الترجمة بين الإصلاح والنهضة في أوروبا

حجم الخط
0

لا مناص من الإشارة أولا إلى أن جدية مشكلة الترجمة، وما شهدته من تراجيديات، أو ربما مهازل، كما قد نراها الآن أو سيراها القادمون من البشر بعد عقود، احتدمت ووصلت ذروتها، ليس مع ترجمات كلام البشر بما في ذلك من خطابة وشعر وما سواهما من بقية الصنوف الأدبية، بل مع ترجمة الكلام الرباني بين ألسنة شعوب غضب الرب عليها أولاً، ببلبلة ألسنتها ليجعل التفاهم بينها مستحيلا، حسب الرؤية التي توفرها الميثولوجيا الدينية في الكتاب المقدّس.
تم الحديث في مقال سابق عن جيروم وترجمته، وما بدأ به من توقعه لما كان سينزل عليه من لعنات جرّاء إقدامه على الترجمة السبعينية، التي سبقته والتي كرّستها الكنيسة وحرستها بسياج من نيران تحرق كل من يجرؤ على خدش حرمتها. ننتقل هنا إلى قرون بعد القديس جيروم، وصولاً إلى القرن السادس عشر الميلادي، الذي شهد ترجمات عديدة للكتاب المقدس إلى مختلف اللغات الأوروبية. كتب الفيلسوف واللاهوتي الهولندي إيراسموس (1536-1466) داعيا إلى إتاحة النصوص المقدسة إلى الجميع بقوله «إني لأرغب في وجوب قراءة الإنجيل ورسائل بولس من قبل جميع النساء، وأدعو الله أن تترجم إلى كل ألسنة البشر لكيلا تكون قراءتها حصرا على الأسكتلنديين والإيرلنديين، بل تكون متاحة للترك وأقوام السراسين». ولا بد من التوقف هنا عند عقلية ذلك القرن وما عناه اللاهوتي إيراسموس بالسراسين. تعود كلمة «Saracen» الى الإنكليزية الوسطى، حيث كانت تطلق على بدو الصحراء والعرب، ثم المسلمين عموما في القرون الوسطى ولاسيّما في أدبيات الحرب المسيحية ـ الإسلامية (الصليبية). ويرجع أصل الكلمة الى اللاتينية المتأخرة «Saracenus» التي تتصل بالكلمة الإغريقية «Sarakenos» المأخوذة على الأرجح من الكلمة العربية «سارقين» أو سرّاقين». لا أدري كيف يمكن أن نستقبل هذه الكلمة الآن، ولكنها حقيقة تلك القرون، ولكي نكون منصفين علينا أيضا أن نراجع ما في تراثنا من صفات أطلقناها على إيراسموس وملته في تلك القرون البائدة.
ارتبطت حركة ترجمة الكتاب المقدس في القرن السادس عشر ارتباطا واضحا بحركات الإصلاح والنهضة. فبعد أن اتخذت كنيسة الروم الكاثوليك عبر القرون الوسطى مهمتها الصعبة في حراسة الترجمة الدقيقة للكتاب المقدّس، ألقت على عاتقها واجب القيام بمطاردة ومعاقبة وقمع أي ترجمة يمكن أن تمثل خروجا على الترجمة المقبولة من وجهة نظر عقيدتها. ولعل من أبرز الأمثلة على وحشية ذلك القمع؛ المفكر والمصلح البروتستانتي الإنكليزي وليم تايندل (1536-1494) والفرنسي إيتان دوليه (1546-1509)، اللذين أعدما علنا عقابا لما اقترفاه من «ترجمات». كان تايندل خبيرا بالألسن، يتحدث عشر لغات من ضمنها العبرية، وقد قام بترجمة فائقة للكتاب المقدّس إلى الإنكليزية، حيث باتت ترجمته في ما بعد الأساس لنسخة الملك جيمس، التي ما زال البعض يصفها بالنسخة المعتمدة. اختطف تايندل وحوكم بتهمة الهرطقة وأُعدم في هولندا. أمّا دوليه فقد حوكم من قبل رجال الكنيسة جرّاء إضافته عبارة « لا شيء إطلاقا» على ترجمته لعبارة ترد في واحدة من محاورات أفلاطون في سياق الإجابة على سؤال ماذا يحدث بعد الموت. أدت تلك الإضافة إلى اتهامه بالتجديف وعدم الإيمان بخلود الروح. يُعتبر دوليه من أوائل كتّاب الفرنسية الذين طمحوا إلى وضع نظرية للترجمة، حيث نشر في عام 1540 ملخصا لمبادئ الترجمة تحت عنوان (كيف نترجم من لغة إلى أخرى). وضع دوليه مبادئه الخمسة وكما يلي:
أولا: على المترجم أن يفهم بشكل متكامل المعاني التي أرادها مؤلف النص الأصل، وإن كان المترجم حراً في توضيح ما قد يبدو غامضا.
ثانيا: على المترجم أن يكون ذا دراية تامة وإمكانية عالية في اللغة المنقول منها واللغة المنقول إليها.
ثالثا: على المترجم أن يتحاشى الترجمة الحرفية.
رابعا: على المترجم أن يلجأ إلى الاستعمال السائد للغة.
خامسا: على المترجم أن يختار ويرتب الكلمات بما يتناسب مع النبرة الصحيحة للنص الأصل.
وضع دوليه فهم النص الأصل في لب مهمة المترجم وهذا ما يتطلّب بادئ ذي بدء مقدرة المترجم في لغتي النص الأصل والنص المترجم. ومع أن دوليه لم ينج من القتل، جراء إضافته كلمة واحدة في ترجمته لواحدة من محاورات أفلاطون، إلا أن المحك الحقيق كان يتعلّق بترجمة المقدّس في ذلك العصر.
طبقا لسوزان بسنيت في كتابها «دراسات الترجمة» فإنه من الممكن اختزال مسعى ترجمات الكتاب المقدّس في القرن السادس عشر إلى الآتي:
أولا: تعيين الأخطاء التي وقعت في الترجمات السابقة بسبب القصور في معرفة ثقافة النص الأم ولغته.
ثانيا: السعي إلى إنتاج أسلوب في اللغات غير اللاتينية المترجم إليها
ثالثا: إيضاح النص الأصل بترجمة تستوعبه وتحيله إلى نص يحلل النص الأصل أو كما تصفه بسنيت « ميتا – نص».
وفي هذا الصدد كان التحول الأكبر على يد أولئك المهتمين بنقل المعرفة الدينية إلى سواد الناس، والذي انطوى بالضرورة على تحدي حرمة الترجمات اللاتينية، التي سعت الكنائس إلى تحصينها ضد أي محاولة للطعن في دقتها الحرفية، كما كان الاعتقاد سائدا. لقد أكّد الألماني مارتن لوثر (1546-1483) في رسالته عن الترجمة التي تعود إلى عام 1530 على وجوب سعي ترجمة الكتاب المقدّس إلى ابتكار أسلوب في اللغة الألمانية يوازي الأصل اللاتيني، مشيرا إلى ذلك باستخدام مفردتي (الترجمة) و(الألمنة) اللتين تشيران إلى المعنى ذاته. والألمنة هنا تعني النقل إلى الألمانية بإخلاص إلى اللغة المنقول إليها، أو كما نستخدم المصدر «تعريب» كبديل لترجمتنا إلى العربية. ما تجب الإشارة إليه هنا أن الألمنة كما أراد لها لوثر أن تكون هي تجريد النصوص الدينية من غموضها اللاتيني بالنسبة إلى العامة، من منطلق تعميم المعرفة وجعلها يسيرة متاحة للجميع وليس حصرا على طبقة بعينها، وليس من منطلق تكريس الهوية القومية بالمعنى الذي تعاملت معه روما في عصر مجدها، حين أرادت صهر هوية النصوص الإغريقية وتذويبها في المرجل الروماني، تعبيرا عن انتصارها وسيادتها. كتب لوثر في رسالته تلك مستعينا بالكتاب المقدس (محتكر الحنطة يلعنه الشعب والبركة على رأس البائع) مشيرا إلى أن هذا المثل لا يتعلق باحتكار الحنطة فقط، بل باحتكار كل ما يمكن أن يمثل فائدة للعامة، بما في ذلك المعرفة الدينية والقدرة على قراءة النصوص المقدسة التي احتكرتها الكنيسة لرجالها. وعلى العموم فإن أهم ما انتبه اليه لوثر في هذا الصدد هو أهمية العلاقة بين الأسلوب والمعنى، وبالضرورة الميل باتجاه القارئ والتمرد ضد الالتزام الحرفي بقدسية الأصل.
ومن نافلة القول هنا، إنَّ اختراع تقنيات الطباعة في القرن الخامس عشر أحدثت تغييرا نوعيا في عملية النشر والتعليم، ومن ثم في عملية الترجمة. ولا شك في أنَّ هذا زامن الاكتشافات الجغرافية وتطور وسائل قياس الزمن والفضاء، والأهم من ذلك ظهور رؤية كوبرنيكوس للكون، التي قلبت المفاهيم والثقافة والمجتمع وغيّرت رؤية البشر للعالم ولأنفسهم وما ينتجون سواء كان ذلك في مجال العلم أو الفلسفة وفلسفة الدين والأدب تأليفا وترجمة وقبل ذلك إلى فهم اللغة وعملها بتواضع أرضي ينأى عن النظر إلى الاختلاف في الألسن، باعتباره نقمة، بل باعتباره تحديا من أجل أن نصل إلى فهم اللغة باعتبارها ملكة بشرية وفهم لساننا وقدرته على استيعاب لسان آخر.

كاتب عراقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية