التشكيك في كوفيد: ثورةٌ ضد العلم وعودة إلى الغيبيّات عن التحالف الآثِم بين السلطات والإعلام

حجم الخط
3

كما اشتعال النار في الهشيم يتسع نطاق التململ الشعبيّ ضدّ الإجراءات الحكوميّة بشأن كوفيد – 19 عبر الدول الأوروبيّة من ألمانيا إلى إيطاليا ومن هولندا إلى بريطانيا. وبينما اتخذ ذلك غالباً شكل تظاهرات سلميّة صاخبة، وتحدّيا للتعليمات بشأن العزل الاجتماعي ولبس الكمامات، فإنّ الاحتجاجات في بعض المدن كادت تخرج عن السّيطرة واضطرت قوات الأمن إلى التدخّل أحياناً لمنع تدحرج الأحداث نحو عصيان شامل، لا سيّما في إيطاليا، حيث حاول المتظاهرون احتلال مبنى البرلمان الأوروبيّ وهاجموا مكاتب أكبر اتحاد لنقابات العمّال قبل أن تعيدهم قوات الأمن إلى الوراء.
وإذا كان لنا أن نحكم من التقارير التي أذيعت على شاشات التلفزيون، فمن الجليّ أن الجمهور المشارك في هذه الاحتجاجات يشمل طيفاً عريضاً من الفئات الاجتماعيّة والاتجاهات السياسيّة: فهناك طبقة عاملة وبرجوازيّون، ويمين متطرّف ويسار فوضوي، ومثقفون وعوام، وبعضهم من أعداء برامج التلقيح الذين يعتبرون أن ما يجري جزء من مؤامرة كبرى تديرها جهات مشبوهة، فيما البعض الآخر قلق من التعدي المتعاظم للحكومات على الحقوق الفرديّة للأشخاص عبر تبنيها سياسات ديكتاتورية محض لا سيّما محاولة فرض التصاريح الصحيّة الإجباريّة (جوازات كوفيد) التي يرونها تطرفاً في التحكم بحياة البشر.

التشكيك في كوفيد: تمرّد ضد العلم؟

وفي ظلّ غياب مصطلح أفضل لوصف هذا الجمهور المنوّع الهوى والمرجعيّات، فربما يمكن تعميم وصف (المشككين في كوفيد) عليهم. إذ أنّهم يشتركون في عدم قبولهم للنظريات الرسميّة المعلنة بشأن الوباء الغادر: فيزعمون بأن المرض ليس بأسوأ من الإنفلونزا، وأن ارتداء الأقنعة، وتدابير الإغلاق، وحظر أو تقييد بعض الأنشطة ليس له من تبرير علميّ، وأنّ اللّقاحات التي طوّرت لمواجهته مجرّد خبط عشوائية قد تكون آثارها السلبيّة أخطر بكثير من فوائدها الموعودة.
وعلى الرّغم من أن بعض هذه المواقف له جذور سابقة للوباء الحاليّ من خلال مجموعات صغيرة من أصحاب نظريّات المؤامرة، فإن الحكومات – الغربيّة تحديداً – لعبت دوراً كبيراً في توسيع دائرة المشككين بكوفيد، وإيصال صوتها إلى قطاعات عريضة من السكان، وذلك من خلال أفعالها المتسمة بكثير من التردد والنّفاق وسوء الإدارة لدرجة أن تياراً واسعاً من البريطانيين اليوم يعتقد بأن حكومتهم تسببت بقتل 150 ألف بريطاني بكوفيد بلا داع بسبب انعدام الكفاءة المشين، في ما يتعلّق بالتعامل مع إدارة الوباء. لقد فقدت تلك الحكومات مصداقيتها بإنكارها خطورة الوباء بداية، وتردّدها في فرض العزل وإغلاق الحدود، ومن ثمّ فشلها الذّريع في توفير معدات الحماية للفئات الأكثر تعرضاً للإصابة بالعدوى، ناهيك عن السياسات العقيمة التي لم تأخذ التفاوتات الاجتماعيّة بعين الاعتبار وتسببت بخسائر أفدح في الأرواح وضغوط اقتصاديّة قاهرة لدى الفئات العرقيّة والطبقيّة الأقل حظّاً، ولاحقاً في تغوّلها المتكرر على الحريّات الفرديّة والعامّة، سواء في إدارة الوباء، أو التعامل مع اللّقاحات، وأخيراً في محاولات فرض قيود عزل على من لم يتلقوا اللّقاح بغض النّظر عن الأسباب.
وقد وفّرت هذه جميعها معاً مزاجاً خصباً للإحباطات والغضب، وشجعّت صعود شخصيّات وقيادات شعبويّة وفتحت الباب لموجة غير مسبوقة من التشكيك في العلم (الرّسميّ على الأقل) وحطمت ثقة الكثيرين بالعلماء والخبراء والقائمين على المؤسسات الصحيّة، لا سيّما مصنعو الأدوية واللقاحات الذين حصلوا على مستويات قياسيّة من السمعة السلبيّة وانعدام الثّقة.

فشل الإعلام مجدداً وفوضى التواصل الاجتماعي

من اللافت للنظر أنه على الرغم من اختلاف الثقافات والتقاليد السياسية بين مختلف البلدان وعبر القارات، وتعدد مرجعيّات الشخصيّات الشعبويّة التي قدّمت نفسها صوتاً بديلاً إلّا أن خطاب المشككين بكوفيد يكاد يكون معولماً ومشتركاً بين الغالبيّة. ولا شكّ بأنّ التحول الهيكلي للنقاش في المجال العام ضدّ العلم والمؤسسات قد استفاد بشكل استثنائيّ في أيّامنا من خلال فضاء الإنترنت والمدوّنات ووسائل التّواصل الاجتماعي التي سمحت بحكم تكوينها وسياسات الشركات القائمة عليها (والمتسمة بالغباء أحياناً) في خلق فضاء مشترك هائل يسهل فيه استغلال سوء إدارة الحكومات للوباء لبناء تضامن للمتضررين عابر للحدود واللّغات والخبرات المحليّة، ومن ثم توظيف هذا التضامن لإيصال كمّ هائل من الغموض والمعلومات المتناقضة وأنصاف الحقائق إلى ملايين البشر قبل أن يرتدّ إلينا البصر.
لكّن مساحة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعيّ مهما قيل فيها وتعرّضت للوم، فإن مساهماتها في تشويه صورة العلم مشتقّة في الواقع من الفشل الذريع مجدداً لوسائل الإعلام الجماهيري الكبرى لا سيّما التلفزيونات في اكتساب الصدقيّة لدى الجماهير. فغالبها سارع إلى تبني الروايات الرسميّة للحكومات دون أي ّدور نقديّ، ومارس دور المروّج والمبرر للإجراءات جيّدها والسيء معاً، وأطفأ الأضواء على التّفاوتات الحادة التي كشفها الوباء وكرّسها، وخنق بلا تردد كل صوت معارض مهما كانت درجة عقلانيته أو مؤهلاته العلميّة.
المنهج الإقصائيّ المنحاز لوسائل الإعلام الجماهيريّ مع السّلطات ضد الجمهور أضاف مزيداً من وقود الاشتعال إلى موجة التشكيك بالعلم، التي بالضرورة لقيت تأييداً ضمنياً من بعض الجهات المستفيدة مادياً من استعادة حركة الأسواق إلى مستوياتها العاديّة وكسر الإجراءات الاستثنائيّة. لكن، كأن ذلك لم يكن كافياً لوحده لتحطيم مصداقيتها، إذ تبيّن تالياً أن معظم بيوتات الإعلام الكبرى ومحطات التلفزيون الغربيّة المعروفة متورطة بشكل أو بآخر بتلقي أموال من جهات مثل بيل غيتس الذي يتهمّه كثير من المشككين بكوفيد بقيادة مجهود عالمي للنخبة الثريّة المهيمنة للسيطرة على الجماهير وفرض قيود عليها خارج الأنظمة الديمقراطيّة. وبحسب التّقارير التي نشرت مؤخراً فإن مؤسسة غيتس الخيريّة أنفقت رسميّاً ما يقارب 350 مليون دولار مؤخراً تلقتها شبكات تلفزيون كبرى مثل «سي إن إن» ، و»سي بي إس» ، و»بي بي سي» وعشرات غيرها دعماً لبرامج وتوجهات في إطار عمل تلك التلفزيونات يدعمها بيل غيتس وتخدم أجندته. ولا شك بأن الكثير من التلفزيونات العربية بالتبعيّة انساقت كما القطيع في ترداد ذات النغمات.

ثورة ضد العقل سندفع ثمنها مستقبلاً

من الواضح أن إدارة الوباء إلى الآن أنتجت فقدانا هائلا للثقة في النظام السياسي والعلمي بأكمله بحيث أصبح مئات الملايين من البشر غير قادرين على تصديق أي شيء رسمي، فيما هم على استعداد للثقة بما يصلهم من مجموعات المشككين على واتس أب أو تيليغرام ومجموعات فيسبوك ومثيلاتها.
لكن هذا التمرّد ضد المؤسسات الذي كان يشير تقليدياً إلى التقدّم وانتصار العقل والتحرر من الديماغوجيات يبدو في عهد كوفيد 19 أقرب الآن إلى ردّة عن التنوير وعودة إلى الغيبيّات والخزعبلات وتشكيك في قدرة العلم والتكنولوجيا على خدمة الإنسان واغتراب متسارع عن السياسة لمصلحة النخب والفاشيّات.
ربّما لن يكون تأثير تلك الرّدة مباشراً اليوم أو غداً، لكنّ الديناميّات التي أطلقتها سيكون لها أن تصبح في وقت ما وحوشاً لن يسهل قطع رؤوسها وستدفع ثمنها الأجيال عزيزاً.

 إعلامية وكاتبة لبنانية – لندن

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية