال الرواة إنها كانت رسمتهما على أحد عاتقي ثوبها إذ تقول: (أنا والله أصلح للمعالي/ وأمشي مشيتي وأتيه تيها // وأناول عاشقي من صحن خدي/ وأعطي قبلتي من يشتهيها) يقول ابن بسام الشنتريني في الذخيرة: «إنها – سمح الله لها. وتغمد زللها – اطرحت التحصيل، وأوجدت إلى القول فيها السبيل، بقلة مبالاتها، ومجاهرتها بلذاتها. كتبت – زعموا – على أحد عاتقي ثوبها: أنا والله أصلح للمعالي.. وأمشي مشيتي وأتيه تيها وكتبت على الآخر:.. « (الذخيرة 1/ 429). التدوين بالتطريز هو احتفاء بالقول في شكل يجعله حاضرا حضورا فنيا مميزا، فالتدوين يضفي على القول الشعري قيمة فنية شكلية يوزع من خلال القول الشعري على فضاء جمالي فتان مهما كانت مادته يضاف إلى ذلك أنه يظل محفوظا مقروءا متجددا بتجدد قراءته، حيث العين تنجذب سحرا. إن المدون الموشى والمطرز، لو صدق الخبر يعرف بالشاعرة، أو هو يختزلها في أشتات هويات مفرقة: إنها من ذوات المعالي، وإن الرفعة لم تأتها صدفة، بل هي تلمح في أبسط فعل طبيعي هو المشي، ولكن التيه يبقى التيه بما هو شكل من التعالي والمغالاة في الدلال، هو ما يرفع مقامها بين أترابها. الجمع بين التيه والدلال بالمعنى الذي ذكره ابن الفارض وإن كان في سياق صوفي آخر حين قال: (ته دلالا فأنت أهل لذاكا // وتحكم فالحسن قد أعطاكا): التيه يمنح المرأة التعالي والتحكم والسلطة من غير أن تكون هذه السلطة مقبلة إليها من بوابة الوراثة الخلافية، التي كانت لأبيها. هذا البيت يعطي الهوية المتعالية الشريفة بالطبيعة لا بالوراثة، ولكن البيت الموالي يعطي الهوية العاطفية التي ينبغي أن لا تفهم بالسرعة التي تجعل هذه المرأة متاحة في قبلتها لمن أرادها، قبل أن يتحدد من هذا المريد. المريد للقبلة ليس من هب ودب، بل هو من عرف أصل التعالي والشرف الذي في البيت الأول، وأن القبلة ليست خاتمة شهوة، بل الشهوة هي بداية سعي متعب للظفر بقلب من يعطيها. هذا البيت يجعله التدوين مكرر القراءة، كل قراءة جديدة تعلم القارئ التدرب على التريث، وتجعله أكثر اتزانا يلوك الكلام المدون على لسانه كل مرة قبل أن يقدم: تجعله يراجع ميزان نفسه بالنسبة إلى ميزان تعاليها.

من شعر التدوين لدى ولادة هذان البيتان اللذان قالتهما تخاطب ابن زيدون (ترقب إذا جن الظلام زيارتي/ فإني رأيت الليل أكتم للسر// وبي منك لو كان للبدر لم ينر / وبالليل لم يظلم وبالنجم لم يسر). ينبغي أن لا نصدق دوما ما يقوله الإخباريون، ينبغي أن نصدق ما يقوله النص قبل قولهم والنص فيه عناصر التدوينة: موعد على غفلة من الكون، ورسالة مشفرة، ينبغي أن لا يقرأها إلا من تواعده وقد يكون وهما وخيال رجل ويظل الظلام في هذه التدوينة حبيبا أول لأنه أكثر الكاتمين لأكبر سر: لقاء محبين في وقت لا يحب اللقاء.
غير أن ابن زيدون لم يكن كاتما للسر إذ كتب يعير ابن عبدوس حين صار يلم بولادة (قالوا أبا عامر صار يلم بها / قلت الفراشة قد تدنو من النار// عيرتمونا أن قد صار يخلفنا / فيمن نحب وما في ذاك من عار// أكل شهي أصبنا من أطايبه/ بعضا وبعضا تركنا منه للفار). دون ابن زيدون تفاصيل عشق كان فيه طرفا فصار قصيا، وأفشى سرا من أطايب الغرام الذي كان له فصار فتاتا.. لكن حتى لو كانت القبلة من صحن خدها هي الفتات وكان المقبل الثاني فأرا فقد دون الرجل وأفشى ودونت المرأة وأخفت. كذا التدوين شعرا: يمكن أن تدون لتفضح أو تدون لترمز وتخفي وتستر وتكتم.

أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية