التشكيلي العراقي محمد حاتم… بين الموروث والصياغات الجديدة

حجم الخط
0

يُعَد فعل الالتفات إلى الأزمنة المنصرمة، محاولة لترميم الزمن المعاش من الجانب الأنثروبولوجي. أما في الجانب الإبداعي والخلق الفني فيُعَد محاولة للتوظيف من خلال اختيار أبجدية جديدة، يتمكّن الفنان أو منتج النص من التعبير بوسيلة وأسلوب قد يتغاير مع ما هو متعارف عليه، أو فيه شيء من الابتعاد عن المألوف. وعدّت كريستيفا ذلك بتوصيفه بالتناص، ووصف كإجراء في النقد العربي القديم بـ(وضع الحافر على الحافر) وفي الفن التشكيلي، يمكن توصيفه بنوع من تأصيل النظرة الذاتية للظواهر من خلال توظيف مفردات النص القديم، واستدعائها كمُعينات في التعبير. وقد وجدنا في جُهد الفنان محمود عجمي أبرز مثال في الرسم والنحت. فقد تمكّن من توظيف عنصرين ورمزين سومريين هما (الجسد الأنثوي + الثوّر) مضافة إلى ذلك الحرف المسماري. لكن ما يميّزه في هذا الفعل للخلق، هو التلاعب بهذه المفردات وفق ما يُمليه عليه الذهن الفني، عبر رؤى قادرة على خلق العلاقات الجديدة. إن سياق التوظيف مفتوح، لأنه مبداً يعتمد على جدلية معرفية إبداعية، سواء في الفن أو الكتابة شعراً ونثراً.
لمحمد حاتم إسهامات واضحة ومتمكّنة في هذ الضرب من التوظيف. معتمداً على استدعاء الحرف المسماري والجسد من الملاحم القديمة كشخصية الملك جلجامش وشخصية المؤثر المعرفي أنكيدو. وتُعد الفنون، وحصراً التشكيلي من الفنون التي لها إمكانية امتصاص ما هو عامل على تعميق النص الصوّري. وبذلك يكون الفنان غير معني بالتفاصيل، بقدر ما تعنيه الشيفرات التي يستعين بها لعكس رؤيته النابعة من العقل الجمعي. لذا نجده حريصاً على ترسيخ مجموعة مفاهيم في ما يمارسه من فعل التلاقح المعرفي الإنتاجي. انطلاقاً من مفهوم توائم الإبداع بعامّة عبر رموز قارّة تستعين بها الذات الفنية لتحقيق نوع من التحوّل في تنفيذ العمل الفني.

لمحمد حاتم إسهامات واضحة ومتمكّنة في هذ الضرب من التوظيف. معتمداً على استدعاء الحرف المسماري والجسد من الملاحم القديمة كشخصية الملك جلجامش وشخصية المؤثر المعرفي أنكيدو.

وأرى أنه كفنان ينتمي إلى تشكيلة (تخاطر) يضع بصمته الفنية من خلال ممارسة التوظيف لرموز ومعالم وعلاقات الموروث القديم. ولعله في الضرب من الخلق، يعمد إلى تقريب الشكل الفني بكل مكوّناته نحو صورة جديدة في التعبير، وخلق علاقات بنيوية وجمالية ضمن كادر اللوّحة. فناهيك من توظيفه للحرف المسماري، وظِلال النماذج من الرموز الأسطورية، نجده يتعداها نحو خلق مناخ وفضاء محفوف برؤى جمالية تخص النظرة البصرية لسطح اللوّحة، وهو إجراء تعتيق اللوّحة عبر تعتيق الألوان، وإظهارها على شكل يقترب من اللُقى الأثرية. وهذا في رأينا أسلوب استطاع أن يُضيف فضاءات متنوّعة لخلق مناخ جديد. لقد ذكر دافيد هلبرت عن ضرورة الاهتمام بالحروف، وهو نوّع من تأمل الكلام الذي يسبق التأليف أي المواد الأولية من الطبيعة، يعجنها المبدع ويُبرزها بأدواته.. وبهذا تكون رؤيتنا لمعطى الفنان وهو يخلق أدواته الفنية، كوّنها ضرب من اختيار الأسلوب في الفن، حيث نلاحظ اهتمام حاتم الدائم في تغيير موضع التعبير، الغرض منه إضفاء حراك جديد، يستطيع من خلاله الكشف عن رؤاه. فهو لا يكتفي باستدعاء المفردة القديمة، بقدر ما يعمل على خلق علاقات جديدة بينها قادرة على أن تعبّر عن كينونة معاصرة. صحيح إن الفن التشكيلي المتمثل باللوّحة غير معني بتفاصيل جدلية للصراع، لكنه لا يغفل عن تجسيد علامات هذا الصراع عبر تجسيد الرمز القديم.

إن عالم اللوّحة المنعكسة على سطح العلاقات الجمعية والثنائية، يتفرد بها في صياغة علاقات جديدة من خلال خلق توائم بين هذه الأشكال والرموز، بمعنى استحداث صورة محققة لرؤى معاصرة، تتطلب حسا بصريا متأنيا، لكشف تلك العلاقات المتوارية ضمن علاقات تكاد تكون خفية، لأن السطح في النص التشكيلي هنا فيه المعلن والمضمر. فالمعلن ينطوي على مجموع العلامات والشيفرات الظاهرة على السطح، والمضمر يتجسّد في ما تقود إليه هذه العلامات لدلالات أخرى. من هنا نرى يعمل الفنان على وضع جُهده ضمن دائرة غير مغلقة، يستطيع الرائي البصري كشف العلاقات والمواضعات، إذا ما توّفر على قدر من الوعي الذي يتأنى في استقبال محتوى اللوّحة. وفي هذا نجده أكثر قدرة على خلق مثل هذا العلاقات وتمثيلها على السطح، معتمداً على مجموعة رموز منها (الحروف/ العلاقات الإنسانية/علاقات الآلهة/ القوانين والتشريعات/ تقديم النذور إلى الآلهة، الرموز الزراعية) وغير ذلك من الرموز القارّة في التراث القديم. وبهذا استطاع حاتم أن يمنح لوحته حراكاً جديداً، لا يكتفي بذاته، بقدر ما يستعين بكل ما من شأنه الارتقاء بالفن. ولا يتم هذا إلا من خلال المؤاخاة بين ما هو معاصر، وما هو موروث وعكس نظرته المتدرجة في تجسيد المعنى، التي تنتج دلالات تُعينه على تقديم رؤى حيوية وفعّالة. وهذا نابع من قوة الحرف المسماري والجملة. فالأبجدية المسمارية تمتلك جمالية خاصة، وتعبيرا فنيا عبر تشكيلتها الحروفية. فالرشاقة والتشابك (التقاطع) يخلق نوعاً من علاقات تٌثير البصر، شأنها شأن الحرف العربي الذي وجد له متسعاً على سطوح لوحات الفنانين، بما يعبّر عنه من خلجات صوفية خالصة وجمالية عامة.
إن الفنان لا يكتفي باستحضار وتوظيف الحرف المسماري حسب، بقدر ما ينتبه ويُنبه إلى أهميته التعبيرية والجمالية، من خلال تشكيل المعمار الكلي للوّحة وبنائها عبر مقطعات، تستعين بالحروف ككتل جمالية في حركتها الهرمونية، بحيث تبدو مثل عمارة لأمكنة أسطورية ذات صفة شعبية. فهو غير معني في هذا بالتفاصيل، وإنما تهمه معمارية وتنضيد العلامات التي تعكس المعنى العام والخاص. فالإشارات الحروفية في لوحاته يحكمها قانون الجمال الذي يرتقي بالمعنى. إن التلازم والتواؤم والانسجام الذي يخلقه الحرف، عكس جمالية من جهة، ومظان يخص البنية الفكرية من جهة أخرى.

إن الفنان لا يكتفي باستحضار وتوظيف الحرف المسماري حسب، بقدر ما ينتبه ويُنبه إلى أهميته التعبيرية والجمالية، من خلال تشكيل المعمار الكلي للوّحة وبنائها عبر مقطعات، تستعين بالحروف ككتل جمالية في حركتها الهرمونية، بحيث تبدو مثل عمارة لأمكنة أسطورية ذات صفة شعبية.

 التمائم المحايثة للحرف وأشكاله، صاغت بنيتها الدلالية، كذلك حققت وجودها كتشكيل فني عبر الفن الشعبي، كصناعة الحلي وهندسة البُسط والأفرشة مثلاً. كما أن براعة الفنان الشعبي الذي يتعامل بعفوية إبداعية، زحفت كدربة فنية إلى جُهد الفنانين، بما مكّنهم ذاتياً من صياغة شكل جديد عبر تعامل مختلف. واعتبر هذا جزءاً من جمالية عامّة. ولعل الفنان حاتم يستفيد من الأشكال تلك، كمعلقات تقترب من التمائم لتشكل معماراً فنياً. ففي لوحة للفنان شكلت النافذة مصدراً للتوهج، انسجمت مع مجموعة الألوان المتناغمة والمنسجمة بسردية عالية. وهذه الظاهرة الفنية إضافة نوعية لاشتغال لوّحات الفنان. فهو معني من خلال توظيفاته بتنظيم سردية تروي ضروب المعاني. فالحكاية تنبع من الموجودات الجمالية، وصياغتها بهرمونية عالية يمكنها من طرح الأفكار عبر إشارات ذكرناها، سواء كانت حروفية أو لوّنية أو خطية.
إن استثمار الحرف مهما كانت خصائصه وهُويته اللغوية، يخلق مناخاً خاصاً يتحوّل إلى فضاء فني. وهذا بدوره وبفعل التكثيف الفني أنتج أسطورته، التي قد لا تنتمي إلى أسطورة ما في التاريخ، لكنها تنتمي إلى الأسطورة ذاتها في تشكلها وبنيتها وبالتالي تكون بمثابة تشكّل نظرة الفنان الأسطورية لما حوّله. فالأسطورة تنشط في كل زمان ومكان، لاسيّما إذا ما توّفرت لها العوالم المتعلقة بإنتاجها، أي الحتمية والضرورة. بمعنى إذا ما حدث من خلل ما في المنظومة الوجودية، بحيث تُخلقت معالم فوق الواقع. في مثل هذه النتائج، تنشط وحدات الأسطورة، مستفيدة من استثناءات الظواهر، فالمنتج يخلق أسطورته، بمعنى ( يؤسطر) الظاهرة والواقع. ولعل الدهشة واحدة من مقومات استنهاض مثل هذه المعلم المعرفي الجدلي، وهي دهشة بدائية لمرأى الوجود المحفوف بالغموض والأسرار والمضمرات، فالفنان ينحني دهشة، ولكي ينسجم مع ما يرى من باب عكسه جمالياً، نجده يميل إلى تخليق أدوات جديدة. ولعل الرؤى الأسطورية واحدة من تلك الأدوات التي تجد لها متسعاً في الحرف والمنمنمة والزخرف الشعبية. كذلك تنضيد سرديات قادرة على عكس الحكاية الأم بتفاصيل أو اقتضاب. ولعل هذا أيضاً مرتبط بقوة المعنى الذي يجد الفنان أن لا تُشكله سوى البنية الأسطورية التي تكون بمثابة فضاء جاذباً وليس طارداً، بسبب ما يكمن في ذاته كأسلوب الكثير من عناصر الدهشة.وهذا ما تجسد ــ كم ذكرنا ــ من خلال توظيف الحرف العربي أيضاً، فقد خلق أسطورته التي تحاكي الواقع وتمثيلاته.
يعمد حاتم في اشتغاله بشكل عام، على خلق الانسجام. وتبرز أهميته في كونه قادرا على خلق علاقات بنيوية بين الموّظَف والمعنى. ومن أجل هذا المرمى الفني اشتغل على تشكيل معمار شجري للمفردات اللغوية وانسجامها مع بقية الأشكال الأخرى التي هي وحدات فنية أقرّها ذهنه ، فكان وجودها المتغيّر دالا على تفعيل المعنى وليس خارجاً عنه. وهذ يتم عبر حضور الألوان بكل قوتها اللوّنية كالأحمر الذي يتحوّل إلى لون معتق للدلالة على إيحائه التراثي كذلك الأصفر والأسود. وهذا لا يتدرج إلا وفق سمفونية لوّنية منسجمة، وذات دالات تراثية خالصة.

محمد حاتم

اهتمامات أخرى

لمحمد حاتم عوالمه الزاخرة بالمعاني، والتي اختار لها متسعاً من التوظيفات، في ما خلقه من فضاءات واسعة. فهو يُضيف إلى تجربته دائماً، مؤكداً، إنه ليس ببعيد عن واقعه. فقط ما يتغيّر عنده هو الأسلوب النابع من الضرورة الجمالية لتشكيل اللوّحة. ففي لوّحات له نجد ثمة اهتمام بالـ (بورتريه) الذي يرتكز على اختيار ما يعبّر ببلاغة عن القيمة النفسية للنموذج. فهو يمنح وجوده تداخلاً دالا على البؤس، تعكس الهم الذاتي. هذه النماذج يستقيها من الواقع. وهي عيّنات مجتمعية فرضها تردي الواقع بكل مفاصله. كذلك اهتمامه ببيئة المياه (الأهوار مجسّداً صور الايشانات) التي تماسّت مع البُعد النفسي للإنسان في البيئة، فهي ملاذ روحي، وبؤرة خلاص من واقع سيئ تشوبه علاقات هجينة. ولعل تأثير الحكايات الشعبية، في فضاء لوّحاته من خلال نماذج بشرية، يبدو انسجامها مع المرويات، واحدة من العوامل الخالقة للملاذ الروحي. وهي كما في لوحاته التي تحكي أصالة المروية منذ وجود الإنسان الأول في الكهف، ممتدة حتى زمننا هذا، وتجدد أمر توظيفها في المنتج لإبداعي، وحصراً في اللوحة التشكيلية.. كحكايات الطفولة والصبا، متممة لبنيتها عبر التوفر على الرموز الحروفية سواء كانت مسمارية أو صورية.
إن الفنان محمد حاتم كما نراه فنان يلاحق ما يمكّنه من تجسيد المعنى، لأنه فنان ملتزم بالزمان والمكان وحيواتهما. لذا أخضع أداته الفنية لمرتسم معرفته بالأشياء والوسائل.

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية